العرفان علاج للتغوّل الرقمي

العرفان ونظائره من الممارسات التي تنطوي على التفكر والتأمل في النطاق الكوني يمكن لها أن تنجح في التخفيف من السطوة التدميرية للتقنيات الرقمية التي تغولت لتسيطر على واقع الإنسان المعاصر.
الجمعة 2018/05/18
سلبيات رقمنة الثقافة

نعيش اليوم وسط ثقافة رقمية متغوّلة باتت تفرض سطوتها على جميع مجالات الحياة، وغدت واقع حال متسلطا لا يمكن ردّه، وهذه الثقافة الرقمية في حقيقتها هي ثورة تُضاف إلى الثورات التي شهدتها البشرية من قبل، وكانت لها مفاعيلها المؤثرة في حياة الإنسان.

 غير أن الثورة الرقمية تتمايز عن الثورات السابقة لها بخاصيتين اثنتين عظيمتي الأثر والنتائج: الأولى تغلغل مفردات الثورة الرقمية في كل جوانب الحياة العقلية والسيكولوجية للإنسان وعلى نحو أصبحت فيه تلك التقنيات تمارس نوعا من الدكتاتورية الرقمية المتغوّلة التي تشيع نوعا من التنميط العقلي الجمعي، مما ستكون له تبعاته المدمرة في العقود القادمة برغم الآفاق المبشرة التي يَعِدُ بها على المديات القصيرة.

 أما الخاصية الثانية فهي كون التقنيات الرقمية أمست ملازمة للإنسان المعاصر طوال اليوم وما عادت مقتصرة على أوقات محددة مثلما فعلت مفردات الثورات السابقة، وهذا ما يساهم في تعظيم تأثيرات الثورة الرقمية ويجعلها أشمل وأبعد مدى من الثورات السابقة.

 من المؤكد أن بإمكان الثورة التقنية أن تكون عظيمة الفائدة لمن يستخدمها في ميدان تعزيز الكفاءة المهنية وتوسيع الجوانب المعرفية والانفتاح على ثقافات العالم التي كانت عصية على التناول في الحقب السابقة؛ غير أن التعامل المعقلن مع هذه التقنيات يتطلب تدريبا منضبطا وقدرة على الإمساك بلجام الرغبات المنفلتة، وذلك أمر يتعذر بلوغه غالبا مع الفئات العمرية الصغيرة أو محدودي الرؤية الذين تستهويهم حبائل الإغواءات الصورية والمتع المحظورة؛ لكن التأثير الأعظم تدميرا لتلك التقنيات يكمن في أن الاعتياد على التعامل التلقائي غير الهادف معها ينقلب عادة إدمانية تنشأ معها ترتيبات محددة من الاشتباكات العصبية الدماغية التي تميز الحالات الإدمانية؛ الأمر الذي ينتج عنه بالضرورة فقدان جوانب مهمة من الإمكانيات الدماغية التي يمكن توظيفها في عملية التعلم وخلق آفاق جديدة أمام الإنسان ما كانت متاحة له سابقا، ولعلّ من اللافت للنظر أن الآباء المطوّرين للبرمجيات التقنية الشائعة (مثل بيل غيتس، الراحل ستيف جوبز ومارك زوكربيرغ) يعمدون في العادة لفرض نوع من التعتيم الرقمي في منازلهم -على أقل تقدير- بغية منح أنفسهم فسحة من فك الارتباط مع العالم الرقمي وتوفير فرصة لتعلّم قدرات عقلية مختلفة بعيدا عن النمطيات الرقمية السائدة.

 يمكن للعرفان -ونظائره من الممارسات التي تنطوي على التفكّر والتأمل في النطاق الكوني- أن ينجح في التخفيف من السطوة التدميرية للتقنيات الرقمية، ولا يقتصر الأمر على محض آلية محايدة عبر إقصاء الفرد عن البيئة الرقمية؛ بل إن الأمر أبعد من ذلك ويتأسس على قدرة العرفان في توفير ما يمكن وصفه بِـ”الترياق المضاد” للتقنيات الرقمية عبر إعادة تشكيل التشبيكات الدماغية وعدم اقتصارها على شكل واحد تفرضه التنميطات الرقمية المتواصلة.

 يمكن لهذه القدرة العرفانية في اجتراح ترياقات مضادة لبعض مثالب حياتنا المعاصرة، أن تصبح موضوع أبحاث مكثفة (وبخاصة في ميدان علم النفس السريري) إذ يرى الكثير من الباحثين أن امتلاك القدرة الذاتية على إعادة تكييف التشبيكات العصبية الدماغية، يمكن أن يكون وسيلة فعالة وعظيمة الأثر في علاج الكثير من الاضطرابات السيكولوجية، وفي مقدمتها الاضطرابات الذهانية، وفي معظم الأحوال أراني أميل إلى القناعة بأن النزوع العرفاني التأملي يمكن أن يغيّر نظرتنا للحياة ويغمرها بفيوض من الطاقة الكونية الخلاقة التي تتسامى على حضيض المستنقع البشري وقوانينه المدمرة.

14