العريس

أدب اليوميات، أدب السيرة الذاتية، أدب الاعتراف، أدب الأوراق الشخصية؛ والأدب الذي يكتب بأثر من التجارب الخاصة للكتاب، على مرّ الزمن، أو عبر تجربة في الزمن، طالت أم قصرت، هو ذا ما أقدمنا على نشره في هذا الملف المزدوج، من خلال أوراق ووثائق ونصوص هي يوميات وشهادات ومراجعات. الجزء الأول منها ينفتح على تجارب لكتاب عرب.
أدب اليوميات، ليس ثمة أدب يضاهي هذا الأدب في قيمته الوثائقية والمعرفية، فهو لا يصدر عن أيديولوجيا، ولا عن خطة تتجاوز الشخص المفرد صاحب القلم، ولكنها تصدر عن ذلك الغنى الذي يمكن أن تعكسه تجارب الأفراد وأفكارهم وتطلعاتهم المستقلة عن المدونة الرسمية للتاريخ، فنكتشف في كتاباتهم الشخصية أثر علاقتهم بالأمكنة والأزمنة والوقائع، وجلها يمكن تسجيله في خانة ما غاب عن السجل الرسمي. إنهم يفصحون في السطور التي يكتبونها عما صمت عنه التاريخ العام، وما تجاوزته الأقلام التي دونت التاريخ كما يريد الحاكم للتاريخ أن يدوّن، أو حتى كما يريد المزاج العام للنخب التي هيمنت على خطاب الأمم في أزمنة وغيرها، وكان يمكن للحقائق الإنسانية، ومعها الوجدانات والعواطف العميقة أن تدوّن بعيدا عن أغراض الأيديولوجيا وألاعيب السياسيين، ورغائب النخب.
في هذا الملف، ثمة التزام بالخطاب اللغوي كما ألفه الناس، وشطح لم يألفه قارئ، وبحث، وتدوين في كآبة ما وقع لنا نحن العرب في جغرافيات نخرها السوس، وأخرى التهمتها النيران. وفي كل الأحوال هنا صفحات وسطور من اعترافات أشخاص لأنفسهم، نساء ورجالا، مثلها كمثل رسائل يرسلها مسافرون غرقى في أعماق سحيقة لم يعد لهم أمل في نجاة، ولكنهم يريدون ألاّ يذهبوا سدى، موتى ولكنهم لا يريدون لقصصهم أن تموت أبداً.
الأحد 2015/09/13
تخطيط: ابراهيم الصلحي

أمسكت العروس ذراع عريسها، وهي تبتسم ؛ بينما هو مطرق إلى الأرض. دخلا غرفة النوم. جلست فوق السرير بخجل تنتظر اقترابه منها، نزعه إكليلها ومداعبته لها. خلع بذلته، نظر إليها بطرف عينه، تكوّر ونام. أمضت العروس ليلة زفافها الأولى جالسة على السرير، تنظر إلى نفسها في المرآة وتتساءل:

هل هناك من عيب بي؟

تكررت الحالة في اليوم الثاني والثالث، والعروس تبدل قمصان النوم والثياب الداخلية المغرية، الأحمر الأسود، البنفسجي علها تشد انتباهه واهتمامه، فينكسر الحاجز بينهما، ويتحقق المراد.. دون فائدة.

كان يخرج من البيت كل صباح، ولا يعود إلا ليلا، يخلع ثيابه، يجلس إلى جانبها، ينظر إليها، يتأملها، وينام، والمسكينة تقضي الليل ساهرة، ربما أفاق وأحس برغبة بالنوم معها.

تقف أمام المرآة تتأمل جسدها البض، وشعرها الناعم المنسدل فوق كتفيها:

- ألا يغريه هذا الجسد؟!

تعاود الجلوس فوق السرير، تراقب وجهه المضطرب، تسمع شخيره، صرير أسنانه شهقاته التي تحولت إلى صراخ أفزعها، واضطرها إلى إيقاظه، وكما تفعل أيّ زوجة صالحة، ناولته الماء كي يشرب، ويهدئ روعه.

رفع العريس الجزء العلويّ من جسده، أمسك الكأس بيده، ورأسه محني. جلست قبالته، نظرت إليه بذهول، وسألته:

ما بك؟

أخذ نفسا عميقا وصمت.

منذ اليوم الأول لم تكلمني.. ألا أعجبك؟ منذ اليوم الأول لم أر رأسك مرفوعة ولو مرة واحدة، طوال الوقت مطرق إلى الأرض.. بماذا تفكر؟!

تمشي ورأسك محني، تجلس.. وأنت غائب عن المكان.. ما بك؟

لا شيء!

ناولها الكأس ثانية، وضعته بحركة عصبية على (الكومودينة) تود كسرها فوق رأسه، وفتح دماغه، ربما تعرف بماذا يفكر؟ وماذا يشغله؟ والأهم لماذا هو كذلك؟

عاود النوم من جديد، صرخ بصوت عالٍ، نهض مفزوعاً، قفز عن السرير، ركض نحو الحائط، رفع يديه الاثنتين.

صرخت العروس خوفاً:

أنت مجنون، وسأجن معك.. قل ما بك؟

التفت إليها، نظراته هلعة مذعورة، صرخ في وجهها:

- أنتِ لا تعرفين شيئاً!

- قل ما بك.. أريد أن أفهم.. أيّ عريس أنت؟

بكى، وصرخ، ضرب رأسه بالحائط: الطابور، الطابور.

رؤوسنا محنية دائما، لا نجرؤ على النظر إلى الأعلى فهناك الشراقة والشرطي والكرباج والدكة الحجرية المميتة بانتظارنا، ونحن بانتظار قدومها المباغت لإنهاء حياتنا. كوابيس الموت تلاحقنا تنتقل في المهجع من سجين إلى سجين، وكلما صرخ أحدنا وهو نائم أيقظ المهجع.. ركض الجميع باتجاه الحائط، وكل يتسلق كتف من قبله وننتظر حكم الإعدام.

الموت شيء عادي، كنا ننتظره كل لحظة وساعة ويوم. ننتظره بصمت الأموات، لا، الأحياء. الطابور يلاحقني ، يسكن أعماقي، لازلت أصطف، وأعيش فيه.

الطابور الطويل يقصر في الصباح، وفي المساء، ونحن نسترق لحظات الحياة القاتلة.. نفكر من سيموت غداً. على من يقع الدور في الإعدام سواء شنقا أو ضربا أو رميا بالدكة الحجرية، أو بالرصاص. في كل حبة زيتون موت قادم، أو مؤجل.. في كل رغيف خبز انتهاك لأجسادنا وحيواتنا.

جلس العريس القرفصاء، وجهه بين فخذيه، مد يده إلى رقبته، شعره.. صرخ: الحلاقة تعني جز الشعر والرقبة.

الطابور الطويل يقصر في الصباح، وفي المساء، ونحن نسترق لحظات الحياة القاتلة.. نفكر من سيموت غداً. على من يقع الدور، في كل حبة زيتون موت قادم، أو مؤجل.. في كل رغيف خبز انتهاك لأجسادنا وحيوات

ماذا يعني لكِ هذا الكلام، وهل تستطيع اللغة وصف ما حصل لنا! أو تخيله. إذا قلت لكِ التفقد اليومي، نقص واحد، اثنان.. وأنا مضطر لأن أقول مات، ماتا بالسكتة القلبية! وإذا قلت وأعدت لكِ مرات ومرات كلمة طابور، هل يعني لك شيئاً؟!

الطابور، طابور السجناء اليومي، وذلك السجان منفوخ منفوش الريش يقف كزعيم، بل كأنه عزرائيل خطاف الأرواح، يتباهى بإنسانيته وعطفه علينا بمناسبة حلول العيد:

سأترك حرية اختيار طريقة التعذيب لكم!

وما هي الخيارات: لحس ولعق البوط العسكري، تمديد السجين ووضع الحذاء فوق رأسه ورقبته، ثم البصاق عليه، بعد محاولة إكراهه على ابتلاع الفأرة. وفي الطرف الآخر للباحة مشنقة.. ومسدس جاهز للإطلاق.

تبختر السجان بيننا، واختار سجينا من الطابور، خيّره:

رد السجين: ألعق الحذاء يا سيدي.

انحنى السجين لحس الحذاء، لعقه، وقبل أن ينهض ركله السجان بالبوط العسكري على خصيتيه فخر السجين أرضاً، جره إلى العتبة ووضع رقبته فوقها، وعس عليها وكانت الضربة القاضية.

جاء دور السجين الثاني، أعطاه فأرة وطلب منه ابتلاعها وبعد عراك وتخبط بينه وبين جسده وجهاز هضمه وريقه ابتلعها؛ ما لبث المسكين أن تقيأها من جديد، ركله السجان وقتله.

أما السجين الثالث ، فاختار الموت دون تحديد، شنقا، بالرصاص بالدكة الحجرية لا يهم.. المهم الموت. أحس السجان بتلك الكرامة المتبقية عند السجين كرهه أكثر، ضربه بالسوط، أجبره على لحس حذائه، وسأله: ما هي طريقة التعذيب التي تفضلها؟

فقال السجين: الموت..!

- إذن أنت تحتج وتعترض!

- لا يا سيدي.

- تعال وابتلع الفأرة.

ابتلع المسكين الفأرة.. أخرج مسدسه، وأفرغ طلقتين في رأسه، تنفيذا لرغبته كما قال السجان.

كوابيس الموت تلاحقنا تنتقل في المهجع من سجين إلى سجين

لا تسألي عن شيء.. الموت حاضر في كل لحظة وثانية، بالصفة بطريق الخطأ بقرار محكمة.. أو سجّان بالمشنقة، بالمقصلة، بالرصاص، بالسوط، بالدكة الحجرية.. في باحة السجن وهنا، وكان يؤشر إلى داخله.

عيوننا مطمشة، رؤوسنا محنية ، بواريد وعيون تحرسنا عند الشراقات والأسلاك الشائكة وكل مكان.. والصراخ من فوق وتحت ومن الجوانب صراخ ، صرخات، ضربات.. قتل!

طابور مئة وخمسين رجلاً لم يبق بعد سنوات سوى 75 رجلاً، وتسألين ما بك؟ كنا نخشى النظر إلى بعضنا، الكلام، التذكر، فهناك جدار السجن، شراقته، بابه، ثقوبه، صراخ السجان الكرباج. كلها تراقب تنصت وجاهزة لكل الاحتمالات.. اسأليني كيف بقينا أحياء..؟ والموت يحصدنا واحدا تلو الآخر. لن أحدثك عن الزيارات فهي وسائل ترفيهية، تحصل كل عدة سنوات بالوساطات والرشاوى وهي للبعض فقط.

كل ما كنا نبحث ونحلم به البقاء أحياء.. أصبحنا جبناء.. رعديدين.. حيوانات تجتر الطعام.. وتحني رؤوسها، نأكل الخبز اليابس والماء.. ومعهما الجلد الصباحي، والمهم أن نبقى أحياء.

قوافل الموتى.. القتلى.. نراها دائماً، ونحن ننتظر قضاء الله وقدره، ونسأله الرحمة واللطف بنا!

وتسألين ما بك؟ الموت قربي.. أمامي.. ورائي، على جانبي، وأنا أنتظر لحظة بلحظة.

يكفيكِ أسئلة صامتةً ومعلنة، ما يفصل الموت عن الحياة شعرة ناعمة صغيرة.. عيناك تلوماني، تلوكان رجولتي.. أعرف ذلك.. أنا مازلت أعيش في الطابور، الأصوات تلاحقني، الصراخ يوقظني.

- قم يا حيوان.. يا ابن الشر..

المشانق القتل بالرصاص، الإعدامات.. أصوات البسملة تطاردني.. في البيت والشارع هنا في غرفة النوم، وتلك الحجارة والدكة مصوبة نحو رأسي، الرصاص الطائش سيأتي من النافذة، والضربات الطائشة ما تزال هنا في هواء الغرفة.. وفي الباحات المغلقة.. أنت لا تعرفين شيئاً.

سنوات نجلس، نجلد نبكي.. نصرخ بصمت، ننتظر أجلنا المسمّى.. يحق لكِ أن تحملقي هكذا.. ثم تقولين: لست رجلا

أنا لست رجلا، وأنت حرة.

* روائية من سوريا ومعتقلة سابقة لها روايتان “الشرنقة”، “تجليات جدي الشيخ المهاجر”، ومجموعة قصص قصيرة “سقط سهوا”.

12