العرب والبحث العلمي في المستقبل.. مشروع حضاري متأخر

الثلاثاء 2015/10/13
التخطيط للمستقبل يبدأ من الحاضر

التفكير في المستقبل ظاهرة إنسانية قديمة تمتد جذورها التاريخية إلى ما قبل الموجة الحضارية الزراعية. وقد أدّى تعاقب انتقال الإنسان من موجة حضارية إلى أخرى: من الزراعية إلى الصناعية إلى المعلوماتية إلى أن يكون تفكيره بشأن المستقبل انعكاسا في العموم لواقعه الحضاري السائد. وقد رافق هذا الانتقال الحضاري تحوّلات فكرية أساسية صاغت تصورات الإنسان للمستقبل؛ النمط الفكري الأول اتّصل بالجانب الديني، وبطورين مختلفين، هما الغيبي والتوحيدي؛ بعد ذلك اتّخذ التفكير في المستقبل طابعا فلسفيا ليتحوّل في الأخير إلى خيال علميّ، تميّز منذ منتصف القرن الماضي بخاصيته العلمية.

ومثلما لم تلغ موجة حضارية الموجة السابقة لها، لم يلغ التطور الفكري لسؤال كيف سيكون المستقبل، الأنماط الفكرية السابقة للتفكير العملي، الذي يعدّ النمط الأكثر واقعية وتطوّرا ومواكبة للحداثة. ومن واقعيّته وطابعه المادي استمدّ التفكير العلمي في المستقبل قوّته، وكان سببا رئيسيا في تطوّر الحياة البشرية ومعرفة الكثير من الأسرار.

وعلى خلاف الجانب الفلسفي الروحاني، ساعدت النتائج الملموسة التي توصّل إليها التفكير العلمي على اهتمام المؤسسات العامة والخاصة به، وباتت ترعاه جمعيات ومراكز علمية متخصصة، وتتولى على نشر نتائج دراساته جامعات ودوريات علمية متخصّصة.

نجم الأخذ بهذا التفكير عن تأثير مدخلات متعددة نبعت جلّها من حقيقة أن العالم أضحى يتغيّر بسرعة غير مسبوقة. وأفرز بالتالي تحديات دفعت نوعيتها إلى ضرورة إعادة تشكيل العقل وترشيد القرار والفعل، استباقا واستعدادا للمستقبل واستشراف مشاهده عبر مقاربات منهجية استطلاعية كمية وأخرى معيارية كيفية. وتندرج جل التطبيقات العملية لهذه المقاربات تحت تسمية منتشرة عالميا، هي المستقبليات أو الدراسات المستقبلية، وهي تسمية مركبة تجمع بين الفلسفي والعلمي. وتطلق على العلوم المتخصة بدراسة المحتمل والممكن في المستقبل، إلى جانب الفرضيات ذات الاحتماليات القليلة لكن ذات التأثيرات التي يمكن أن تصاحب حدوثها. ويتفق المستقبليون على أن المستقبل يعد البعد الأهم من أبعاد دورة الزمان، وهذا ليس لأنه سيصبح عند حلوله حاضرا، لكن لأنه الزمن الذي يستطيع الإنسان التدخّل في عملية تشكيله، وبالتالي عندما يصبح حاضرا يكون قد استعدّ له.

وعلى عكس الدول المتقدّمة التي تخصّص ميزانيات ضخمة على دراسة المستقبليات، لا يحظى هذا التفكير وتطبيقاته العملية باهتمام رسمي ومجتمعي واسع في جلّ دول الجنوب، وخصوصا الدول العربية. ويرد هذا الواقع إلى مدخلات ينبع جلها من واقعها المادي الاجتماعي والسياسي والمادي، الأمر الذي جعلها تتراجع حضاريا.

ويعود الاهتمام العربي بهذا التفكير وتطبيقاته إلى منتصف العقد السابع من القرن الماضي تقريبا. وتجسّد ذلك عبر مجموعة من المؤلفات والدراسات، التي رغم أنها، قليلة العدد، إلا أنها ساهمت في تسويق التفكير العلمي في المستقبل إلى العرب؛ ومنها الدراسة الرائدة التي أنجزها مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت التي حملت عنوان “مستقبل الأمة العربية: التحديات والخيارات”، التي لو تم الأخذ بها لكانت أحوال عربية كثيرة تغيرت. ولا يلغي محدودية هذه المؤلفات استمرار صدور بعضها على غرار دراسات مستقبلية، بيد أن مضامينها كانت عمليا تدور حول موضوع المسلتقبيات دون أن تخوض في عمقه.

وبالإضافة إلى ضآلة الإنتاج على صعيد دراسات المستقبليات، يفيد الواقع العربي كذلك بمجموعة معطيات:

* لا تأخذ جل الدول العربية بهذه الدراسات كأساس مسبق لاتخاذ القرارات، مثلما هو الحال مع العديد من الدول.

* قليلة هي الجامعات العربية، على كثرتها، التي جعلت موضوع المستقبل ضمن مناهجها ومقرراتها التدريسية، ناهيك عن عدم منح شهادات عليا في تخصّصه.

* محدودية المراكز التي تتّخذ من تسمية دراسة أو دراسات المستقبل عنوانا رسميا لها ومجال تخصّص معمّق فيها.

*ندرة الدوريات العربية المتخصصة في نشر الدراسات ذات العلاقة بالموضوع.

* ضآلة النوافذ الإعلامية العربية التي تتولى الترويج لثقافة صناعة المستقبل.

وتدفع هذا الحقائق إلى التساؤل بخصوص التعامل العربي مع دراسات المستقبل، والتساؤل عن الأسباب وراء هذا التأخر، وهل هي الرؤية الثقافية أن الاختلالات الهيكلية للحاضر العربي المأزوم أم هي عدم عصرنة جل النظام التعليمي والعلمي، أم مخرجات عموم التخلف الحضاري؟

لا يعني ما تقدم استحالة تغيير الحاضر وبناء المستقبل المنشود، فتجارب عدد من دول الجنوب، التي كانت متأخرة أو حتى متخلفة حضاريا -وأبرز مثال هنا التجربة الماليزية- تؤكد أن المجتمعات التي تأخّرت فيها عملية التنمية الشاملة تستطيع تجاوز أزمتها هذا إن عمدت عمليا إلى تشوّف مستقبلها، لتختار المشهد الذي يؤمّن لها المستقبل/الحاضر الأفضل، ومن ثمّة ترجمته إلى واقع ملموس تخطيطا وتنفيذا يستهدي برؤية دقيقة وواعية ومنحازة إلى المستقبل؛ وهذاهو المفتاح الأساس للنهوض الحضاري وديمومته.

وعليه يخطئ المرء عندما يدرك أن ماضي الحاضر هو الذي يصنع المستقبل، هذا لأن تدفق دورة الزمان إلى الأمام تؤكد أن معطيات المستقبل لا تجد سوابق لها لا في ماضي الحاضر ولا في حاضر المستقبل. لذا عندما يصبح الانحياز إلى المستقبل بمثابة الثقافة السائدة في البيئة التربوية والثقافية للمجتمع العربي، يصبح “ممكنا توسيع قاعدة المهمومين ببناء فراديس المستقبل (الموعودة) لا الباكين على أطلال الفراديس المفقودة”، كما يؤكد الباحث محمد إبراهيم منصور.

لذا، على من يتطلع إلى صناعة مستقبل أفضل من الماضي والحاضر العمل من أجل هذا المستقبل عبر الإعداد والتحضير العلمي المسبق، لا أن ينتظره أن يأتي، لأن مثل ذلك المستقبل لن يأتي.

أستاذ العلوم السياسية ودراسات المستقبليات

6