العرب لا يرقصون في الفيلم الإسرائيلي الجديد لعيران ريكليس

الثلاثاء 2014/11/11
الفيلم يحكي قصة فلسطيني قدم هويته قربانا لنجاحه الخاص

لندن – "العرب يرقصون" أو "الراقصون العرب" هو الفيلم الجديد للمخرج الإسرائيلي عيران ريكليس المعروف بأفلامه “الفلسطينية” المثيرة للجدل. ونقصد بـ”الفلسطينية” تلك الأفلام التي تتناول العلاقة بين الفلسطينيين داخل إسرائيل، -الذين يحملون الهوية الإسرائيلية أو “عرب إسرائيل”- وبين اليهود الإسرائيليين.

يعتمد ريكليس في معظم أفلامه “الفلسطينية” على كتب أو سيناريوهات لكتاب فلسطينيين. وهو يعبّر من فيلم إلى آخر، عن رغبته في إمكانية تحقيق التعايش بين الفلسطينيين العرب واليهود الإسرائيليين داخل إسرائيل، وفي الوقت نفسه، يصوّر نماذج للمأزق الفلسطيني- الإسرائيلي الذي يحول دون تحقيق ذلك، بسبب ما يراه من مواقف متطرفة على الجانبين.

أفلام ريكليس التي تتناول العلاقة بين الفلسطيني واليهودي في الداخل، اتضحت منذ فيلمه الأول “في يوم صحو تستطيع أن ترى دمشق” (1984).

جاء فيلم "العرب يرقصون" الذي عرض في مهرجان لندن السينمائي الثامن والخمسين عن سيناريو سيد كاشو، الذي استمدّه من الكتاب الذي يروي فيه سيرته الذاتية، وهو كاتب من “عرب إسرائيل” يكتب بالعبرية، وله عمود أسبوعي في صحيفة "هاآرتز"، كما يقدم برنامجا ساخرا في التليفزيون الإسرائيلي.

يتابع فيلم “العرب يرقصون” رحلة صبي فلسطيني يدعى “إياد” يقيم مع أسرته في بلدة “الطيرة” الفلسطينية -وهي نفس البلدة التي جاء منها سيد كاشو- من الجهل إلى المعرفة، ومن البلدة إلى المدينة الكبيرة، ومن المحيط الفلسطيني إلى الأغلبية اليهودية، ومن العربية إلى العبرية، ومن الارتباط بالعائلة، إلى الاندماج في عائلة أخرى، بل والتخلي عن هويته الأصلية، لكي يتمكن من مواصلة النجاح في “المجتمع الإسرائيلي”!

أحداث الفيلم تبدأ عام 1982، مع الغزو الإسرائيلي للأراضي اللبنانية، وفي أول لقطات الفيلم نرى الطائرات الحربية الإسرائيلية تمرّ في سماء البلدة، بينما الأهالي ومنهم أفراد عائلة بطلنا “إياد” يصبون عليها اللعنات ويدعون بالنصر لعرفات. إياد يعيش مع أسرته المكوّنة من جدّته التي يرتبط بها كثيرا، ووالدته “فهيمة” (لاتيتا إيدو)، ووالده “صلاح” (علي سليمان) وهو صاحب تاريخ نضالي قديم، وكان قد قضى عامين ونصفا في السجن عندما قبض عليه سنة 1969 للاشتباه في علاقته بتفجير “إرهابي”، ممّا اضطرّه للانقطاع عن دراسته الجامعية، فينتهي به الأمر إلى العمل كعامل لجمع الفاكهة.

الفيلم رغم ما نأخذه عليه من اضطراب في الأفكار، لا شك أنه أفضل أفلام مخرجه، من ناحية السيطرة على الإخراج والتمثيل


الانتقال


يبدي إياد تفوقا كبيرا خاصة في الرياضيات، ويحصل على درجات عالية في الثانوية مما يتيح له القبول في مدرسة عليا إسرائيلية في القدس، معروفة بأنها من مدارس النخبة، لا يدخلها عادة سوى الطلاب اليهود.

يمرّ الفيلم على الانتفاضة ثم حرب العراق الأولى عام 1991، ويصوّر كيف يصطف الفلسطينيون فوق أسطح منازلهم يهللون كلما سقط صاروخ من صواريخ صدام، ويعبرون عن الإحباط كلما اعترض أحد صواريخ باترويت صاروخا عراقيا.

ويتضرّع “صلاح” أن يصيب أحد هذه الصواريخ وزارة الدفاع الإسرائيلية مباشرة، ويجد صلاح مبررا لفشل صواريخ صدام، ويبشر الآخرين باستخدام صدام المنتظر للأسلحة الكيميائية.

ولعل هذا “التهليل” هو ما دعا المؤلف سيد كاشو إلى أن يطلق على كتابه وعلى الفيلم عنوان “العرب يرقصون” ولو على سبيل السخرية، لكن لا شك أن العنوان مضلل فلا يوجد في الفيلم عرب يرقصون، وليس هذا فيلما “موسيقيا”!

لكن الواضح أن “خيبة أمل العرب” في صدام، وسقوط شعاراتهم “القومية” كما يريد الفيلم أن يقول، ستكون دافعا إلى أن يفتح إياد عينيه على حقيقة أخرى، بعد أن ينتقل من عالم إلى عالم، ومن أناس إلى أناس آخرين، ومن أقلية مهمشة، إلى أغلبية طاغية.

ومن القراءة الموضوعية للفيلم نجد أن إياد سيذهب ويلتحق بالمدرسة الداخلية محاطا بالطلاب اليهود، ويتعرض هناك في البداية لبعض المضايقات -لا تصل قط إلى اعتداءات-، لكنه يقع في حب فتاة يهودية هي “نعومي” وتتوطد علاقتهما، ثم يقيم أيضا علاقة مع شاب يهودي في عمره هو “يوناثان” يعاني من مرض في الجهاز العصبي جعله عاجزا عن الحركة ويجلس على مقعد متحرّك. يتردّد إياد على بيته ضمن برنامج “الخدمة العامة” الإجباري لمن يدرسون في هذه المدرسة النخبوية.

يحرص ريكليس على تصوير الطرف اليهودي في صورة ليبرالية منفتحة متسامحة لطيفة

تشوب علاقة الاثنين في البداية بعض الشكوك وبعض الاحتكاك اللفظي والتهكم المتبادل، لكن سعة صدر إياد وإنسانيته وإخلاصه في مراجعة الدروس مع يوناثان، وما يتمتع به يوناثان من مرح وحب للموسيقى مثل إياد، تجعل العلاقة بينهما تتوطد ويصبحان كأنهما شقيقان، وترحب “إدما” أم يوناثان بهذه العلاقة، بل وتشجع إياد على الإقامة معهما بعد تدهور حالة يوناثان الصحية. هناك بالطبع تلك التعقيدات التي تنشأ نتيجة علاقة إياد بنعومي، وردّ فعل والدة نعومي عندما تخبرها الفتاة بعلاقتها مع إياد، حيث تتمنى لها الإصابة بالسرطان أو أن تصبح سحاقية، ثم تحظر عليها الذهاب إلى المدرسة.

فيترك إياد المدرسة لكي يتيح لها فرصة العودة، ويحصل على عمل في مطبخ أحد المطاعم، مع عدد من الفلسطينيين الذين يعانون من التفرقة العنصرية، ويعرف أنه لكي يصبح ساقيا يحصل على عشرة أضعاف ما يحصل عليه، ولذلك يجب أن يكون يهوديا، فيسرق بطاقة هوية يوناثان الذي يكون قد دخل في غيبوبة، وتكتشف “إدنا” الأمر لكنها لا تمانع، فقد أصبح إياد بالنسبة إليها “الابن البديل”، وهو يصبح كذلك عمليا.

فبعد أن يموت يوناثان، يتم دفنه في حضور الأم باعتباره إياد، أي بموجب طقوس إسلامية في مقابر المسلمين خارج القدس، بينما يصبح إياد “الحقيقي” هو يوناثان اليهودي، ويضمن له بالتالي مكانا في مجتمع اليهود!


تساؤلات


هل هي صورة “مجازية” مقصود بها استهجان الأوضاع التي يعيشها “عرب إسرائيل” وما يشعرون به من اغتراب؟ أم هي دعوة إلى الاندماج والذوبان والتخلي عن الهوية؟

يحرص ريكليس على تصوير الطرف اليهودي في صورة ليبرالية منفتحة متسامحة لطيفة، بل ومن خلال شخصيات جميلة ومحببة، لا يتعرض إياد مثلا سوى مرة واحدة فقط للتفتيش من جانب شرطي بعد أن يسمعه يقول لنعومي “أنا أحبك” بالعربية.

انتقال البطل من أقلية مهمشة إلى أغلبية طاغية

وتبدو علاقة إياد مثالية بيوناثان وأمه (وهما من اليهود الأشكيناز الأثرياء)، وتبدو نعومي مولعة بإياد، بل تستمتع أيضا بسماعه يتحدث العربية، كما يحصل على إعجاب المعلمة وزملائه الطلاب اليهود، عندما يناقش المعلمة وينبري لها بذكاء، لكي يفند القيمة الأدبية في أعمال كتاب إسرائيليين مثل آموس عوز وديفيد جروسمان.

فيكشف ببراعة إشاراتهم العنصرية في تصويرهم الشخصية الفلسطينية، وكيف يصوّرون الفلسطيني ككائن مصاب بالسعار الجنسي، وأن لديه دوافع لاغتصاب الفتيات اليهوديات، إلخ..

يهتم ريكليس أيضا بوضع الكثير من العلامات والإشارات التي تبرز عنصرية اليمين الإسرائيلي، في الشوارع، وعلى الجدران، ويصوّر مجموعة من أنصار الحاخام العنصري مائير كاهانا يهتفون ضدّ العرب. لكنه يصور أيضا - من خلال ما نراه على شاشة التليفزيون- بعض عمليات التفجير الانتحارية التي يردّها إلى حماس.

إياد الذي ينتقل من بيئة إلى أخرى مختلفة تماما، يتحدث بالعبرية، ويستمع إلى الأغاني العبرية، ويقرأ بالعبرية، ويعايش اليهود ويصادقهم ويجد منهم العطف والتبني، يفقد بالتالي هويته تدريجيا، ويستسلم في النهاية إلى الطرف الآخر، الأقوى. فيكون له ما أراد من صعود، يذهب إلى ألمانيا لمزاولة الدراسات العليا، ثم يعود باعتباره “يوناثان” الذي تنتظره والدته “إدنا” اليهودية في المطار لتصحبه إلى حياة آمنة، بعد أن تكون أسرته الفلسطينية قد تراجعت إلى المجهول.

الفيلم رغم ما نأخذه عليه من اضطراب في الأفكار، لا شك أنه أفضل أفلام مخرجه، من ناحية السيطرة على الإخراج والإيقاع والتمثيل، خاصة توفيق برهوم في دور إياد شابا، وعلي سليمان في دور صلاح، وميشيل مشونوف في دور يوناثان.

والاستخدام البديع للموسيقى لجوناثان ريكليس بتنويعاته على الموسيقى العربية باستخدام العود والناي، مع اختيار بارع للأماكن، خاصة في مدينة القدس، مع تمكن المصور الألماني ميشيل فيسفيج في ضبط الضوء بين المشاهد الداخلية والخارجية.

في أحد المشاهد الجيدة التي تستخدم فيها الكاميرا المتحركة في المكان على طريقة الأفلام الوثائقية، نرى إياد يدفع المقعد المتحرك الذي يجلس عليه يوناثان، في أزقة القدس وشوارعها الضيقة، لكي يخرجه من حالة العزلة والاكتئاب ويساعده على استنشاق الهواء النقي ورؤية البشر، بل ولا ينسى إياد صديقه حتى بعد وفاته، فهو يخوض الامتحان النهائي نيابة عن يوناثان وعن نفسه كذلك، فيحصل على نفس درجات التفوق له ولصديقه.

ولكن ستظل المشكلة الأساسية تتركز في الفكرة التي ترى أن الذوبان التام في “الآخر”، قد تكون كفيلة بتحقيق التعايش في شكله المثالي، فهل المطلوب من فلسطينيي الداخل التخلي عن هويتهم!

16