العرب وإدارة أوباما.. مشكلة تتجاوز الغباء

الأربعاء 2013/11/13

تتجاوز المشكلة القائمة بين العرب عموما والإدارة الأميركية الحالية الغباء والإصابة بالعمى. إنها ليست مشكلة غباء فقط. لذلك، ليس كافيا، في أي شكل، نفي وزير الخارجية الأميركي جون كيري هاتين الصفتين عن السياسة التي تعتمدها بلاده تجاه الشرق الأوسط، خصوصا عندما يتعلّق الأمر بصفقة ما مع إيران. نعم، ليس كافيا صدور نفي من هذا النوع عن كيري، كي تعود الثقة بين العرب، عرب الاعتدال من جهة، وإدارة باراك أوباما من جهة أخرى.

باختصار شديد، يحتاج العرب الذين يعتبرون أنفسهم، من دون خجل، حلفاء لأميركا إلى سياسة تتسم قبل أي شيء آخر بالوضوح. فالمؤسف أوّلا، أنّ إدارة أوباما لا تفرّق بين العرب من جهة وإسرائيل من جهة أخرى. وضعت كلّ حلفائها في سلّة واحدة. مثل هذا التصرّف لا يدلّ على غباء وعجز عن الرؤية الثاقبة فحسب، بل يدلّ أيضا على وجود عقل تبسيطي في واشنطن لا يعرف شيئا عن إيران وممارساتها من جهة، وعما يعاني منه العرب في العمق من جهة أخرى. إنها سياسة تصبّ في النظر إلى الموضوع الإيراني من زاوية واحدة وحيدة هي حماية إسرائيل، من دون أخذ في الاعتبار للحاجة إلى الاستقرار في المنطقة. والاستقرار يظلّ، إلى إشعار آخر، مطلب عربي عموما وخليجي على وجه الخصوص.

ما الذي يريده العرب من أميركا؟

الجواب بكل بساطة أن ثمة مخاوف حقيقية من سياسة أميركية لا تعي أن المشكلة مع إيران لا تقتصر على البرنامج النووي وعلى وجود محطة بوشهر في منطقة أقرب إلى الضفة العربية من الخليج من التجمعات السكانية الإيرانية. هذه المحطة تبعد أقلّ من ثلاثمئة كيلومتر عن الكويت، مثلا، في حين أنّها على مسافة سبعمئة كيلومتر من طهران.

ما يحتاج إليه الشرق الأوسط هو سياسة أميركية لا تتجاهل التدخل الإيراني لا في البحرين ولا في العراق ولا في سوريا ولا في لبنان ولا في اليمن.

ماذا تفعل إيران في العراق مثلا؟ هل مشكلة العراقيين مع البرنامج النووي الإيراني أم مع سياسة تقوم على إثارة الغرائز المذهبية؟

ليس هناك عراقي يستطيع تجاهل أن الحكومة العراقية برئاسة السيّد نوري المالكي ما كانت لتتشكل لولا إيران التي مارست ضغوطا أدت في نهاية المطاف إلى استبعاد الدكتور إيّاد علاوي عن موقع رئيس الوزراء. بقي العراق من دون حكومة طوال عشرة أشهر. انتهى الأمر بالإدارة الأميركية أن قبلت باستبعاد إياد علاّوي عن موقع رئيس الوزراء. تشكّلت حكومة برئاسة المالكي الذي كان يشكو في الماضي من «الإرهاب» الذي يمارسه النظام السوري. وانتهى الأمر بتحوّل العراق إلى حليف للنظام السوري من منطلق مذهبي بحت.

لكلّ بلد عربي قصة مع إيران تتجاوز البرنامج النووي الذي يهمّ الولايات المتحدة من زاوية أنه يحتمل أن يتطور إلى برنامج ذي طابع عسكري وأن يهدّد اسرائيل يوما. هذا ما يشكو منه العرب عموما. إنهم يشكون من أن إيران تتدخل في سوريا بالمال والسلاح والرجال من أجل تعميق الشرخ الطائفي والمذهبي فيها. ويشكون أيضا من استعانة إيران بميليشيا مذهبية لبنانية تابعة لها لدعم النظام السوري، الذي يرتكب كلّ صباح ومساء مجزرة في حقّ شعبه من جهة، وتأكيد أن الانتماء المذهبي في لبنان يتجاوز حدود الوطن الصغير وأقوى من الانتماء الوطني من جهة أخرى.

كذلك يشكون من أن إيران تسعى بكلّ وضوح إلى تفتيت اليمن وزيادة الانقسامات فيه كي لا تقوم للبلد، الموجود على حدود المملكة العربية السعودية، قيامة يوما.

أما في البحرين، فإن التدخل الإيراني أكثر من واضح ويقوم أوّل ما يقوم على زعزعة الاستقرار في المملكة، من منطلق مذهبي أوّلا، بغية إفهام كلّ دول المنطقة أنّ دور شرطي الخليج منوط بالنظام الإيراني، وذلك بغض النظر عن طبيعة هذا النظام ونوع العلاقة التي تربطه بالولايات المتّحدة.

هل تغيّر شيء في الخليج بعدما حلّت «الجمهورية الإسلامية» مكان نظام الشاه الإمبراطوري؟ هل تغيّر شيء في السلوك الإيراني تجاه احتلال الجزر الإماراتية الثلاث (أبو موسى وطنب الصغرى وطنب الكبرى) في عهد الشاه؟

في النهاية، إذا كانت الإدارة الأميركية تسعى فعلا إلى تفادي الظهور في مظهر الإدارة الساذجة التي لا تعرف شيئا عن الشرق الأوسط، فإن الخطوة الأولى التي يفترض بها تتمثل في التمييز بين الموقفين العربي والإسرائيلي من إيران. اسرائيل لديها حسابات خاصة بها تتلخّص باحتمال حصول إيران على السلاح النووي. أما العرب، الذين لديهم مشكلة أيضا مع اسرائيل اسمها قضية الشعب الفلسطيني، فلديهم ملفات كثيرة يريدون البحث فيها مع إيران. في مقدّم هذه الملفات؛ هل إيران دولة طبيعية في المنطقة أم قوة عظمى تستطيع أن تسمح لنفسها بالتدخل في الشؤون الداخلية لأيّ جار من جيرانها وحتى في بلدان لا حدود مشتركة معها مثل لبنان أو اليمن وحتّى سوريا.

من وجهة النظر العربية، تتلخّص المشكلة مع إيران في أنها مستعدة للذهاب بعيدا في استخدام السلاح المذهبي خدمة لسياستها التوسّعية التي تلتقي مع السياسة الاسرائيلية أحيانا، وتتعارض معها في أحيان أخرى. هذا ما يفهمه العرب جيّدا، وربّما أكثر من اللزوم. وهذا ما يجعلهم يتعاطون بحذر مع إدارة أميركية مستعدة حتى للإساءة إلى دولة مثل المغرب عندما يتعلّق الأمر بالوحدة الترابية للمملكة. تفعل أميركا ذلك من دون أخذ في الاعتبار للدور المغربي في الحرب على الإرهاب في شمال أفريقيا وفي منطقة الساحل.

من يبدو مستعدا لصفقة مع إيران لا تأخذ في الاعتبار الادوار التي يلعبها النظام في طهران في هذا البلد العربي أو ذاك، ومن يبدو مستعدا حتى للإساءة إلى المغرب الذي يبذل كلّ ما يستطيع من أجل الاستقرار في منطقة تعاني من صعود الإرهاب والتطرّف، ليس غبيا. من يفعل ذلك من دون تمييز بين الهواجس العربية والإسرائيلية يمارس لعبة أقلّ ما يمكن أن توصف به هو كلمة «خطيرة». هذا لا يعني في طبيعة الحال أن ممارسة الغباء لا يمكن أن يؤدي إلى نتائج خطيرة قد لا ينجو منها الغبيّ نفسه.


إعلامي لبناني

8