العرب في الغرب.. اندماج منقوص وانتماء مؤجل

يعيش العرب في الدول الغربية عموما على شكل تجمعات، حتى أن مناطق وأحياء في مدن هذه الدول باتت تسمى باسمهم.
الثلاثاء 2019/07/02
العيش في الغرب مع تأجيل التنفيذ

أن تأتي إلى بلاد الغرب لاجئا أو مهاجرا فهذا أمر يفسر في سياق الظروف التي دفعتك إلى ذلك، ولكن أن تبقى في هذه البلاد غريبا إلى الأبد فهذا يعني أنك تعاني مشكلة في اندماجك مع المجتمع الغربي.

تتيح الدول الأوروبية للاجئين والمهاجرين الحصول على جنسيتها بعد سنوات من الإقامة فيها ضمن شروط محددة ليست بمستحيلة التنفيذ، ورغم ذلك يبقى عجز العرب على الاندماج مع البلد الجديد، أمرا واضحا ويستحق التأمل والخوض في أسبابه.

محاولة البحث في أسباب الاندماج المنقوص للعرب في الغرب بوصفهم جزءا من الجالية المسلمة بشكل عام، لن توصل إلى نتائج دقيقة، فليس كل العرب مسلمين، وهم يختلفون عن المسلمين الذين ينحدرون من أصول أخرى في تفاصيل كثيرة، سواء في وطنهم الأم أو في دول المهجر واللجوء.أسباب كثيرة تحاول تفسير الانتماء المؤجل للعرب إلى دولهم الغربية، تبدأ من اللغة ولا تنتهي بالدين، مرورا بالقوانين والتبعية للأوطان الأصلية، السلبية إزاء الحياة السياسية في هذه الدول.

يصعب تقدير أي الأسباب يحمل التأثير الأكبر في عزوف غالبية العرب عن الاندماج في مجتمعات الغرب، فتأثير هذه الأسباب يتباين من دولة إلى أخرى، كما أنه يبدو أحيانا لا يقدم تفسيرا لسلوكهم.

جماعات الإسلام السياسي في الغرب تنشر من الفتاوى والأحكام الدينية ما يكره العرب بالغرب

هناك من العرب من يصل إلى دول غربية مثل السويد وسويسرا وكندا وألمانيا ويعيش فيها حياة مؤجلة حتى يحصل على جنسيتها ومن ثم يطير للعيش في بريطانيا، وعندما تسأل عن السبب يجيبك بأنه البحث عن العمل أو صعوبة تعلم لغات تلك الدول.

بعد بضع سنوات تبحث وراء “النازحين العرب” تجدهم لا يعملون ولم يتعلموا اللغة الإنكليزية، إلا أنهم لا يفكرون بالعودة لأوطانهم الأوروبية، والسبب هذه المرة هو الطقس البارد هناك.

ربما يكون الطقس مبررا حقيقيا لحالة البداوة والترحال التي تعيشها نسبة كبيرة من العرب في الدول الغربية، لكن استقرارهم في دول دافئة نسبيا مثل فرنسا أو بريطانيا، لا يعني أبدا أنهم باتوا مستعدين للاندماج في هذه الدول والتحول إلى جاليات فاعلة في الحياة العامة.

يعيش العرب في الدول الغربية عموما على شكل تجمعات، حتى أن مناطق وأحياء في مدن هذه الدول باتت تسمى باسمهم. تستطيع كعربي أن تعيش لسنوات طويلة في هذه المناطق دون أن تحتاج لاستخدام لغة البلد الأساسية إلا في حدود ضيقة جدا.

انكفاء العرب في تجمعاتهم يخلق لديهم سلبية تجاه الحياة في الدول الأوروبية، مقابل متابعة حثيثة لما يجري في أوطانهم الأم، وكأن

أجسادهم فقط هي التي تقطن في الغرب وأرواحهم لا تزال في شوارع وأحياء تلك الدول التي فروا منها وهجروها.

المحافظة على الحبل الطويل الذي يبدأ برقبتك وينتهي بوطنك الأم يجعل “الحياة هي نفسها في مكان آخر”، ويصعّب عملية الاندماج في المجتمعات الغربية. خاصة بالنسبة لهؤلاء الذين هاجروا إلى الغرب كبارا ولا تزال ذاكرتهم تعج بالخطوط المستقيمة الناظمة للحياة في أوطانهم الأصلية.

الخطوط المستقيمة، أو لنقل ثوابت العقيدة أو الأيديولوجيا أو القومية أو القطرية، ينقلها المهاجرون لأبنائهم مع تغيرات طفيفة فرضتها قوانين الوطن الجديد.

في الحقيقة لا يمكن تحميل المهاجرين كامل المسؤولية عن فشل اندماجهم وتخلصهم من الخطوط المستقيمة التي استقدموها من أوطانهم الأصلية. جزء من المسؤولية تتحمله قوانين دول المهجر وجزء يتحمله السكان الأصليون لهذه الدول وثالث يقع على عاتق حكومات وأنظمة الدول العربية.

أما القوانين فهي تنطوي في بعض الدول الغربية على قصور في احتواء المهاجرين، وفقا لتخصصاتهم ومؤهلاتهم، في مجالات العمل المختلفة، كذلك تتراخى بعض الدول في تعليم المهاجرين لغة البلاد فيضطرون للبقاء داخل التجمعات العربية بسبب صعوبة تواصلهم مع المجتمع الكبير.

المهاجر العربي مكبل بموروث الوطن الأم
المهاجر العربي مكبل بموروث الوطن الأم

على ضفة السكان الأصليين لدول المهجر تتسع رقعة رفض العرب والمسلمين عموما، سواء بسبب الإسلاموفوبيا بما تنطوي عليه من مفاهيم عممتها وسائل إعلام غربية، وعلى رأسها ارتباط الإرهاب بالإسلام دولا وأفرادا، أو بسبب تمدد جماعات اليمين المتطرف الداعية لنقاء المجتمعات الغربية.

في ما يتعلق بدور الأنظمة العربية في تأخر اندماج المهاجرين، فهو يمثل واحدا من أقبح وجوه تلك الأنظمة، حيث لا تتوقف تلك الأنظمة عند تنفير الشعوب من أوطانها حتى تهاجر عنها، وإنما تلاحق المهاجرين لتصنع منهم عسسا يضربون الصالح بالطالح ويفشلون أي مشروع عربي في المهجر.

لا تريد الأنظمة العربية لشعوبها أن تتحرر حتى في المهجر، ولا تريد معارضة من هذه الشعوب ولو على بعد مئات الآلاف من الأميال عن قصورها.

إن دور جماعات الإسلام السياسي في الغرب، لا يقل بشاعة عن الأنظمة العربية، في إفشال محاولات العرب للاندماج في أوطانهم الجديدة، فهم ينشرون من الفتاوى والأحكام الدينية ما يكره العرب بالغرب.

هل يعقل أن يندمج مسلم حرّمت عليه تهنئة مسيحي بعيده أو قبول هدية منه في المناسبات الإسلامية؟ هل يعقل أن تجمع صداقة بين طفل عربي مسلم وآخر تصفه المناهج الدراسية العربية بالكافر؟ هل تنتظر من الذين يعتبرون التلفاز بدعة أن يتصالحوا مع أنفسهم ومع مخترعي هذا الجهاز؟

12