العرب ينتخبون: هل فشلت الديمقراطية نهائيا

الجمعة 2014/05/16

تجتمعُ في دائرة زمنية واحدة مجموعة عمليات اقتراعية عربية المفترض أن تستفتي حال الرأي العام هنا وهناك، على نحو يعكسُ الممارسة النقية للديمقراطية. الانتخابات في العراق ولبنان وسوريا ومصر، باقةٌ من النماذج التي تلتقي في الشكل على الإصغاء لصوت الصناديق، وتختلف في المضمون وتفاصيل الحكايات وفق كل حالة. على أن عمليات الاقتراع، تلك، تثبت بالدليل أن الديمقراطية لا تنحصرُ في عملية الاقتراع، بل في منظومة متشابكة الأبعاد، متعددة المستويات.

الانتخابات في العراق كرّست منذ سقوط النظام السابق عام 2003، تمرين إنشاء السلطة والتجديد لمقوّماتها. فرضَ ما أُسمي بالعملية السياسية شكل الحكم ووجوهه، واستخدمت الانتخابات لإخراج المشهد كاملاً وفق شروط الانتخاب وأعرافها. جرت الانتخابات، وتجري دائماً، على قاعدة أن هناك غالباً يسود ومغلوباً يُساد. لم تأتِ الانتخابات في العراق لتكريس عقدٍ اجتماعي يرثُ الاستبداد السابق، بل لتشريح الجسد العراقي المريض وفق تقسيمات دينية ومذهبية وعرقية. بمعنى آخر منحت الانتخابات المذهبية والعرقية صك شرعية جعلتها أسّا مفصلياً في تكوين البلد، لا وباء مؤقتاً عرضيا راحلا. على ضوء تلك الانتخابات تتقدم طموحات انفصالية تارة، وتفكيكية ثانياً، كما يفقد الداخل قراره ويستسلم لقرار وافد من وراء الحدود.

الانتخابات في العراق تسير وتنشط وتنمو وفق شروط الانقسام السني- الشيعي (طالما أن الجميع مسلّم بالخصوصية الكردية في الجغرافيا والديمغرافيا). وإذا ما تيسّر للعراقيين أن يتجاوزوا مذهبيتهم وراحوا ينشدون الارتقاء إلى ما فوق المذاهب، فإن مناسبة الانتخابات موسم لإعادة استدعاء كربلاء وصفّين، وإطلاق لخطاب تكفيري يجبر المتفائلين بـ”لا طائفية” متوخاة للعودة إلى ملاذ الطائفة البليد. الانتخابات في العراق أداة من أدوات اقتسام الغنيمة العراقية على مائدة ملوك الطوائف. وهي بهذا المعنى فعلُ تحريض وقسمة ودمار بالنسبة إلى العراق والعراقيين، وقد يكون الاستغناء عنها لصالح أدوات خلاقة أخرى أكثر فائدة للعراق كما لشعبه.

وحال الانتخابات في سوريا لا يحتاج إلى عناء التقييم والتحليل. فتلك منذ فُرض نظام الحزب الواحد، سواء بطبعته الأولى أو بتلك التصحيحية بعد ذلك، تقوم- بصورة شكلية- بتجديد النظام لنفسه في المتن والمركز، على أن تتبدل وجوه الهوامش. لا تروم الانتخابات تناوبا على السلطة وتداولا للقيادة، بل تثبيت الديمومة الأبدية لنظام وراثي أين منه النظم الملكية وأشباهها.

وإذا كان التقييم السابق يتعلق بالانتخابات في سوريا ما قبل أزمتها، فإن الانتخابات الرئاسية المقبلة التي ستأتي ببشار الأسد رئيساً، تعتبر مهزلة ليس بنظر المعارضة السورية وأصدقائها في العالم، بل هي كذلك في نظر النظام نفسه، الذي يجاهر بتنظيم انتخابات في بلد يعاني نكبة تاريخية كبرى، في كوارث القتل والمجازر، وفي مأساة النزوح التي دفعت بالملايين خارج بيوتهم وأحيائهم، ناهيك عن تقطع أوصال البلد بحيث سيكون مستحيلا إجراء انتخابات ولو صورية في مناطق كثيرة من سوريا.

يعرف النظام السوري ذلك ولا يقلقه الأمر، فالانتخابات الحالية لا تختلف في أي حال عن أية انتخابات سابقة لجهة تثبيت الثابت بغض النظر عن وسائل ذلك داخل تمرين الانتخابات. وإذا ما كانت الانتخابات في شروطها الحالية في العراق وبالا على البلد يجوز الذهاب لتعليقها صونا لوحدة البلد وديمومته، فحريّ بدمشق التخلي عن الانتخابات طالما أنها ليست الفيصل، أمام السوريين والعالم، لتحديد هوية النظام السياسي ورجالاته ورئيسه.

في مصر تجري الانتخابات وفق شروط التغيير وخارطة الطريق التي أنهت حكم محمد مرسي للبلاد. والانتخابات ليست منبر الديمقراطية الكبير، ذلك أن مصر تحتاج لعقود حتى تتمكن من أن تصبح ديمقراطيتها شبيهة بديمقراطية الغرب، وفق تصريحات المرشح المشير عبد الفتاح السيسي. الانتخابات بهذا المعنى استفتاء على إنهاء حكم الإخوان وتثبيت للقطيعة مع التنظيم وتجربته الحاكمة. والانتخابات في مصر تجري وفق خلفية إحباط تستسلم لأي خلاص يعيد مصر إلى الاستقرار في الأمن والسياسة والاقتصاد. وما الخلاص الوحيد المقترح إلا ذلك الذي تأسس على قاعدة مظاهرات 30 يونيو وقرارات 3 يوليو. على ذلك يتنافس لرئاسة مصر وجهان لا يتواجهان ولا يتناقضان ولا يتصادمان، وفي مصر من يقول إنهما يتكاملان.

تخوض مصر انتخابات محسومة النتائج. ومصدر الحسم يأتي من التصاق العمل الجمعي المعارض للإخوان في الحكم بمسعى المؤسسة العسكرية للتحرك ووقف الانهيار، أو إنه يأتي من حالة استدعاء لتدخل الجيش من قبل المصريين، بعد أن عجز الحراك منذ 25 يناير ونتائجه عن ضبط مصر على سكة ما تصل إلى وجهة ما. هي انتخابات لإرساء شرعية كاملة على خارطة الطريق. هي أداة من أدوات تثبيت السلطة لمن يملك تلك السلطة. واللافت أن الحملة الانتخابية التي يشارك فيها بحيوية إعلام وإعلاميو مصر لا تدور رحاها لنصرة مرشح السلطة ضد المرشح المنافس، بل تنشط لتأييد مرشح السلطة ضد أي بديل آخر، على نحو يوحي باستمرار خطورة البديل الآخر.

في لبنان من صدّق هذه المرة أن رئيس الجمهورية ستنتخبه آلة تشريعية لبنانية متخلصة من وصاية الخارج. وإذ باللبنانيين يكتشفون عجزهم عن إنتاج رئيس من الداخل دون أن يتوافق ذلك مع الخارج. ليس للبنان الصغير، في الحجم والديمغرافيا والموقع والمعنى، أن ينتخب رئيساً لا ينسجم مع المشهد الانتخابي العام من العراق إلى مصر مرورا بسوريا. والمفارقة أن الانتخابات في العراق وسوريا ومصر، وهي دول عربية كبرى، محسومة النتائج ولا تؤثر على التوازن الإقليمي التقليدي المعروف. الانتخابات العراقية أيا تكن النتائج لن تؤثر على النفوذ الإيراني، كما أن تلك السورية لن تؤثر على مواقع ومواقف المعنيين والدوليين، كما أن تلك في مصر لن تنال من علاقة العالم مع مصر ما بعد الإخوان.

المفارقة أن بلداً صغيرا كلبنان عليه إنتاج رئيس يشبه تناقض المنطقة ولا يشذّ عن منْطقها. لكن الانتخابات في لبنان بقيت على مدى عمر هذا البلد أداة التداول والتناوب وشرطا من شروط ديمقراطيته حتى في ظل الوصاية السورية. يفتخر اللبنانيون أنهم البلد العربي الوحيد الذي يغادر رئيسه موقعه عند انتهاء ولايته، وأن تجارب التجديد والتمديد (التي قد تكرر هذه المرة لاستحالة التوافق على رئيس) اعتبرت استثنائيةً تؤكد القاعدة. لكن ديمقراطية اللبنانيين ليست صناعة لبنانية مطلقة، بل هي وجهة نظر يتورط الخارج القريب والبعيد في الاجتهاد بها.

منذ اندلاع الربيع العربي نشط سجال بين وجهتين من الصعب الوصول إلى خواتيمه. الوجهة الأولى تدور حول حقّ المنطقة العربية العيش برخاء سياسي يعترف بالعدالة والديمقراطية والمساواة، ووجهة أخرى تدور حول قدرة المنطقة العربية على تحقيق ذلك. وإذا ما كانت الوجهة الأولى تنضح بطوباوية واقعية (مع تناقض المفردتين) تتأسس على أن لا شيء يمنع الشعوب العربية من الالتحاق الكلّي بركب الحداثة وما حققته الإنسانية في هذا المضمار، فإن الوجهة الثانية نشطت عقب تجربة الربيع العربي وما أنتجته من عنف وانقسامات ورواج التشققات القبلية والمذهبية والدينية، كما في ذلك النزوع نحو كره الدولة ورفض الامتثال لهيبتها.

وإذا ما كانت تجربتا تونس واليمن قد عكستا وجها إيجابيا لجهة القدرة على إنتاج التسويات وتحري عقد اجتماعي بصناعة محلية، فإن التجارب الأخرى تحث على إعادة إنتاج الاستبداد وفق وجوه وشروط أخرى لإعادة الاستقرار إلى كيانات منفلتة لم تهضم زوال المستبد فغرقت في فوضى عبثية تعيد استدعاء الديكتاتور.

لن ينتهي هذا السجال، وسيتم الاستعانة بعلوم الاجتماع لتشريح الهيكل المؤسساتي لمجتمعاتنا في أعرافها وتقاليدها العشائرية الأبوية للتدليل على صعوبة تطبيق الديمقراطية الغربية عليها. قول أكدته تصريحات المشير السيسي قبل أيام، كما كانت أكدته تصريحات حسني مبارك قبل سنوات.


صحافي وكاتب سياسي لبناني

8