العرب و"فرّق تسد" في ذاكرة التاريخ

الأحد 2017/01/15

في قراءة التاريخ، بمختلف أبعاده وشؤونه الإنسانية، معرفة استراتيجية ملهمة ومهمة لاستشراف المستقبل، حيث لا ينفصل واقع الأمم الحالي عن تاريخهم، وإنما هو، في الغالب والأعم، تكرار له على أنماط مختلفة تتطور بتطور البشرية.. وأحيانا يكون ذلك التاريخ مطابقا لحاضر الأمم المتخلفة عن مواكبة التطور البشري والحضاري.

في تاريخ العرب، القديم والحديث، الكثير من العبر، المتشابهة أحيانا لدرجة التطابق، في سبل استهداف الأمة لتبقى قاصرة وتابعة، وصالحة للاستعمار دائما.. ومما يؤسف له أننا إما لا نقرأ هذا التاريخ وإما أننا لا نفهم ما نقرأه.. ولكن عموما هناك استدلالات تؤكد أن النجاح الباهر الذي يتحقق اليوم في التلاعب بالعقول عبر تكنولوجيا التواصل والإعلام وتردي التعليم يعتمد على جيل عربي لا يملك ذاكرة تاريخية ومعرفية تحميه من هذا الاختراق.

وفي هذه المساحة الكتابية أسلط الضوء، باختصار شديد، على جزء من تاريخ منطقتنا، الذي لا زال يتكرر، وسيتكرر، ما دمنا أمّة لا تجيد كيف تستشرف وتصنع مستقبلها.

مع بداية القرن السادس عشر الميلادي (1500 م) استدركت الدول العظمى الغربية، المتمثلة حينها في روسيا القيصرية وبريطانيا، الأهمية الجيوسياسية للمنطقة العربية، وخصوصا منطقة المشرق العربي وشبه الجزيرة العربية ومصر، في الحفاظ على مصالح دول الغرب عموما، ومصالحهما المشتركة (حينها) خصوصا.

وحينها كانت المنطقة العربية تاج الخلافة الإسلامية العثمانية،التي كانت تمتد بجيوشها الانكشارية من الأناضول إلى قلب أوروبا الشرقية زاحفة نحو شمال القارة، في غزو واحتلال دولة بعد أخرى وصولا إلى أبواب فيينا.. وتوقعت روسيا القيصرية وبريطانيا أنهما باتتا مشروعين قادمين أمام جحافل تلك الجيوش المنتصرة في ظل الضعف والتفكك الغربي عموما.. ولكن ذلك لم يدفعهما للاستسلام بقدر ما كان دافعا لاستنهاض أدوات المراوغة في الجبهات الخلفية،لإشغال العدو والتخلص منه، مما يغنيهما عن استخدام السلاح وارسال الجيوش.. وتكشف المراسلات التي دارت بين الدوائر الاستعمارية المختلفة وقناصلها ومبعوثيها إلى المنطقة عبر التاريخ نجاح هذا التوجه الاستعماري الخطير، الذي كان، ولا يزال، أهم صيغه ووسائله المتداولة لتفتيت الشعوب على أساس الدين والمذهب والقبيلة والعشيرة وتعدد الولاءات وتفريقها بالحظوة والتهميش وتزييف التاريخ. ثم جرّ هذه الأطراف إلى صراع داخلي يصل إلى أقصى درجات الوحشية، حتى الإنهاك التام.

وهكذا، تفاجأ العالم الإسلامي، في قمة توسع الخلافة الإسلامية العثمانية في أوروبا، بظهور دولة خلافة إسلامية ثانية في بلاد فارس، الدولة الصفوية (1502م) وبدأت مباشرة في عملية تغيير عقائدي، سريعة ودموية، للشعب الإيراني، لتحويل إيران من دولة سنية إلى دولة شيعية قادرة على الحرب تحت راية الإسلام، وإنما بشعار عقائدي مختلف (فرّق تسد).. ويشهد التاريخ الذي يلي ذلك الحدث بأن تلك الدولة الوليدة كانت من أنجح الصيغ والأدوات التي استخدمها الغرب في التصدي للتوسع العثماني في أوروبا، لما حققه الصفويون من نجاح في إحداث انقلاب جذري في الاستراتيجية العسكرية العثمانية، أدى إلى وقف زحف الجيش الانكشاري على البلاد الأوروبية، وانسحابه تدريجيا.

على مدار قرنين من الزمان، هو عمر هذه الدولة، شكّل الصفويون تهديدا مباشرا للخلافة العثمانية، بالغزو والاحتلال المتكرر للعراق، مما أدّى إلى الانسحابات المتتالية والتدريجية للجيش التركي من أوروبا لملء الفراغ العسكري في مواجهة الجيوش الصفوية الغازية للمنطقة العربية، أرض الخلافة العثمانية.. ورغم هزائم الصفويين المتكررة أمام العثمانيين في العراق إلا أن حروبهما استمرت في مواجهات دامية خدمت أوروبا التي كانت بحاجة إلى هذا الإشغال للعثمانيين، حتى النهاية، بخروج آخر جندي عثماني من أوروبا.. فكانت جميع حروب الدولتين تدور على الأرض العراقية، وعلى حساب الشعب العراقي، الذي كان قدره أن يعاني خلالها ألوانا من المآسي والفواجع لا تختلف عن الفواجع والكوارث والمذابح والآلام التي يعيشها منذ ما بعد الاحتلال الأميركي الإيراني للعراق عام 2003.

من الصدف التاريخية (والتاريخ لا يعترف بالصدف) أن الدولة الصفوية، وقبل أن يستتب لحكمها المقام، شنت أول حرب ضد العراق واحتلت بغداد بين السنوات 1508 - 1514، في حدث يشابه تماما حرب إيران ضد العراق التي استمرت لثماني سنوات (1980-1988) والتي بدأت قبل أن يستتب المقام للجمهورية الخمينية في إيران.

ولم تكن تلك الحروب الصفوية الوحيدة في المنطقة حينها، إذ تحالف الصفويون أيضا مع البرتغاليين في مواجهة المماليك الذين كانوا يتصدون للغزو البرتغالي في مياه الخليج العربي وبحر العرب، فكان للسياسات الصفوية دور رئيسي في نجاح الغزو والهيمنة البرتغالية على المنطقة.

ومن المفارقات غير المستغربة أن إيران الإسلامية والبهلوية، وقبلها القاجارية وغيرها، لعبت ذات الأدوار ضد العرب على مدار التاريخ. والتزمت إيران بالتحالف مع القوى الكبرى للنيل من العرب.. وهناك تفاصيل كثيرة عن هذا الدور الإيراني الخطير في المنطقة لا مكان لسردها هنا.

سقطت الدولة الصفوية عام 1722، مع انتفاء هدف وجودها، ولكن لم تختفي آثارها المذهبية والدينية المستوردة حتى هذا اليوم، بل بقيت لتكون من أهم استثمارات الاستعمار في منطقتنا الحيوية. وكذلك أطيح بالعثمانية بعد سلسلة من الهزائم تواصلت حتى الحرب العالمية الأولى.

وانتهى الأمر بالمنطقة وهي في غاية الضعف، والإنهاك والتخلف، شعوبا ودولا، بما فيها إيران وتركيا، فتراجع دورها الحضاري حتى صارت أضعف من أن يُحسب لها حساب، فتم توزيعها على الدول المنتصرة في الحرب (اتفاقية سايكس بيكو).. ولولا صعود القطب الشيوعي في مواجهة الغرب الرأسمالي في القرن الماضي، لكان للغرب شأن آخر، أكثر سوءا، مع منطقتنا.

والدليل على صحة هذا الرأي هو حالة الفوضى الدموية وعدم الاستقرار، التي بدأت منذ اليوم الأول بعد سقوط الاتحاد السوفييتي (1989)، وكان العراق النموذج الأول في هذه الحالة (حرب 1991). وتتالى بعدها استهداف الغرب لدول أوروبا الشرقية (يوغسلافيا وتشيكوسلوفاكيا)، ولازال العمل مستمرا في المنطقة العربية وجنوب وشرق آسيا ودول أفريقية عديدة. ورغم ما يقال عن أن التاريخ لا يعيد نفسه، إلا أن بالتأكيد هناك من يدرس التاريخ ويستفيد من أحداثه الناجحة، فيرسم مشاريعه الكبرى على النمط التاريخي الذي حقق مصالحه، إن كانت معطيات مشروعه الجديد تتفق مع عناصر ذلك التاريخ.. لذلك لجأت إلى هذه المقدمة بهدف إحياء بعض من ذاكرة التاريخ للمقارنة بين أحداث منطقتنا اليوم وتلك الأحداث التي مضى عليها أكثر من خمسة قرون.

تقع منطقتنا العربية اليوم، ولمرة أخرى، بين رحى جارتينا الإسلاميتين، الصديقتين اللدودتين، إيران وتركيا، ممثلتين عن الإسلام الشيعي والسني، وخلفهما دول وقوى كبرى ومشروع تغيير جيوسياسي خطير لن يحقق إلا المزيد من التفتيت والانقسام والموت والتطاحن.. وهذا التغيير لن يتم إلا على أشلاء ودماء وجثث شعوب المنطقة.

ومن أشد المفارقات التي تعيشها المنطقة اليوم هي العودة للاستثمار البارع في العقائد المذهبية على مبدأ “فرّق تسد”، لرسم الخارطة الجديدة للمنطقة (المواجهة الإيرانية التركية في العراق وسوريا تحت ذرائع مختلفة وأمام أنظار المجتمع الدولي).

لذلك، وعلى سبيل المثال، يصعب إيجاد تفسير للتناقض بين العداء الإيراني-الأميركي في وسائل الإعلام والتحالف الإيراني-الأميركي الاستراتيجي في العراق، حيث أن هناك تنسيقا بين الأولى بحشدها الشعبي وميليشياتها الدموية، والثانية بصواريخها ونفاثاتها، على قتل عرب العراق من البصرة حتى الموصل في مذابح يومية.. كما يصعب فهم العلاقة بين التحالف الإيراني-الأميركي في العراق، والعداء الإيراني-الأميركي في سوريا، على حساب مصالح الشعب العربي السوري. تطورت هذه العداوات والتحالفات على مدار أكثر من أربعة عقود حتى وصلت اليوم إلى عامل مشترك فيما بينها، وهو ذريعة الحرب على الإرهاب عموما، وداعش خصوصا.

وفي الضفة الأخرى هناك عداء تركي ضد النظام السوري وحليفتيه المتمثلتين في إيران وروسيا، بينما هناك علاقات صداقة لدودة تركية-إيرانية، وتحالفات صداقة استراتيجية تركية-روسية تحمي وتساند النظام السوري.. والعامل المشترك فيما بين كل هذا أيضا هو ذريعة الحرب على الإرهاب.

ياترى ألا يعطي هذا المشهد العلائقي السريالي الدموي المعقد فكرة حول أهمية وضرورة وجود الإرهاب في المنطقة؟ في ظل صراع القوى على النظام الدولي الجديد!

وفي جميع الأحوال فإن الإرهاب بجميع مسمّياته لا يفتك إلا بالعرب، من المحيط إلى الخليج.. بينما طهران وواشنطن تعدان الأكثر أمنا والأبعد تأثرا عن هذا الخطر.

أما آخر مستجدات كل هذا فإن هناك:

1) حرب أميركية-إيرانية في الموصل، وهي حرب إبادة طاحنة، وتهجير قسري، للشعب العربي تحت ذريعة ذبح داعش.

2) حرب تركية في شمال العراق بذريعة معاقبة الإرهاب الكردي على أراضيها.

3) حرب أخرى في حلب تخوضها تركيا وروسيا وعشرات الميليشيات، لا يمكن فهم خارطتها، وهي أيضا حرب إبادة وتهجير قسري للشعب العربي بذريعة ذبح داعش.

4) حرب حزب الله التابع لإيران في وادي بردى لتأمين الممر الإيراني من طهران إلى لبنان تحت ذريعة القضاء على داعش في تلك المنطقة الأقرب للحدود الإسرائيلية.

ونكتفي بهذا كي لا تطول القائمة بالحديث عن تقسيم السودان أو أحداث ليبيا واليمن وسيناء وتونس وغيرها. وما بين التعتيم والتهميش الإعلامي على مناطق حروب معينة، وبين التزوير والتضخيم الإعلامي على مناطق حروب أخرى، يتم اليوم ترتيب خارطة جديدة في المنطقة عبر مسلسل تدميري خطير تشترك فيه القوى الكبرى وحلفاؤها في المنطقة.

يؤكد العراقيون أن ما بين محافظة نينوى (الموصل)، متعددة الأعراق والمذاهب والأديان، ومحافظة الأنبار التي تم تحديدها كمنطقة سنية، يعمل الفاعلون على ترسيم حدود الإقليم السني في العراق وجزء من سوريا، كمرحلة أخيرة في مخطط التقسيم الذي أعلنته الإدارة الأميركية لمرات عديدة.. بينما إعلام الحرب في حلب يعرض أقسى وأبشع المشاهد والصور لتوجيه الرأي العام نحو المزيد من الغليان العاطفي والسياسي، والذي يعدّ تعتيما إعلاميا من نوع آخر.

وفي مشهد آخر، وبالتوازي مع إعلان ما يُدعى بـ”تحرير حلب” الذي تم في ظروف غامضة، أعلن العراقيون أن الحزب الإسلامي (“الإخوان المسلمون” العراقي الموالي لتركيا) يعمل بالتحالف مع حزب الدعوة (الموالي لإيران)على إتمام مضمون الإقليم السني باستلام أعضاء الحزب الإسلامي جميع مواقعه القيادية والرئيسية استعدادا للحظة إعلان دويلتهم المذهبية.

بعد هذا الإيجاز للأحداث المأساوية التي تعيشها منطقتنا، في سلسلة “الحروب بالوكالة”، المنافية لجميع قيم الإسلام الإنسانية العادلة، نتساءل: يا ترى مَعَ مَنْ، وضد مَنْ، ولمصلحة مَنْ تحارب الجارتان الإسلاميتان، إيران وتركيا في سوريا والعراق، وفي منطقتنا العربية كلها؟

لربما يتمكن شعبي العربي المشتت في ولاءاته الحزبية المذهبية، ومن يتلاعب الإعلام الغربي الموجه في عقولهم، أن يصل إلى رأي أو قرار يحمي الأمة في أخطر فترات تاريخها اليوم، إن واجه نفسه بهذا السؤال وعرف جوابه!

كاتبة من البحرين

6