العزلة الاستراتيجية تحُول دون تقدّم إيران في المنطقة

الخميس 2015/04/23
عداء إيران للعالم والإنسان يجلب لها رفضا في الداخل والخارج يزيد من عزلتها

واشنطن - ادعى اللواء حسين سلامي، نائب قائد الحرس الثوري الإيراني، في السابع من مارس الماضي، أن “نفوذ الثورة الإسلامية امتد إلى اليمن، وأنها أثرت على دول وشعوب من البحر الأبيض المتوسط وحتى مضيق باب المندب في اليمن”. بعد ذلك، قدم محسن رضائي، قائد الحرس الثوري الإيراني، التحية لمقاومة الحوثيين للتحالف الذي تقوده السعودية، مؤكدا أن “محور المقاومة” بقيادة إيران يقاتل “محور الغزو” الذي يضم إسرائيل والسعودية في العراق وسوريا ولبنان والبحرين والآن اليمن.

وأفادت “مجلة ذي أنترنشيونال أنتريست” أن عضوا في البرلمان الإيراني وهو مقرب من المرشد الأعلى أعلن في وقت سابق أن “ثلاث عواصم عربية (بيروت ودمشق وبغداد) قد سقطت بالفعل في أيدي إيران وأنها أصبحت تابعة للثورة الإسلامية، وصنعاء هي العاصمة الرابعة”.

وتؤكد هذه التصريحات مجددا بأن إيران كانت تقاتل بحثا عن بسط نفوذها حتى تصل إلى البحر المتوسط ومضيق باب المندب، فأحيانا يتم ذكر الدعم الإيراني للحوثيين في إطار “لعبة جيوسياسية كبرى” جديدة مع السعودية حيث أن إيران تطمح، سياسيا ودينيا، إلى أن يكون لها تأثير في المنطقة، مشابه لتأثير السعودية، والقوى العربية الإسلامية المؤثّرة منذ عقود طويلة عربيا وإسلاميا ودوليا، وجغرافيا تسعى إيران إلى توسيع نفوذها في المنطقة الممتدّة من الخليج العربي مرورا بالبحر الأبيض المتوسط إلى غاية بحر العرب.

وبعد انخراطهما في سلسلة من الحروب بالوكالة، يشكل اليمن اليوم مسرحا للصراع السعودي الإيراني. فالسعودية تعتبر اليمن بوابتها الخلفية الإستراتيجية، في حين تعتبره إيران ورقتها الإستراتيجية الرابحة للضغط على الرياض وحلفائها. ومن خلال التأثير في اليمن، تسعى إيران للضغط على الرياض للتخفيف من حدة مواقفها في العراق وسوريا.

نظرة عامة من الخارج عن الصراع الدائر اليوم، توحي بأن “اللعبة الكبرى” في اليمن بين طهران والرياض قائمة على أسس طائفية وأيديولوجية إلا أنها في الحقيقة لعبة سياسية استراتيجية بامتياز يتم فيها استغلال المنظور الجيوثقافي والديني الطائفي.

ومن الواضح أن الأيديولوجية الشيعية “الثورية المعادية للاستعمار”، والتي ظهرت مع ثورة آية الله الخميني عام 1979، هي القوة المحركة لنفوذ إيران في المنطقة. فقد أنشأت الثورة الإسلامية ديناميكية جاذبة خاصة مع تزامنها بالتحوّلات الجيوسياسية المهمة في السياسات الإقليمية والدولية. وظهرت إيران كملجأ للجماعات المسلحة التي تحدّت القوى التقليدية في المنطقة، إلى جانب كونها حاضنة سياسية للشيعة. وبما أن الشيعة يمثلون حوالي 40 بالمئة من اليمنيين، تمثل اليمن ميدان المعركة التالية بالنسبة إلى إيران لاستفزاز الغريم الأيديولوجي السنّي.

ويشكل الموقع الاستراتيجي الذي يتمتع به اليمن دافعا آخر لقيام إيران بدعم الحوثيين، فمضيق باب المندب الذي يقع بين اليمن وجيبوتي وإريتريا هو رابع أهم مضيق لشحن النفط والوقود في العالم. وبمقدور الحوثيين تعطيل تدفق إمدادات النفط أو مهاجمة السفن التي تمر عبر المضيق في حالة تعرض إيران إلى أي تهديد بالحصار.

إيران ظهرت كملجأ للجماعات المسلحة التي تحدّت القوى التقليدية في المنطقة، إلى جانب كونها حاضنة سياسية للشيعة

ولا شك أن القوى الجيوسياسية والجيوثقافية، تحظى بأهمية حاسمة، لكنها لا تعتبر قوى دافعة في تشكيل مسار الإستراتيجية الإيرانية تجاه اليمن. خلافا لذلك، فإن الفهم الأعمق والأكثر دقة للجغرافيا على المدى الطويل هو ما يدفع إيران إلى إقامة علاقات مع الحوثيين.

لطالما كانت لعنة إيران متأتية من جغرافيتها المنعزلة إلى جانب أنها الدولة الوحيدة في المنطقة التي يغلب على سكانها التشيع والحديث بالفارسية، مما يرسّخ الشعور بـ”العزلة الإستراتيجية”. ويشير هذا المصطلح إلى أن إيران تعاني من عزلة إستراتيجية إلى جانب كونها غير قادرة على إنشاء تحالفات ذات أهمية.

وقد مثّلت الحرب مع العراق، تأكيدا جديدا على عزلة إيران الاستراتيجية والمشاكل التاريخية التي تواجهها في إلحاق الهزيمة بخصومها. حيث أن المنطق الجغرافي والتاريخي يوضّح أن إيران في قدراتها الردعية ترتكز على إظهار قوتها على الصعيد الخارجي. فقد دفعت المساحة الشاسعة والحدود المضطربة إلى جانب الاضطرابات التاريخية إيران إلى الدفاع عن وحدتها واستقلالها خارج حدودها. وهو ما يعني أن الإيرانيين يميلون إلى إظهار قوتهم في مناطق تتعدى حدود بلدهم، بصرف النظر عن نوع نظامهم أو أيديولوجيته. ومن هنا يتجلى كون بناء علاقات إستراتيجية مع الميلشيات الشيعية كانت ولا تزال أداة إستراتيجية أمام إيران تعتمدها لتعويض عزلتها الإستراتيجية. وكانت تلك العلاقات حجر الزاوية لإستراتيجية إيران لتحقيق تطلعات أمنها القومي وردع التهديدات الخارجية لأكثر من ثلاثة عقود.

لقد شكلت كل من الجغرافيا الإيرانية وعزلتها الإستراتيجية سياستها الخارجية وسعيها المحموم نحو لعب دور متقدم في المنطقة. ومن الواضح أن هذه الجغرافيا تعتبر محورا هاما في مستقبل الشرق الأوسط من خلال علاقاتها مع الميلشيات الشيعية، وهو ما يمكن أن يسمى “انتقام الجغرافيا”.

6