العرب.. وإكراهية الحرب في اليمن

الأربعاء 2015/04/08

منذ 25 سنة مضت، وتحديدا بعد غزو العراق للكويت في أغسطس 1990، وجد العرب أنفسهم أمام إشكالية متمثلة في تبني خيار الحرب باعتباره حلا نهائيا لمشكلات قائمة أو أخرى متوقعة بشكل كارثي، وانطلاقا من تلك الإشكالية جاء السؤال التالي: هل حل المشكلات العربية البينية يعتمد على القوة كخيار إستراتيجي بعيد المدى، أم مجرد تكتيك مرحلي؟ وتبعا لهذا السؤال أصبحنا أمام شعوب رافضة للحرب، وأخرى مؤيدة على حذر، وقادة وزعماء مجبرين عليها سواء أكانت نتاجا داخليا أم بدعم خارجي.

الهدف من الحروب التي اشتعلت في منطقتنا العربية هو درء مخاطر داخلية أو خارجية، بغض النظر إن كان بعض العرب شارك فيها متحالفا مع قوى خارجية لإسقاط أنظمة قائمة رأى البعض في بقائها في الحكم خطرا على الأمن القومي العربي فضلا عن خطورتها على شعبها، مثل التأييد العربي الظاهر والخفي لقوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة عام 2003 لإسقاط نظام صدام حسين في العراق، أو كان العرب مؤيدين ومشاركين من خلال بعض الدول في إزالة أنظمة قائمة دون تدخل خارجي من ذلك إسقاط حسني مبارك في مصر، أو بمشاركة مع قوى خارجية دعما للشعب في الداخل، كما وقع مع معمر القذافي في ليبيا، فماذا عن التحالف لمحاربة الحوثيين في اليمن؟

قام التحالف العربي، ويمكن اعتباره تحالفا إسلاميا نظرا لمشاركة باكستان فيه واحتمال اتساع دورها في المستقبل، لاستعادة الشرعية أولا كما هو منصوص عليه منذ اليوم الأول للحرب وأيضا من خلال الموقف المؤيد لجامعة الدول العربية، وثانيا لمواجهة التهديد الإيراني في اليمن من خلال الحرب على الحوثيين ومن معهم، ومن هذا التصور، تبدو هذه الحرب إستراتيجية وتكتيكا في نفس الوقت بالنسبة لحاضرها، والنتائج المترتبة عليها في المستقبل.

قد لا يكون التوصيف مهمّا في الوقت الحالي، لكنه بالتأكيد سيكون ضروريا حين تضع هذه الحرب أوزارها، وكل المعطيات تشير إلى أن الحرب على الحوثيين بقيادة السعودية، وبعيدا على نتائجها التي يختلف المراقبون حولها، هي عمل إستراتيجي لتغيير موقف الدول العربية، وخاصة الدول الخليجية، من تدخلات إيران، وإلا ما كان للسعودية ومن حالفها أن يختاروا الحرب طريقا لوقف المد الخارجي، بعد أن تأكد لهم تحالف القوى الكبرى، ك+ما هي عادة كثير منها، مع إيران. غير أننا في هذا التطبيق الإستراتيجي سنواجه توترا في العلاقات مع قوى إقليمية لها حسابات مختلفة مع عدد من الدول العربية الأخرى، من ذلك مثلا تركيا.

وفي نظر كثير من المراقبين، وحتى بعض القيادات العربية، أن الحرب على الحوثيين محاولة لتغيير الوضع داخل اليمن، بما يمنع استقواء أقلية على أطراف أكثريّة وبما يحقق استقرار دول الجوار وخاصة السعودية، ويحول دون تصدير المشكلات اليمنيّة إلى الخارج، وبالطبع فإن هذا يعتبر جزءا من إستراتيجية بعيدة المدى، ليس فقط لكونه يمثل إعادة تأهيل اليمن بما يحقق المصالح المشتركة بينه وبين دول الجوار، وإنما بما يحول دون التدخل الخارجي من منطلق مذهبي، على ألا يكون ذلك على حساب التنوع داخل الفضاء الإسلامي، وهو ما يسقط الحملة الإعلامية والدينية القائلة أن هذا التحالف يمثل السنة في حربهم ضد الشيعة.

أما بالنسبة للتكتيك، فإن الحرب ضد الحوثيين لا تقوم على أساس الفرز المذهبي، أي أنها لم تقم لأن أنصار الله (الحوثيين) وصلوا إلى الحكم بالقوة وأنهم شيعة، وإلا كانت السعودية قد تدخلت قبل ذلك، وإنما لكونهم أصبحوا يشكلون في نظرها خطرا على أمنها الوطني وعلى الأمن القومي العربي، لأن سياستهم تقوم على أمرين، الأول استعمال القوة دون أن يكون لهم الحق في استعمال عنف السلطة، وحتى عندما وصلوا إلى الحكم بالقوة وحوَّلوا ذلك إلى مشروعية ناقضوا في فعلهم شرعية الحكم، والثاني إقصاء الأطراف الأخرى، ضمن سياسة تقوم على تغيير التحالفات والولاءات والأدوار.

الحرب في حد ذاتها ليست خيارا مفضلا لدى الدول، وأنها وسيلة وليست غاية، وأنها مهما طالت ستنتهي إلى التفاوض والحوار، وعلى خلاف كل الحروب التي واجهتها منطقتنا والتي لا تزال نتائجها معلقة إلى الآن كما هي الحال في كل من العراق وسوريا واليمن وليبيا، وقبلها الصومال، وفي البدء كانت ولا تزال فلسطين، فإن هذه الحرب التي لا تسعى لتحديد منتصر لأن الكل خاسر، لكونها تقع على الأرض العربية وبين أطراف عربية وضحاياها جميعهم من العرب، أي أنها تنقص من الرصيد العربي البشري والمادي، ستكون نتائجها حاسمة مصحوبة بتغيير يتم الفرز فيه بين دولة ميليشيات متصارعة، ودولة مستقرة ومتلائمة مع محيطها؟

على طول التاريخ العربي واجهت أمتنا أزمات كانت من نتاج الصراعات السياسية أو من تدخل قوى خارجية أو من ولاءات عربية للغير، واليوم تعيد تأكيد تاريخها بما يجعلها في وجه العواصف، لا ندري كيف ستخرج منها ولا كيف ستكون نتائجها ولا كيف تقطع دابر العدو الخارجي؟ لكن ما نعرفه هي أنها ستنتهي بنا إلى نمط جديد من العلاقات العربية، وأنها ستُنهي بعد الأطراف على المركز، وتصنّف الجبهات العربية، وتنهي حقبة من التاريخ العربي لتدخلنا أخرى ربما لا تكون أفضل من سابقتها.

كاتب وصحفي جزائري

9