العرب وفن الدراما.. ما نصيب الواحد من الآخر

الثلاثاء 2016/11/15
الدراما متشعبة وملتبسة في علاقتها مع العرب

التأخر في ظهور مسرح عربي وما تفرّع عنه من فنون درامية أخرى يعود إلى أسباب عقائدية إسلامية (وسُنيّة في نظر بعض المسرحيين الذين يرون في طقوس عاشوراء لدى الشيعة شكلا من أشكال الفرجة المسرحية). فهذه الأسباب لم تُبح كشف الصراع الدراميّ بين الإنسان والقدر، وبالتالي فكل شيء مقدور ومرسوم سلفا، وما على الإنسان إلا الطاعة والامتثال للمستقبل الغامض الذي لا يدري عنه شيئا. وهو ما لا نجده في الثقافات الفرعونية واليونانية وغيرها من تلك التي انتعشت فيها فنون الدراما منذ فجر التاريخ.

وإذا اتفقنا على أنّ الدراما هي نوع من النصوص الأدبية المؤسسة على مبدأ الصراع والتناقض، وتختلط فيها كل المشاعر الإنسانية القابلة للتشخيص أمام جمهور مسرحي أو سينمائي أو تلفزيوني أو إذاعي، فأين العرب من هذا الفن الذي أسّس له قدماء الإغريق على قاعدة موروثهم الميثيولوجي الذي يعجّ بالصراعات بين الآلهة وأنصافها، وما تزخر به من انشطارات تحاكي مصير الفرد في مسيرته الوجودية.

أين يقترب العرب وأين يبتعدون من هذا الفن الذي يجمع بين فنون شتى، كالموسيقى والغناء والرقص؟ بل أين هم أصلا من المعمار الهندسي الذي يضم هذه الأشكال التعبيرية، على اعتبار أن لا فصل بين البنى الفوقية والبنى التحتية في تطور الحضارات والمجتمعات؟

ولسائل أن يسأل عمّا إذا كانت النسخة اليونانية، ولما تمثله من تعدد الآلهة والصراع بين القيم، هي المقياس الوحيد للقول بأن الدراما متأصلة عند العرب أم غريبة عنهم؟ لكنّ الفنون الدرامية استمرت لدى ديانات توحيدية أخرى كالمسيحية بل ورعتها الكنيسة، وعدّلت منها وأضافت إليها، كما يشير تاريخ القرون الوسطى، كالتي تعرف بمسرحيات المعجزات. وهي نوع من التمثيليات الدينية تعالج أحداثا مستمدة من الإنجيل وقد تطورت هذه التمثيليات واتسع مجالها، فصارت خارج الكنائس وزادت في الموضوع والتنوع، وأضيفت إليها موضوعات غير دينية، فنشأت عنها المسرحيات الأخلاقية ومسرحية الآلام، التي ظلت حتى العصر الحديث.

جذور امتدت وأثمرت فروعا حتى التحمت بالشكل المسرحي الغربي، كما وصلنا مع الغازين أو المبشرين ورجالات الدين في الشام ومصر

ويأتي السؤال المشروع الآخر، هل العرب ثقافة واحدة متجانسة أم ثقافات مختلفة، وهل يجوز أن نضع الجميع في سلة واحدة؟ فلا يمكن على سبيل المثال إنكار العمق التاريخي الضارب في القدم لحضارات ما بين النهرين ووادي النيل وغيرها، كما لا يمكن أن نغفل اختلاف نصيب كل منطقة عربية عن غيرها في جغرافية العالم العربي الممتدة من المحيط إلى الخليج.

الأمر اللافت أن العرب مهووسون بعقدة الريادة، ولا يقبلون على شيء إلاّ إذا كان لهم باع فيه، وإذا أتقنوا شيئا منه زعموا أنه ينتمي إلى تاريخهم بامتياز. وهو أمر يطرح أكثر من إشكال معرفي، لكن الدراما التي هي موضوعنا على هذه الصفحة، متشعبة وملتبسة في علاقتها مع العرب في العصر الراهن. فقد تراوحت بين التقليد الباهت لتجارب أجنبية غريبة عن بيئتها المحلية، وبين المعالجة الساذجة لقضايا محلية. كما أنّ الأشكال التعبيرية التي تناولت هذه الدراما تختلف في جماهيريتها من مجتمع عربي إلى آخر، فالمواضيع التي تنجح في المسرح لا تلقى رواجا في التلفزيون أو السينما، وما يعرض في مصر، قد لا يلقى قبولا في المغرب العربي أو العراق والخليج.

وثمة من يقول بأنّ التراجيديا موجودة في التاريخ العربي والإسلامي ووقع تناولها قبل الاطلاع على الإرث الدرامي العالمي، فبعد مقتل عثمان وتوالي مسلسل الاغتيالات في الدولة الإسلامية من عليّ بن أبي طالب إلى الحسين بن علي، بدأت القصيدة تأخذ الشكل الدرامي أكثر وتُحمّل بمضامين ذات طابع صراعي تصويري، غير أنّ هذه الإرهاصات الدرامية افتقرت إلى النموذج الذي تحاكيه كي تستوي كيانا دراميا سويا، وذلك لأن حركة الترجمة لم تكن قد بدأت بعد.

الذين تحدثوا عن التأسيس وإعادة التأصيل للمسرح العربي استنادا إلى نصوص تراثية، مثل المغربيين عبدالكريم برشيد والطيب العلج، والتونسي عزالدين المدني، والسوري سعدالله ونوس، حاولوا أن يجعلوا منهما منطلقا لتأسيس مسرح ذي هوية وملامح عربية، وقد تعرضوا إلى انتقادات كثيرة، أبرزها أن هذه المحاولات لا تعدو أن تكون شكلية، وتساهم في غربة المسرح العربي عن محيطه العالمي، كما كانت حجة معارضي هذا الاتجاه، والتي تتمثل في أن مجتمعات كثيرة أخذت من المسرح العالمي دون عقد نقص، ولم تغير إلا في الطرح وطريقة التناول.

الثقافة العربية موضوع وهدف للدراما وليست صانعة لها

ساكنان لا يلتقيان

يجمع الكثير من الأكاديميين والمتخصصين على أنّ العرب القدماء لم يعرفوا ألوانا مسرحية بالمفهوم الحقيقي للكلمة، وربما اختصرت ثقافتهم الفرجوية على بعض الظواهر المسرحية التي حاول مسرحيون عرب في الستينات والسبعينات من القرن الماضي تأصيلها دون جدوى.

ويؤكد عدد من المسرحيين عدم اطلاع العرب القدماء على نصوص مسرحية لا من فنون اليونان ولا من الشرق الأقصى. وفي هذا الصدد، يشير محمد سراج الدين، أستاذ الدراسات الإسلامية في الجامعة الإسلامية العالمية، إلى أن التاريخ “لم يحفظ وجود شيء من الدراما عند العرب، ولعل مرد ذلك أن الوثنية العربية لم تكن وثنية أصيلة”، ويحسم الأكاديمي سراج الدين رأيه بقوله “وإذا لم يوجد المسرح عند العرب في وثنيتهم، فالأرجح أنه لا يوجد عندهم في الإسلام”.

ومعروف عن الديانة الإسلامية أنها تنزع نحو التجريد والابتعاد عن التشخيص بكل أشكاله تماشيا مع عقيدة التوحيد، وتكتفي بالقص وحده لأخذ العبرة، وذلك خلافا للكنيسة التي كان لها دور في تطوير المسرح. إذ تطورت بين القرنين التاسع والحادي عشر الشعائر الدينية إلى دراما طقسيّة، لأن مجرد الوعظ أصبح عاجزا عن إرضاء متطلبات الجمهور المحب للعرض، فتداخلت فيه العديد من التوسيعات والتنويعات إلى أن أقيمت عروض حقيقية داخل الكنائس. وكان ممثلو هذه الدراما الكنسية هم القائمون بالطقوس كالكهنة ومعاونيهم، وذلك ضمن موضوعات مستمدة من الكتاب المقدس.

ومن هذه العروض على سبيل المثال “لعبة دانيال” لكاتبها ديبوفيه، وتلاحظ فيها هيمنة العنصر الموسيقي ضمن وظيفية مسرحية، وكانت غايتها تثقيف المؤمنين ضمن سياسة الكنيسة، وكانت تنشد باللغة اللاتينية الكنسيّة، ثم ما لبثت أن حوربت هذه المسرحيات في المجامع الكنسيّة فحظرت التمثيليات الدينية داخل الكنيسة وانتقلت إلى باحات الكنائس والساحات لتصبح دراما نصف طقسيّة.

وأصبحت الأدوار تتوقف على ممثلين هواة في بادئ الأمر ثم محترفين في ما بعد، وبدأت تتعدد اللغات في المسرحيات بحسب القوميات تمهيدا لقيام مسارح خاصة بكل بلد.

وتهتم القصص الدرامية غالبا بالتفاعل الإنساني وكثيرا ما يصاحبها الغناء والموسيقى ويدخل فن الأوبرا ضمن هذا التعريف.

وفي قصة حملت عنوان “بحث ابن رشد”، سخر الكاتب الأرجنتيني خورخي لويس بورخس، من فيلسوف العرب ابن رشد الذي حيّره مصطلحان ينتميان إلى معجم المسرح هما “التراجيديا والكوميديا” أثناء قراءته لكتاب “فن الشعر” لأرسطو. ويبيّن صاحب القصة كيف أنّ ابن رشد، وهو الشارح الأرسطيّ الأكبر، الذي “ينتمي لثقافة لا تعترف بفن المحاكاة أو التشخيص ولا بالفن عامة، استعصى عليه إدراك المعنى الحقيقي لمفردتين متداولتيْن بكثرة في حضارة الإغريق التي نبغت في هذا الفن وفي سواه، ونظرّت له وأنشأت المسارح المدرّجة عند سفوح الأوليمب”.

والمتأمّل في الواقع العربي الراهن، يدرك بالتأكيد، وبما لا يدع مجالا للشك، أنّ العرب ليسوا صنّاع دراما بالمفهومين التقني والاحترافي للكلمة، ولا أصحاب ريادة وأسبقية مثل غيرهم من الأمم، لكنهم صنّاع للدراما بكل أنواعها وأجناسها التراجيدية والكوميدية، مما حدا بهم إلى أن جعلوها مادة خصبة من حيث لا يتقصّدون.

فالبطل الإغريقي يواجه مصيره، ويذهب بعيدا نحو إرادته كشخصية ملحمية بامتياز ومهما كانت النتائج، لكنّ الفرد العربي يلعب دوره ضمن الحلبة التي حشر فيها ووفق الحبكة التي نسجتها له القوى الفاعلة على مسرح الحياة، فكأنما هو دمية تحركها أصابع صاحبها، فلا سبيل للانفلات من مصير تحدده “مصائر” اللاعبين الكبار.

ما أنتجه العرب من دراما فنية واستهلكوه في ما بينهم، يضاف إليه ما صنعه آخرون وصدروه للعرب، وهو “دراما هائلة” من المفارقات التي لا يمكن فهمها إلاّ على ضوء ما يحدث من “دراما الواقع” التي عوّضت التقني والمستعار بالحقيقي والطبيعي، وفي هذا الصدد يقول الكاتب الفلسطيني خيري منصور “الفارق محذوف بين البطل والكومبارس، وما كان متخيّلا عن القتل والقبور الجماعية والأجساد المفخخة أصبح واقعا، بل فاض عن الواقع ليتحول إلى خيال أسود، حيث لا جغرافيا لهذه الدراما التي لم يعلن بعد اسم السيناريست الذي أعدّها”.

لم يبرز للعرب أي دور في الدراما التي يرجع تاريخ نشأتها إلى حضارات قديمة تأسست على فكرة صراع الإنسان مع نفسه ومع الآلهة من جهة، وصراع الآلهة في ما بينها من جهة أخرى، وفق الميثيولوجيا التي يأتي اليونان على رأس آبائها المؤسسين؟ فماذا صنع العرب بالدراما وماذا صنعت الدراما بالعرب عبر تاريخهم قبل الإسلام وبعده؟ ربما لا شيء.. وربما كل شيء.

الحضور العربي في الدراما لا يحتاج إلى تعديل

توأمان لا ينفصلان

يحاول فريد سرسك في كتابه “الملامح الدرامية في شعر أيام العرب”، الصادر عن دار “المستشارون” للنشر والتوزيع في عمان، البحث عن الملامح الدرامية في شعر تلك الأيام بما فيها من مفارقات وتداعيات وصراع وحوار ومناجاة داخلية.

وتحدث الباحث في الفصل الأول عن الدراسات النظرية في الملحمة والدراما قديما وبخاصة الشعر الملحمي عند أرسطو ومكانها في الأجناس الأدبية، وأصول الدراما ولغتها القصصية والملحمية، ويطرح فكرة درامية البيئة العربية ووجود الشعر الملحمي في الثقافة العربية.

ويبيّن سرسك، أن الشاعر الجاهلي لم يعمد إلى البناء الدرامي بطريقة منهجية بحيث يصح معها أن نطلق على الشعر الجاهلي أنه شعر درامي، لكن الملامح الدرامية تقرّب الشعر من الدراما بالمفهوم الذي تطرحه الدراسة في تعريفها للدراما على أنها “الشعور بأننا نحضر، بل إننا في الواقع نلعب دورا في فصل مهيب“.

ويدلل دارسون على وجود عناصر البناء الدرامي في شعر العرب من خلال المقاربة بين فكرتي الحروب والصراع الدرامي، مؤكدين على وجود العناصر الأساسية في العمل الدرامي، كالمكان والزمان والشخوص والمؤثرات البصرية والصوتية، مستعينين بالتعريف الأرسطي للدراما من جهة وواقع التطور في المفاهيم الدرامية الحديثة من جهة أخرى.

وجاء في كتاب “المسرح العربي” لمدحت الجيّار، السؤال التقليدي، هل عرف العرب أو المسلمون المسرح؟ وينطلق الجيّار من رؤية يتتبع فيها جذورا قديمة ترهص ببدايات دراما مسرحية لدى العرب القدماء، سواء تلك الجذور التي انبتّتْ ولم تنمُ، أو تلك التي امتدت وأثمرت فروعا حتى التحمت بالشكل المسرحي الغربي كما وصلَنا مع الغازين أو المبشرين ورجالات الدين في الشام ومصر.

ويمهد المؤلف بتبيان إرهاصات الدراما المسرحية الأولى في العالم لدى الكهنوت الفرعوني، ونشأة المسرح اليوناني القديم في رحاب الأسطرة الألوهية الإثنينية، وخيال الظل في حضارتي الصين والهند، مما اُتُخِذ كأداة سياسية توجيهية أو تربوية أخلاقية تعلم المواطن القيم والقانون على نحو غير مباشر.

ويعتبر باحثون أن معلقة عنترة العبسي، بطل “داحس والغبراء” الذي قاد صراعا ضد التفرقة العنصرية والعبودية، ومعلقة الحارث بن حلزة الذي استطاع بمشاهده الملحمية أن يؤثر على الملك عمرو بن هند ممّا دفعه إلى الانحياز إلى البكريين دون التغلبيين، ملحمتان دراميتان عبقريتان يمكن وصفهما وتصنيفهما ضمن الملاحم الشعرية السياسية.

وحظيت أيام العرب الشهيرة في العصر الجاهلي مثل يوم البسوس وداحس والغبراء ويوم ذي قار باهتمام الباحثين والدراسين، خاصة في الجانب الفني منها والذي صاغ فيه الشعر الحدث التاريخي وسجل عادات العرب وديانتهم وعقليتهم، كما سجل الملامح الجغرافية في شبه جزيرة العرب والنباتات والحيوانات، وما كان العرب يعتنقون من خرافات وديانات وأصنام.

العرب اختصرت ثقافتهم الفرجوية على بعض الظواهر المسرحية التي حاول مسرحيون في الستينات والسبعينات من القرن الماضي تأصيلها دون جدوى

وفي تاريخ الدول التي تعاقبت على حكم العرب، تحكي القصص المروية من مجالس الخلفاء وندمائهم، والمأخوذة عن الحكائين ومقلدي الأصوات واللهجات ومجالس الطرب في الحانات والمنازل، أن العرب عرفوا ألوانا من مظاهر الفرجة والعروض الترفيهية، منها الدعابة والنكتة، والنوادر، والتحامق، والتهكم، واللعب بالألفاظ، والتطفل، ولم تعرف هذه المظاهر أوج ازدهارها إلا مع استتباب الحُكم للعباسيين في عاصمتهم بغداد.

ويعدّ العصر العباسي العصر الذهبي للفكاهة والضحك في التاريخ العربي الإسلامي، فازدهار الحياة الفنية والأدبية وحياة الترف ومجالس الأنس والطرب واللهو واحتدام الصراعات الفكرية والمذهبية، ساهمت في إذكاء روح الفكاهة عند أدباء ذلك العصر وحكائيه.

فشهد النصف الثاني من القرن الأول الهجري، نشوء أهم وأكبر الحواضر العربية في بغداد. وفي هذا المجتمع الجديد، ظهرت طبقات جديدة ونمط حياة مختلف. فشاع التكسّب بالحيلة والأدب والشّعر، وانتشرت ظاهرة الطفيليين ومهرجي البلاط. وكان المجتمع العباسي مزيجا من أعراق وثقافات مختلفة ومذاهب متصارعة وطبقات اجتماعية متباينة، يتعايش فيها الفقهاء والفلاسفة والأمراء والمحدثون والشعراء والمعلمون وأصحاب الحرف اليدوية والعسكر.

وكان “لكل جانب من جوانب حياة هذا العصر وكل طبقة من طبقاته مهما بلغت في علو درجتها أو قدرها، قسط وموضع في أدب الفكاهة، فلم تسلم جماعة أو فئة مهما كان شأنها في العلم أو العمل الجاد، من أن تكون هدفا لفكاهة أو حكاية طريفة أو نقد ساخر”، تقول الدكتورة وديعة طه النجم.

الدراما العربية رحلة ممتدة منذ الجذور التراثية الأولى وصولا إلى التجارب الحديثة التي ارتبط فيها النص بالإخراج والأداء التمثيلي مع الانفتاح على “العولمة الدرامية”.

12