العرب والحاجة إلى الفلسفة

الجمعة 2017/07/14

نعلم أن العرب اكتشفوا الفلسفة في عزّ تفوقهم الحضاري الذي تزامن مع انفتاحهم على الثقافات الأخرى، ومع تعرفهم على الفلسفة الإغريقية التي كان لها تأثير كبير على الكندي الذي عاش في القرن التاسع ميلاديّا، وقدّم شروحا لمقولات أرسطو، وكان له دور هائل في إشعاع بيت الحكمة ببغداد. وقد شهدت الفلسفة تطورا كبيرا مع الفارابي، ومع ابن سينا اللذين تأثرا هما أيضا بفلاسفة الإغريق، وتحديدا بأفلاطون وأرسطو. ومعلوم أيضا أن هؤلاء الفلاسفة كان لهم تأثير كبير على المعتزلة، وعلى إخوان الصفاء، وعلى مفكرين وكتاب مثل الجاحظ الذي جعل من العقل الوسيلة الأفضل لمعرفة الوجود والإنسان. ومع ابن رشد، أصبح أرسطو “المعلم الأول”.

وربما لأنهم لمسوا المخاطر التي تتهدّدهم بسبب الفلسفة، فإن الطغاة وفقهاء الظلام حاربوا بشدة أصحابها، وشنّعوا بهم، ورموا بهم في السجون، وأحرقوا كتب البعض منهم. وهذا ما فعلوه مع ابن رشد على سبيل المثال لا الحصر. وإلى حدّ هذه الساعة لا يزال الغربيون يعترفون بفضل العرب الكبير في نقل الفلسفة الإغريقية إلى أوروبا في عصر نهضتها الأولى.

ومع ظهور حركة “النهضة” في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، استعاد العرب علاقتهم بالفلسفة. فقد تأثر البعض من رموز هذه الحركة بفلاسفة الأنوار الفرنسيين، وبهم اقتدوا ليدينوا المظالم المسلطة على شعوب الشرق، وليطالبوا بسن دساتير بهدف إقامة الدولة المدنية، وإنهاء الحكم المطلق، والحدّ من سلطة رجال الدين. وهذا مما نلمسه في أعمال ومواقف شخصيات فكرية وسياسية وأدبية، أمثال خيرالدين باشا التونسي، وعبدالرحمن الكواكبي، وعبدالعزيز الثعالبي، وشبلي شميل، وفرح أنطون، وفرنسيس مراش وغيرهم.

ومع حلول القرن العشرين ازدادت النخب العربية انجذابا إلى فلاسفة الأنوار، والعقلانيين عموما. وكان المصري لطفي السيد من أشد المتأثرين بفلاسفة الإغريق. لذلك لقبه العقاد بـ”أفلاطون العرب”. ومن أشهر أقواله «الاختلاف في الرأي لا يُفْسدُ للودّ قضية”. وقد عاد طه حسين من رحلته المعرفية إلى فرنسا متأثرا بديكارت. وهذا ما نلمسه في كتابه الشهير “في الشعر الجاهلي” الذي أثار ضجة هائلة عند صدوره، مُشعلا غضب المحافظين والمتشددين في جامع الأزهر. لذلك طالبوا بمحاكمة صاحبه، وطرده من الجامعة.

ومثل لطفي السيد، كان طه حسين متأثرا بفلاسفة الإغريق. وهذا ما يعكسه كتابه “أعلام الفكر” الذي استعرض فيه بأسلوبه السهل الممتنع سير عظماء فلاسفة الإغريق، معرّفا بمواقفهم وأفكارهم. وفي كتابه “مستقبل الثقافة في مصر”، طالب طه حسين اعتمادا على وثائق وأدلة تاريخية لا تقبل الدحض ولا الشك، بأن تكون بلاده مُشاركة في الإرث الحضاري اليوناني- الروماني. وفي الجامعة كان د. طه حسين يحرّض طلبته على “العض” على الفلسفة الإغريقية، مشجعا إياهم على الإطلاع على آثار أفلاطون وأرسطو وهيراقليطس وغيرهم، وحاثا المترجمين في سلسلة “الألف كتاب” على نقل آثارهم إلى لغة الضاد.

انطلاقا من الستينات من القرن الماضي بدأت هذه “النهضة الفلسفية الهشة تتلقى ضربات قاسية وموجعة. حدث ذلك في جل البلدان العربية، وتحديدا في البلدان التي استولى على السلطة فيها عسكريون، وحكام طغاة ومستبدون يستندون إلى حزب واحد يأمر وينهى بحسب أهواء قادته ومنظريه وأنصاره، ويمنع الرأي المغاير، ويسلط أشدّ العقوبات على المعارضين له. وبذلك لم يعد العرب يسمعون سوى خطاب واحد، ورأي واحد. وكفت أغلب الجامعات العربية عن تدريس مادة الفلسفة، باعتبارها ”مفسدة للعقول”، ومضرّة بالناشئة.

وقد استغلّ الأصوليون المتطرفون هذا الفراغ الفكري لكي ينقضوا على المجتمعات العربية مشرقا ومغربا، ويزرعوا في العقول أفكارهم الظلامية المحرضة على العنف والكراهية. وفي غياب فلسفة تعلم الفكر الحر والنقدي، أقبلت أعداد كبيرة من الشبان العرب من الجنسين على قراءة الكتب الصفراء ليغرقوا بدورهم في الظلمات، ويفقدوا البوصلة، فلا يعلمون من هم، ولا يعرفون إلى أي مجتمعات ينتمون، ولا في أي زمن يعيشون. لذلك فإنه من الضروري تشجيع الدعوات التي تتعالى الآن في العديد من البلدان العربية، خصوصا في بلدان الخليج، المطالبة بإعادة الاعتبار للفلسفة، وضرورة تدريسها في الجامعات والمعاهد لإنقاذ الأجيال العربية القادمة من آفة الجهل والتطرف والانغلاق.

كاتب تونسي

14