مارس 20, 2018

العرب والتراث

المفكرون القوميون اتخذوا موقفا انتقائيا من التراث يخدم توجهاتهم السياسية والثقافية، بينما حاول الليبراليون القفز فوق هذه العلاقة والدعوة إلى قطيعة معه، على خلاف الإسلاميين.
طيب تيزيني بحث في علاقة العرب بالتراث

عانى الفكر العربي طوال عقود طويلة من الانتقائية والأدلجة والإقصائية، ما انعكس بصورة مباشرة على علاقات النخب السياسية والثقافية مع بعضها البعض، من خلال محاولات إقصاء الآخر، وغياب التعددية والانفتاح، وكان ذلك في جزء أساس منه انعكاسا لحالة الصراع السياسي والأيديولوجي السائدة في تلك الحقبة.

في هذا السياق يمكن الوقوف على مسألة هامة، شغلت الفكر العربي، منذ مطلع عصر النهضة على وجه الخصوص وما زالت، هي علاقة العرب بالتراث. المفكرون القوميون اتخذوا موقفا انتقائيا منه يخدم توجهاتهم السياسية والثقافية، بينما حاول الليبراليون القفز فوق هذه العلاقة والدعوة إلى قطيعة معه، على خلاف الإسلاميين، الذين نظروا إلى هذا الثرات  نظرة تقديس، واعتبروه هوية الأمة.

في هذه السياقات الثلاثة تحول التراث إلى سجن بالنسبة للإسلاميين يصعب الخروج منه، بينما جعله اليساريون على مقاس سرير بروكس المعروف، وحاول الليبراليون أن يريحوا أنفسهم من إشكالية هذه العلاقة، بالقول إنه أصبح فاقدا للصلاحية.

وكما هو واضح فإن الصراع الفكري والسياسي الذي ظل يدور طوال عقود طويلة، كان يتركز على حدود هذه العلاقة ومضمونها. لذلك يمكن أن نقرأ هذه العلاقة في مشروع الدكتور طيب تيزيني، على خلاف ما كتبه الدكتور محمد عابد الجابري، أو القراءة المادية للمفكر حسين مروة أو الدكتور غالي شكري، وعلى خلاف هؤلاء جميعا يمكن أن نقف عند أطروحات محمد عمارة.

في كل مرحلة من مراحل الحياة الفكرية والسياسية العربية، كان أحد هذه التيارات يتقدم على التيارات الأخرى، ثم يتراجع في مرحلة لاحقة لصالح تيار آخر، في حياة فكرية وسياسية لم تعرف الاستقرار أو التفاعل مع معطيات الفكر الآخر.

الدلالة التي كانت تنطوي عليها هذه التحولات، تجلت في غياب الحوار المنفتح والعقلاني بين ممثلي هذه التيارات، خاصة وأن القراءة السياسية ظلت فاعلة، في توجيه هذه القراءة أو تلك، وتغليب هذا الموقف أو ذاك منه.

كل هذا جاء تعبيرا عن حالة القلق التي كان وما زال يعيشها الفكر العربي، دون أفق للخروج من هذه الحالة، يمكن من خلالها أن يتحول الفكر العربي إلى حالة فاعلة في الواقع، وليست صدى له.

لذلك كان من الطبيعي أن نجد أن جميع تلك المشاريع والقراءة التي أنجزت لهذا التراث توقفت عند حدود المجهودات الفكرية التي قدمها أصحابها، ولم تستطع أن تؤسس لمشروع فكري قابل للاستمرارية، بصورة تدل معه على قدرة هذا الفكر على استكمال سيرورة هذه التجربة، وقدرته على صياغة رؤية متكاملة لحاضر العرب ومستقبلهم.

15