"العرس الوحشي" يفتتح مهرجان الأردن المسرحي الـ23

يبقى المسرح أبا الفنون وأكثرها عمقا واتصالا بجمهوره، الجمهور الذي يمثل ركيزة أولى في الفعل الإبداعي المسرحي، لذا يظل هذا الفن العريق أكثر الفنون تأثيرا لما له من علاقة تفاعلية مباشرة مع متلقيه. ومن البلدان العربية يشهد الأردن اهتماما متزايدا بالفن المسرحي الذي تعددت تظاهراته والمهرجانات الخاصة به، وعيا بأهميته.
الأربعاء 2016/11/16
الشجرة وثمرة الجريمة

افتتحت الدورة الثالثة والعشرين لمهرجان الأردن المسرحي فعالياتها بالعرض المسرحي الأردني “العرس الوحشي” للكاتب العراقي فلاح شاكر وإخراج عبدالكريم الجراح، في المركز الثقافي الملكي بعمّان مساء الاثنين 14 نوفمبر الجاري. وتشارك في المهرجان، الذي يستمر إلى غاية 24 من الشهر نفسه، 14 عرضا مسرحيا من بينها ستة عروض من الأردن هي: “الحب في زمن الحرب” تأليف مفلح العدوان وإخراج مجد القصص، “عطيل يعود” تأليف كازنتزاكي وإخراج حسين نافع، “أنت لست غارا” تأليف عزيز نسين وإخراج أشرف طلفاح، “ظلال أنثى” تأليف هزاع البراري وإخراج إياد شطناوي، “ليلة سقوط طيبة” تأليف وإخراج كفاح حرب، إضافة إلى عرض الافتتاح.

أما العروض العربية فكانت متنوعة الجنسيات منها من تونس مسرحية “أرض الفراشات” للمخرج سامي النصري، و”سيلفون” من العراق للمخرج محمد مؤيد، و”بارانويا” من مصر للمخرج محسن حلمي، أيضا نجد مسرحية “القلعة” من الكويت للمخرج علي الحسيني، و”شيطان البحر” من الإمارات للمخرج أحمد الأنصاري، ومن فلسطين نجد عملا بعنوان “هزبرة” للمخرجة ميرنا سخلة، كذلك تشارك السعودية بعرض “رأسا على عقب” للمخرجة مايسة الصبيحي، ختاما بمسرحية “خيوط من أحلام” من سلطنة عُمان للمخرج وليد البادي.

العرس الوحشي

استوحى فلاح شاكر نص “العرس الوحشي” من رواية بنفس العنوان للفرنسي يان كفلك، تدور أحداثها حول جندي أميركي في إحدى الوحدات التي كانت تخدم في فرنسا. وقبل أن تغادر وحدته عائدة إلى أميركا بيوم بواحد، يغتصب صديقته الصبية مع اثنين من زملائه في الوحدة، ويتركون بذرة ملعونة وملتبسة في أحشائها. تفشل محاولات البنت في التخلص من الجنين، فيأتي المولود، وتعجز الأم، وهي تتأمل صورته، عن معرفة من هو أبوه من بين المغتصبين الثلاثة. وتحاول قتله مرات عديدة لكنها لا تفلح، ثم تلجأ إلى معاملته بقسوة مفرطة ليعيش فصاميا معزولا ومشردا. وتنتهي الرواية بأن يقتل الابن والدته خنقا في البحر كطريقة وحيدة لمعانقتها للمرة الأولى والأخيرة.

وقد حوّل شاكر الأحداث من فضائها الفرنسي إلى فضاء عراقي، خلال الاحتلال الأميركي للعراق، ليصبح المغتصبون ثلاثة جنود من المارينز، وشحن الفعل الدرامي بقوة سيميائية مرتفعا به من مستواه الفردي إلى مستوى استعاري- جمعي، فالصبية تتحول في نصه من علامة صغرى، أي جريمة اغتصاب ضحيتها فرد واحد، إلى علامة كبرى ترمز إلى استلاب وطن كامل واستباحته. من هنا يأتي رفضها أن تكون أما لمولود (سفاح) هو ثمرة اغتصاب وحشي، إحالة على رفض الاحتلال ونتائجه الكارثية. إنها لا تستطيع أن تحبه لأنه صار آلاما في رحمها تطيل لحظة عذاب ذلك الاغتصاب إلى الأبد. وعندما يولد تعاقبه بتركه وحيدا ست سنين في مخزن الغلال المظلم، محروما من الحب والرعاية والحنان حتى يصل به الحرمان إلى حب البعوض لأن لسعتـه جعلته يشعر بكينونته وإنسانيته. ثم تحاول أن ترميه في الفرن لولا اعتراض أبيها، وأخيرا ترسله إلى مصح عقلي للتخلص منه نهائيا.

من يقرأ النص يتعاطف مع تنكّر الأم لابنها وسلوكها وموقفها العدائي تجاهه، فهو هنا ليس العصفور الذي حملته الشجرة المقطوعة بفأس الحطاب، كما يحاول أن يشبّه نفسه لتليين قلب أمه واستمالتها إليه، بل هو الدمار الذي زرعه المغتصب- المحتل في الوطن، والتركة المشؤومة التي خلفها المارينز وراءهم لأرض كان شعبها يحلم بالحرية والانعتاق.

حاول فلاح شاكر إنتاج خطاب مسرحي مواز للخطاب السردي الذي أنتجه يان كفلك، فرغم علاقة التناص، على مستوى الحدث في إطاره العام، بين المسرحية والرواية، فإن الأولى تنسج عالمها بخيوط درامية تحمل خصوصية تمثل نهج فلاح شاكر في خلق دراما مسرحية ذات نكهة متفردة من حيث بناء الفعل الدرامي المتوتر، والصراع المتأجج بين الرغبات والهواجس والعواطف الإنسانية العميقة المتناقضة حينا، والمتقاربة حينا آخر، فها هنا يتمظهر التوتر بين الأم وابنها حادا، ساخنا، يدفع العاطفة إلى التأجج بالحيرة، والعقل إلى نسيان مغامرة المنطق.

المسرحية لم تمتثل للنص المقتبسة منه بل أسقطته على الأوضاع التي تعيشها المنطقة العربية منذ بدء "الربيع العربي"

المقاربة الإخراجية

مقاربة المخرج عبدالكريم الجراح لهذا النص لم تكن مقاربة امتثالية، بل قامت على رؤية مغايرة عوّمت المرجعية الدلالية له، وحاولت إسقاطه على الأوضاع التي تعيشها المنطقة العربية منذ بدء ما سمي بـ “الربيع العربي”. فالجنود الثلاثة في نص فلاح شاكر أصبحوا في العرض “عساكر ثلاثة” في إشارة إلى القوات العسكرية النظامية التي استخدمتها الأنظمة المستبدة لقمع الثورات والاحتجاجات الشعبية، واغتصاب أحلام المشاركين فيها. كل ذلك على خلفية نشيد “موطني” الشهير الذي استبدل المخرج فيه مفردة “موطني” بمفردتي “تكذبين” و”أكذب”! كما أصبح الفعل الدرامي يدور في طوف، أو عبّارة عائمة على سطح البحر، إشارة إلى أن الأحداث التي تشهدها دول “الربيع العربي” لا تقف على أرض صلبة، بل على سطح رجراج يمكن أن يغرق كل مَن يقف عليه.

وصوّر المخرج كلا الشخصيتين: الأم -التي أدت دورها شفيقة الطل- والابن -الذي أدى دوره زيد خليل مصطفى- بوصفهما ضحيتين لجريمة واحدة. أي أنه خالف نص المؤلف الذي يشير إلى كون الابن (السفاح) جرثومة يمكن القبول بفكرة استئصالها. لكن هذه الإسقاطات بدت، في رأيي، غير مقنعة أنتجتها قراءة أو مقاربة لوت عنق النص الأصلي، وغدرت بنسقه ونواياه الأساسية، وهي اغتصاب المحتل والغازي للعراق، وترك جرثومة في جسمه (عار الاحتلال) تسببت في كل ما آل إليه من خراب.

كما أن إسناد المخرج دور الأم إلى ممثلة تجاوزت الستين من عمرها، والابن إلى ممثل يزيد عمره عن 35 سنة شكل تناقضا صارخا مع طبيعة الشخصيتين اللتين يُفترض أن تكونا أصغر من ذلك بكثير. تنتهي أحداث المسرحية، في نص المؤلف، بانهيار الجزء الذي تقف عليه الأم من العبارة، وسقوطها في النهر مع سماع أصوات رصاص. وحين يحاول الابن الامساك بها لانقاذها يسقط معها في الماء، وهو يردد بأعلى صوته “أماه.. أماه”، ثم يختلط صوته بالنشيد الوطني الأميركي.

وترشح عن هذه النهاية التراجيدية الرمزية مدلولات عديدة تتعلق بموت طرفي المعادلة في عملية الاغتصاب (الاحتلال) بفعل حتمي لا اختياري، وهي من دون شك نهاية تتناغم ونوايا المؤلف النموذجي (الذي نفترض أنه يختلف عن المؤلف الفعلي) بوصفه استراتيجية نصية، في حين ينتهي العرض لدى عبدالكريم الجراح بغرق العبارة، التي يتصارع على سطحها كل من الأم والابن، من خلال توجيه إضاءة زرقاء إلى الجمهور، وهبوط حامل أجهزة المصابيح في سقف المسرح فوق الشخصيتين، إشارة إلى المصير المؤلم الذي انتهيا إليه.

15