العرب على طاولة قمار ترامب

الأحد 2016/11/13

جميع ما اكتسبه الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب من خبرة عبر نصف قرن من الزمان كان في إدارة البارات ونوادي الخمر والقمار وتجارة العقار، وبناء الفنادق الباذخة بأقل ما يمكن من كلفة. وأثبت شطارته الفائقة، على عادة جميع المقاولين في العالم، في تحقيق أقصى خفض ممكن للتكاليف، حتى لو كان ذلك عن طريق استغلال الثغرات ونقاط الضعف في القوانين، والإفلات من ديون الحكومة والمقرضين.

بعابرة أوضح، إن الرئيس الأميركي الجديد خبير قمار ورجل صفقات تجارية واحتساب كلفة وربح. أي أنه لن يلجأ إلى التحذلق والتصنع والإكثار من الحديث عن القيم والأخلاق والشرف وحقوق الإنسان وحرية الشعوب، ولن يَعد بشيء لا ينوي الوفاء به.

ترامب سيجلس على طاولة المفاوضات المستديرة أمام أيّ زعيم يريد أن يعقد معه اتفاقية من أيّ نوع، فيبادر إلى فتح ملفاته، فورا، دون مجاملات منافقة، ودون سؤال عن الصحة والأهل والمزاج، ثم يمسك بقلمه ويبدأ بالكلام “كم تدفع لتشتري، وكم تطلب لتبيع؟” هذا هو ملخّص فهمه للسياسة الخارجية، والذي لا يعرف غيره، ولا يجيد سواه.

ولقد أخطأ العرب بمعاداته، وبترويج استطلاعات الرأي المغشوشة التي ظلت تؤكد للناس أن على ترامب أن يعلن انسحابه من السباق، بعد أن تأكدت خسارته فيه، دون ريب. وكأن أشقاءنا العرب كانوا يُحبّون أن تفوز هيلاري التي خططت ونفذت أسوأ سياسات إدارة أوباما في ليبيا وسوريا والعراق، ولن تفعل إلا ما تعلّمته واختزنته من الكذب والنفاق والغش والخداع.

وبعضُ الذي أسقطها ضحكاتُها الصبيانية الرخيصة في المناظرات، وإصرارها الدائم، وإلحاحها المملّ على علاقات منافسها النسائية التي تقول إنها “لا تتفق مع الأخلاق والقيم التي ينبغي أن يتحلى بها رئيس لأميركا”، ناسية سجلّ زوجها الشبق، ومغامراته الجنسية الفاضحة التي تساهلت هي معه فيها، واعتبرتها شيئا عاديا لا أهمية له ولا يتطلب غضبا ولا طلب طلاق.

وحتى بعد أن برأها الـ”أف.بي.آي” من الفعل الجنائي في محوها للآلاف من رسائلها الرسمية على عنوانها البريدي الإلكتروني الخاص فقد وجد فيها كثير من الأميركيين احتيالا وكذبا وفعلا فاضحا لا يليق بوزيرة خارجية دولة عظمى.

لقد فاز ترامب بأصوات ستة وخمسين مليونا وأربعمئة وخمسة وثلاثين ألفا وثلاثمئة وتسعين صوتا. وإذا أضيف إليها ربعُ هذا العدد من الناخبين الذين تعذّر عليهم الاقتراع، مع ملايين أخرى آمنت بتفوق كلينتون في استطلاعات الرأي الخادعة فقررت مقاطعة الانتخاب، فإن ترامب يكون قد فاز بثقة مئة مليون ناخب أميركي، على الأقل، دون أن يرشو ناخبا واحدا، أو رئيس قبيلة، أو حزب، أو ميليشيا، أو مرجعية، ولم يقدم قطع أراضٍ “فضائية”، ولم يسمح لأحد بعمولة أو بصفقة أو مقاولة أو بمشروع وهمي، مقابل “انتخبوني”.

أما الذي جعل الشعب الأميركي يُفضل القادم من خارج الأسر الحاكمة في واشنطن واحدا مقامرا، مقاولا ومدير صالات رقص وخمر ونساء وفنادق قمار، وصاحب سجل طويل في ملاحقة الجميلات، فهو خراب الطبقة السياسية التقليدية الأميركية وفسادُها ونفاقها.

ترامب سيجلس على طاولة المفاوضات المستديرة أمام أيّ زعيم يريد أن يعقد معه اتفاقية من أيّ نوع، فيبادر إلى فتح ملفاته، فورا، دون مجاملات منافقة، ودون سؤال عن الصحة والأهل والمزاج

على امتداد ستة وثلاثين عاما، من عام 1981، عهد رونالد ريغان (ثماني سنوات)، ثم نائبه جورج بوش الأب، ثم كلينتون (ثماني سنوات)، ثم جورج بوش الابن (ثماني سنوات)، وأوباما (ثماني سنوات)، تكدس في البيت الأبيض، وفي الكونغرس بمجلسيه، مترهّلون ومنافقون وفاسدون وأغبياء مزمنون ودائمون يورثونها لأبنائهم وأحفادهم، الأمر الذي جعل الأميركيين يقرفون منهم ومن ألاعيبهم ومماحكاتهم ومهاتراتهم، ويقلبون الطاولة، دفعة واحدة، على جميع أعضاء نادي السياسيين المحترفين تجّار الشعارات، والأخلاق، والقيم الكاذبة، إلى الحدّ الذي لم يتعب فيه دونالد ترامب في تخطي جدار الـ270 من أصوات المجمع الانتخابي المطلوبة للفوز، بل حصد، وبسهولة 288 صوتا، مع كسبه لأصوات 30 ولاية. (أتته الرئاسة منقادةً إليه تُجرر أذيالها، فلم تكُ تصلح إلا لهُ، ولم يكُ يصلح إلا لها)، مع الاعتذار لأبي العتاهية.

فأوباما الذي لم تصادف أميركا أسوأ منه ولا أكذب، ولا أكثر خمولا وكسلا وقلة رغبة في العمل الجاد، فاز في الدورة الأولى بكذبة “نعم نستطيع″. وفي الدورة الثانية فاز بوعود الوظائف للعاطلين، والرعاية الصحية لمن ليس لديه تأمين، وبإنعاش الاقتصاد الأميركي، وبالحدّ من الجريمة، فسقط في نظر المواطن الأميركي لكذبه وقلة وفائه بوعوده. ثم فقد هيبة الرئاسة حين رسم خطه الأحمر على استخدام بشار الأسد سلاحا كيميائيا، ثم بلع لسانه حين سخر الأسد من كل خطوطه الحمر، وفعلها مرات ومرات، موجها لعظمة الدولة الأقوى في العالم إهانة لم يغفرها الناخب الأميركي لأوباما، وعاقبه بها شرّ عقاب.

ومع استمرار الجمهوريين في الهيمنة على الكونغرس، بمجلسيه، سيقف ترامب على أرض من إسمنت وحديد مسلح، كما أحبَّ أن يكون دائما، ليضع رجلا فوق رجل، ويأمر فيطاع. وربما يأخذ منه الوضع الاقتصادي الداخلي وقتا غير قليل، ولكنّ مجده كله لن يتحقق إلا بتحويل العلاقة مع حلفاء أميركا الذين يستظلون بأقمارها، ويحتمون ببوارجها، وبأموالها، ودماء أبنائها، إلى علاقة عرض وطلب، بيع وشراء.

ولا بد أن يكون هذا ما ينبغي للعرب أن يفرحوا به، ويصفقوا له، خصوصا وأنهم مكثوا عشرات السنين يدفعون لأميركا ولا يقبضون منها غير الكلام. وحين تحين ساعة المصلحة ترميهم أميركا عن ظهرها بسهولة، وتدع خصومهم يسحلون جثثهم في الشوارع، أو يعلقونها على أعمدة النور. فأيهما أفضل وأنفع لهم رئيس أميركي مخادع وخبيث وضعيف أم رئيس يبيع ويشتري ولا يلفّ ولا يدور؟

شيء آخر. لعل أكبر فضائل ترامب هي فهمه لطبيعة النظام الإيراني الإرهابية الظلامية، وعزمه على وقف عبثها بأمن منطقة تبقى برغم كل المتغيرات مربط خيول أميركا ومصدر رزقها الكبير. وسيلتزم بحماية أمن “زبائنه” العرب إذا دفعوا، وسوف يدفعون دون شك، إن كانوا يعقلون.

كاتب عراقي

6