العرب.. من حلم الوحدة إلى واقع التشظي والتقسيم

الأحد 2014/01/12

شبح التقسيم يحوم حول كل دول العرب من محيطهم إلى خليجهم، والكل دون استثناء مُهدد بحلول هذا الشبح في دياره ما لم تبحث هذه الدول عن السبب في وجود هذا الشبح بكل صدق وشفافية، إذ أن عصر صناعة الأوهام، وذر الرماد في العيون، والشعارات الكبيرة الخادعة، وإلقاء اللوم كل اللوم على متآمر خارجي قد ولّى، وهو من أسباب ظهور شبح التقسيم من قمقمه الذي كان قابعا فيه يتحين الفرص للخروج، وما أكثرها من فرص في دنيا العرب.

السودان، الذي كان أكبر الدول العربية مساحة قد تقسم وتحول إلى دولتين تكنّان العداء لبعضهما البعض، ومع ذلك فإن شبح التقسيم ما زال يحوم في أجواء السودان العربي، ولا شأن لنا بجنوبه بعد أن أصبح كيانا مستقلا بذاته. والعراق حكايته واحدة من حكايات ألف ليلة وليلة العجائبية، حيث يحوم الجن وتنتشر الشياطين كفيروسات هذا الزمان تعيث فسادا في كل ركن من أركان بلاد حمورابي وبختنصر والرشيد. فلا شيعة العراق اليوم يريدون سنّته، ولا سنّته يبغون شيعته، ولا كرده يحبون عربه، ولا عربه يثقون في كرده، ولا شماله يطيق جنوبه، ولا جنوبه راغب في شماله أو غربه أو حتى وسطه، ناهيك عن أشورييه وكلدانه وغيرهم ممن هم ضائعون اليوم في معركة بلا هدف، وحرب بلا غاية، وإن كثرت فيها الرايات، وتعددت ألوان البيارق، والكل يصرخ مع ابن السياب: ” إلى العراق متى أعود؟”، فيأتيهم الصدى مجيبا من بعيد مع ابن السياب أيضاً: “واحسرتاه.. فلن أعود إلى العراق “.

وفي الشام ثورة مشروعة ولكنها باتت ضائعة، وجسد تكالبت عليه خفافيش الظلام تنهش منه الجسد وتمتص قطرات الدم، وليس من البعيد أن تتفق خفافيش الداخل ووطاويط الخارج على تقسيم جسد يحتضر، فيأخذ هذا الرجل وذاك اليد والكتف، ويُلقى بالرأس إلى صاحب النصيب. وفي ليبيا مشاكل مؤجلة أهيل عليها تراب الاستبداد في الماضي فاختفت كما يختفي الجمر تحت الرماد، وما إن زال ثوب الاستبداد، حتى عادت الجمرات متوهجة محرقة أصابع من يمسها، فعادت برقة وطرابلس وفزّان إلى الوجود والسعي إلى إثبات الحقوق، وابتسم شبح التقسيم، ولم لا يبتسم وقد أصبحت الثمرة قاب قوسين أو أدنى من فيه. بل وحتى في مصر، الدولة التي ما كان شبح التقسيم يجرؤ على الاقتراب منها لأكثر من سبعة آلاف سنة، ها هو اليوم يغازلها من بعيد، وفي ظل ظروف عرب اليوم، وتعدد رايات قبائلهم وعشائرهم، فليس أي شيء ببعيد.

بل وحتى لبنان، هذا البلد الصغير، يُخشى عليه من عودة فكر الكانتونات من جديد، فهذا الفكر لم يختف وإن توارى، ولم يمت وإن تماوت، فشبح التقسيم، وغيره من أشباح ليس هنا مجال مناقشتها، أشبه ما تكون بفيروس الطاعون، قد يختفي لسنين وعقود وقرون، ويترك الانطباع بأنه ولّى وتلاشى، فإذا به يضرب من جديد حين تسمح الظروف، والظروف في غاية التسامح لعودة كل أنواع الطاعون في بلاد أهل الأمجاد الدارسة من العرب.

والأمر ليس مقتصرا على هذه الدول من بلاد العرب، وإن كان أقرب، فاليمن ليس بعيدا عن سيناريو التقسيم هذا، فلا جنوبه قابل لهيمنة شماله، ولا شماله قابل للمساواة مع جنوبه. ودولة مثل السعودية، التي تترامى أطرافها ما بين الخليج والبحر، وحدود اليمن وأطراف الشام، ليست بعيدة عن مثل هذا السيناريو، وإن بدا ذلك أبعد مما هو جار في ديار جيرانها في شمالها وجنوبها، ولكن الاحتياط واجب، وافتراض أسوأ السيناريوهات هو الأفضل لوضع الحلول. فالنسيج الاجتماعي السعودي ليس نسيجا متجانسا كما كان يُراد له في دولة تجاوز عمرها الحديث القرن من الزمان، رغم محاولات الدولة أن تجعله كذلك، فهو يمور بالاختلافات العشائرية والقبلية والمناطقية والطائفية، الموروث منها وما نُفخت فيه الروح من جديد، إضافة إلى التناقضات الطبقية والجيليّة الحديثة التي تفاقمت مع طفرة الثروة النفطية في السبعينات.

مثل هذه الفسيفساء الاجتماعية، القديم منها والجديد، تشكل أرضا خصبة لإثارة النزاعات على اختلاف أنواعها، وإذا لم يوجد الإطار أو البوتقة المناسبة لصهر هذه الفسيفساء في مزيج متشابك، فإن القوى التي لها مصلحة في التقسيم، سواء في الداخل أو الخارج، ستجد البيئة المناسبة لتحقيق هدف التقسيم، وليس العراق عن الذهن ببعيد، وهو البلد الذي ظُن ذات يوم أنه أبعد ما يكون عن التقسيم من حيث امتزاج عناصره في كيان واحد، فإذا بشبح التقسيم يكشّر عن أنيابه بعد أن سقط الغطاء الذي كان يُخفي التناقضات ولا يحلها، وهو ذات الغطاء الذي كان يكبت التناقضات الليبية والسورية ومن قبل ذلك السودانية.

“في الزمانات”، أيام “المد القومي” ونشوة تكوين الدولة الوطنية (القُطرية) العربية بعد تفتت دولة آل عثمان ورحيل الأجنبي عن أقطار العرب المستعمرة، وحين كان “الحلم العربي”، والذي لم يكن في حقيقته إلا وهما عربيا، كانت الدولة القُطرية العربية لا تُعتبر إلا خطوة نحو الحلم الأكبر، ألا وهو الدولة العربية الواحدة، الممتدة من “بحر الظلمات” (المحيط الأطلسي) إلى “خليج فارس″ (الخليج العربي)، ولم تكن تُعتبر كيانا نهائيا بأي حال من الأحوال.

وتكرر الأمر مع انحسار المد القومي لصالح “المد الإسلامي”، الذي طرح حلما جديدا- قديما، أو وهما ميتا يحاول هذا المد أن يبعث فيه الروح، ألا وهو دولة الخلافة الإسلامية الواحدة، التي تتجاوز حدود محيط الأطلس وخليج العرب، لتصل إلى محيط الهند وجبال الأفغان وأنهار سيحون وجيحون. في ظل هذه الأحلام- الأوهام، وهي أوهام لأنها بنيت على مجرد الأماني ورغبات الوجدان ومرض الحنين إلى ماض لن يعود، كبتت تفاصيل الواقع المعيش، وهُمّشت حقائق الحياة الفعلية لأنها غير ذات قيمة في مواجهة الحلم الأكبر، حلم الدولة العربية الواحدة، أو حلم الدولة الإسلامية الواحدة. وفي كل قطر كان ” للقوميين ” فيه موطئ قدم، كانوا يحاولون قومنة كل شيء شعارا وحلما، ناسين أو متناسين، جاهلين أو متجاهلين، أن هناك طوائف وقبائل وأقليات قومية لا تجد لها موقعا في كل هذه الرومانسية الإيديولوجية البعيدة كل البعد عما يمور في أحشاء المجتمع من تغير وتحول وحركة. وذات الشيء يمكن أن يُقال عن “الإسلاميين”، أسرى رنين الماضي وصدى أيام خالية لم تعد إلا أطلالا، أو حتى شبه أطلال تلوح من بعيد كالسراب أو كباقي الوشم في ظاهر اليد. والغريب في الأمر أن النخب القومية أو الإسلامية المهيمنة، كانت ترفع الشعار المتجاوز لحدود الدولة القُطرية، في ذات الوقت الذي تمارس فيه أحد السلوكيات الفئوية حين الفعل، وهذا جزء من تناقضات الحياة العربية، وسبب من أسباب المستنقع السياسي والاجتماعي والثقافي الآسن الذي تعوم فيه دول العرب على اختلاف أشكالها وألوانها اليوم.

اليوم حين الإفاقة من أحلام اليقظة وكوابيس الصيف والشتاء، وتبدد أوهام خدعنا فيها النفس قبل خداع الغير، أصبحت الدولة القُطرية أو الوطنية المرفوضة قبلا، حلما صعب المنال بعدا في الكثير من ديار العرب، وذلك كعادة عرب هذا الزمان الذين يرفضون دائما ما هو متاح من أجل ما هو أمل مقام على غير أسس، فإذا المتاح قبلا يتحول إلى أمل بعدا، وما قرار تقسيم فلسطين إلا مثل من أمثال، وحالة من حالات، وكان الله يُحب المحسنين.

كان الانتماء إلى الدولة الوطنية في عهد مؤدلجي الدين والقومية، وما زال لدى ممن يعيشون في أوهام الرومانسية السياسية والخدر الإيديولوجي، جريمة أو شبه جريمة، واليوم أصبح الانتماء الوطني المستند إلى تلك الدولة “القُطرية” المرفوضة هو غاية المنى، في ظل انتماءات فئوية تضيق يوما بعد يوم، ولا ندري إلى أين يؤول هذا التشظي إذا دام الحال على هذا المنوال. فالفرد العربي اليوم، وعلى امتداد تلك الرقعة الجغرافية الممتدة من الماء إلى الماء، لم يعد يجد انتماءه الحقيقي الممارس في عروبة مؤدلجة أو إسلام مسيّس، حتى وإن كان عضوا في حزب أو جماعة تقول بهذا أو ذاك، بقدر ما يجد نفسه في عائلة ينتمي إليها، أو قبيلة يحتمي بها، أو طائفة يستند إليها، أو في منطقة جغرافية ضيقة يلجأ إليها حين المحن، ولم تعد حدود الوطن، وهو تلك الدولة القُطرية التي كانت غير كافية لتحقيق انتماء فرد عربي أو مسلم أو كليهما، إلا كيانا يمكن من خلاله الحصول على هوية قانونية وجواز سفر يمكنان هذا الفرد من الفرار من “وطني حبيبي، الوطن الأكبر”، إلى حيث أوطان المستعمرين والمتآمرين والمشركين وأعداء الأمة، سواء كانت أمّة عربية أو أمّة إسلامية، فلم تعد الأوطان أوطانا منذ أن احتقرت في البداية من أجل أوهام لا تسمن ولا تغني من جوع، فأصبحت آمالاً في ظل تشرذم أين منه تشرذم أهل بابل في ذلك الزمان السحيق.

أين الخلل؟ وماذا جرى؟ ولماذا هبطنا من أوهام الكيان الكبير إلى مجرد الحلم بكيان وطني صغير، في ظل فسيفساء كل هذا التشرذم؟ الخلل في ظني، وليس كل الظن إثم، يكمن في كمّ من تراكمات وسلوكيات سياسية تدور في معظمها حول ما يمكن تسميته “آفة التجانس”، بالإضافة إلى علل أخرى ليس هنا مجال مناقشتها، تضاف إلى أخواتها من آفات الزعامة والتعليب والأدلجة وغيرها مما قد نتعرض له مستقبلا. فمنذ انبثاق الدولة الوطنية (القُطرية) العربية الحديثة (الحديثة زمنا وليس روحا وسلوكا)، وكل نظام حكم مهيمن فيها يحاول أن يحشر كل المكونات الاجتماعية في هذه الدولة في قالب واحد، انطلاقا من توجه فوق وطني شعارا، أو تحت وطني سلوكا، حيث تختفي جميع ألوان الطيف الاجتماعي وتتحول إلى لون واحد لا لون حقيقي له، أو بفرض أحد ألوان هذا الطيف على بقية الألوان حيث تهمّش هذه البقية، وينجح الأمر بقوة السلطة ولكن إلى حين، إذ تبقى تناقضات الطيف الاجتماعي كامنة تبحث عن التعبير عن نفسها حين تسنح الفرصة. من هنا يمكن تفسير هذا الانكماش نحو كيانات أصغر في ظل دولة واحدة، سواء كانت تلك الكيانات هي القبيلة أو الطائفة أو المنطقة وغيرها من كيانات يُفترض فيها أن تكون كيانات وانتماءات فرعية في ظل كيان وانتماء وطني أكبر. بطبيعة الحال فإن هناك أسبابا أخرى كثيرة لهذا الانكماش، من هوة طبقية متسعة، وغياب مفهوم المواطنة وما يترتب عليها من مساواة في الذهن والسلوك، وقدرة على التعبير عن الذات الفردية والجماعية على حد سواء، وأمور أخرى لا نقول جديداً حين تعدادها.

كل تجارب الحكم العربية، الدارس منها والقائم، وقعت في “خطيئة” فرض التجانس، فبدل أن تُعامل هذه الأوطان الناشئة على أنها “بوكيه” من ورد متعدد الألوان في باقة واحدة، كان التعامل معها على أنها مجرد طحين يُعجن ليتحول إلى قطعة من عجين متجانس اللون والطعـــم والرائحة، والوطن في النهاية ليس بعجيــــن ولم يكن طحينا قبل ذلك، ومن هنا كان تشرذم الأوطان حين عُجن ما ليس بطحين، وخُبز ما ليس بعجين..

يطول الحديث في هذا الشأن حقيقة، ولكن لا نقول في النهاية إلا أن لكل شيء إذا ما تم نقصان.. حكمة لو كان الرشيد حيّا لكتبها بماء الذهب على أماق البصر، بعد أن تسكت شهرزاد عن الكلام المباح، وديك درويش بْيِدِّنْ كوكو كوكو.

6