العزلة تخيم على مستقبل التيار السلفي في مصر

الأربعاء 2014/05/21
مستقبل غامض ينتظر حزب النور بعد أن تحدد الانتخابات اسم رئيس مصر القادم

القاهرة- يشكّك خبراء وسياسيون مصريون في صدق نوايا التيار السلفي، واصفين شيوخ الحركة السلفية بـ”العملاء المزدوجين” الذين يدعمون في وقت واحد الحكم المدني والإخوان المسلمين والجهاديين.

اعتبر ياسر قورة، عضو الهيئة العليا لحزب الحركة الوطنية المصرية، أن دعم حزب النور السلفي للمرشح الرئاسي المشير عبد الفتاح السيسي، “تضليلا سياسيا”، مشيرا إلى أن “التيار السلفي بشكل عام لا يُمكن أبدا أن نأمن له، ولا يُمكن تصديق دعمه للسيسي، الذي أسهم في القضاء على فكرة الدولة الدينية وتطبيق الشريعة التي بايعوا جماعة الإخوان المسلمين من أجلها وتحالفوا معهم في الانتخابات البرلمانية والرئاسية”.

تصريح قورة، الذي جاء ضمن بيان صدر عن الحركة الوطنية المصرية، هو رأي من عدّة أراء وتصريحات أدلى بها سياسيون ومثقفون ومختصون في شأن الحركات الإسلامية اتفقت حول اللعبة المركّبة التي يلعبها السلفيون في مصر.

اليوم يواجه التيار السلفي المصري، الذي أصبح خطابه أكثر ليونة إلى حدّ كبير، تحدّيات عدّة منها الانقسامات الداخلية وصعود مجموعات جهادية جديدة في سيناء وحتى في القاهرة. ويتألّف هذا التيار في تركيبته، من السلفيين التقليديين الذين لا يؤمنون بالضرورة بالجهاد، والجهاديين السلفيين الذين علّقوا مؤقتا تطلعاتهم الجهادية فيما يختبرون الانخراط في السياسة الوطنية، والجهاديين الذين يرفضون المشاركة السياسية ويدعمون أعمال الإرهاب.


تيار فضفاض


متابعون للعلاقة بين الدولة والتيار السلفي يتوقعون حدوث طلاق بائن والتخلص من لعبة العميل المزدوج

التيار السلفي في مصر، مثل غيره في الدول العربية، فضفاض يتسع لعدد كبير من الحركات الإسلامية، بصورة يصعب حصرها في أرقام محددة، وتتراوح توجّهاتها، بين العنف الشديد وممارسة أقصى درجاته وبين الليونة المبالغ فيها. وما بين الاتجاهين، ظهرت جماعات مختلفة، واختلطت في كثير من الأحيان الأمور والقضايا، حتى أن البعض لم يعد يفرق بين حركة وأخرى، لأن الجميع في النهاية يصب في معين واحد.

المعلن والمتداول من التقسيمات يؤكد أن هناك ستة فروع أو منابع تاريخية لهذا التيار:

1- الجمعية الشرعية لتعاون العاملين بالكتاب والسنة المحمدية، ومؤسسها الشيخ محمود خطاب السبكي.

2- جماعة أنصار السنة المحمدية ومؤسسها الشيخ محمد حامد الفقي.

3- السلفية المدخلية، وهي امتداد للتيار السلفي في السعودية، وبرزت إبان حرب الخليج الأولى عام 1991، وجاء ظهور هذا الجناح كفكرة مضادة للمشايخ الذين استنكروا دخول القوات الأجنبية إلى الكويت، وله رموز حاليا في مصر، أشهرهم الشيخ أسامة القوصي.

4- الدعوة السلفية، ونشأت في منتصف سبعينات القرن الماضي في مدينة الإسكندرية على يد الشيخ إسماعيل المقدم.

5- السلفية الحركية، وظهرت في العاصمة القاهرة، وأبرز رموزها الشيخ الهارب والداعم للإخوان محمد عبد المقصود.

6- السلفيون المستقلون، الذين حاولوا تمييز أنفسهم عن الآخرين ونالوا شهرة إعلامية كبيرة، ومن رموزها محمد حسين يعقوب ومحمد حسان وأبو إسحق الحويني.


تغلغل سلس


الفرق والأجنحة السابقة كانت تعمل وتتغلغل بسلاسة وهدوء في نسيج المجتمع، دون أن يشعر بها الكثير من المواطنين، وبدأت تظهر بقوة على سطح الحياة السياسية مع اندلاع ثورة يناير 2011، عندما شاهد المصريون أعدادا غفيرة منهم في ميدان التحرير، ومكثوا فيه فترات طويلة.

نجاح أجهزة الدولة في تنحية التيار السلفي التقليدي وفصله عن التكفيري، سهل لها القضاء على جزء معتبر من الجهاديين

بعدها أخذ قطاع كبير من المواطنين يدرك حجم وجود هذا التيار، الذي تكاتف مع جماعة الإخوان في عدد من الأحداث والتطورات السياسية، واكتشفوا أن البئر السلفية العميقة تحمل جملة من الأسرار لم تكن تخطر على بال بشر، وأهمها أن الدولة خلال عهد الرئيس حسني مبارك كانت تستخدم عددا كبيرا من أعضاء التيار لتحقيق أهدافها، ضمن لعبة معلنة أو ضمنية، على قاعدة لكم الدعوة الإسلامية دون تدخل في السياسة، والتركيز على القضايا الظاهرة، الحجاب والنقاب وطول السروال والزواج العرفي والمحرمات والحدود، وكل ما يتعلق بها من فتاوى، شريطة عدم التطرق إلى نظام الحكم ومستقبله. وكانت هذه الصيغة مرضية لكل طرف، لأنه يحقق من خلالها مجموعة مهمة من أهدافه الأساسية.

الدولة، بجناحيها الأمني والسياسي، تتمكن بهذه السياسة من السيطرة على التيار السلفي- التقليدي- الدعوي، وتفصل بينه وبين التيار التكفيري – الجهادي العنيف، الذي كبدها خسائر فادحة، عندما حدثت مواجهات ضارية في عقد التسعينات من القرن الماضي، راح ضحيتها الدكتور رفعت المحجوب رئيس مجلس الشعب (البرلمان) عام 1991، وتعرض خلالها عدد من المسؤولين لمحاولات اغتيال، مثل رئيس الوزراء الأسبق عاطف صدقي، ورئيس مجلس الشورى الأسبق صفوت الشريف، ووزيري الداخلية حسن أبو باشا وحسن الألفي، كما راح ضحية هذا العنف، الكاتب فرج فودة، وتعرض كل من الأديب نجيب محفوظ والكاتب الصحفي مكرم محمد أحمد لمحاولتي اغتيال، ناهيك عن سلسلة طويلة من العنف طالت عددا من السياح الأجانب في أماكن متفرقة.


صفقات ومراجعات


نجاح أجهزة الدولة في تنحية التيار السلفي التقليدي وفصله عن التكفيري، سهل لها القضاء على جزء معتبر من الجهاديين واعتقال آخرين وعقد صفقات، بموجبها حدثت مراجعات وأعلن عدد من كبار القيادات التكفيرية تخليهم عن العنف وإدانة العمليات الإرهابية، التي بدأت تطل برأسها من جديد، على أيدي أتباعها الجدد والقدامى، عقب سقوط حكم الإخوان في 30 يونيو 2013.

المهم أن سياسة الفصل حجبت عن التيار التكفيري مده بروافد كثيرة من التيار التقليدي، الذي استحسن فكرة الاستسلام للدعوة فقط، فعبرها تمكن من تجنيد المزيد من المريدين، وابتعد عن الصدام مع الدولة واستفزاز أجهزتها الحديدية، في وقت كانت قبضتها قوية، وتفرغت الأجهزة الأمنية والسياسية للتعامل مع الإخوان، الذين كانت أعينهم تتوق إلى الحكم، وتقوم بعملية تجريف مجتمعي لصالحها وتحريض مستتر ومعلن ضد النظام.

ياسر قورة: التيار السلفي بشكل عام لا يمكن أبدا أن نأمن له

وكلما قويت شوكة الإخوان أرخت الأجهزة الأمنية قبضتها على السلفيين، وبدت العلاقة عكسية لفترة طويلة، على أمل ضرب الإخوان بالسلفيين، الذين استغلوا هذه المساحة في تعبئة قطاع من الناس والعمل لصالح أفكارهم، حتى سقطت غالبية الثمر في حجر الإخوان.

فئة مؤثرة من السلفيين قبلت اللعبة وتحملت تبعات اتهامات مخجلة بالعمالة لصالح أجهزة الأمن، مقابل ترك الحبل لهم على الغارب، كما يقولون في مصر، بمعنى وسعوا نشاطهم الدعوي والإعلامي، واستفادوا جيدا من المواجهات الأمنية والسياسية بين الدولة والإخوان، وتعمدوا الاحتفاظ بمسافة عن التيارات التكفيرية العنيفة، وإنكار أية علاقة لهم بالإخوان، ونجحوا في تكتيل جيوش (أفراد) كبيرة من المصريين وراء أفكارهم.

وكانت نقطة الفرز الحقيقية سقوط نظام مبارك ثم وصول الإخوان إلى الحكم، حيث مال تلقائيا قطاع كبير من التيار السلفي التقليدي إلى الجماعة وانحاز تيار العنف- السلفي أيضا لهم.

وقام الإخوان بتوظيف التيار الجهادي، داخل مصر وخارجها، استعدادا لمواجهة آتية لا ريب فيها، وقدم له الإخوان، وهم في السلطة تسهيلات؛ إفراج من السجون، وفتح الحدود لاستقبال الوافدين بطرق غير شرعية، وتوفير السلاح اللازم وتخزينه، حتى وقعت المواجهة المحتومة في سيناء، بعد سقوط حكم الإخوان، وفهم الناس أن غالبية عناصر التيار السلفي جذورها ليست بعيدة عن الإخوان، إما بالتعاطف أو الانتماء الحركي المباشر.


فصل جديد و3 رسائل


لعبة التيار السلفي والدولة بدأت فصلا جديدا مع سقوط الإخوان، حيث لجأت السلطات الرسمية إليه مرة أخرى لضرب الإخوان. لكن هذه المرة أخذت المسألة شكلا جديدا، تمثل في الاستقطاب المباشر لقطاع منهم، انطلاقا من حسابات وتوازنات سياسية، فرضتها قواعد اللعبة بعد رحيل حكم الإخوان، ورغبة السلطة الانتقالية في أن تؤكد للجميع أنها سلطة تتسع للأطياف المختلفة في المجتمع المصري.

ولعل المشهد الذي رآه الناس يوم 3 يوليو 2013 الذي أعلن فيه عبد الفتاح السيسي، وزير الدفاع آنذاك، بنود خطة خارطة الطريق كان معبرا عن هذا المعنى، حيث جلس يونس مخيون، رئيس حزب “النور” السلفي، إلى جوار البابا تواضروس وشيخ الأزهر أحمد الطيب، فضلا عن ممثلين عن التيار المدني والعسكري في مصر، وهي الصورة التي بعثت في حينها بثلاث رسائل أساسية:

الأولى، أن الدولة لم ولن تعزل التيار الإسلامي، فلا زال هناك معبّرون عنه، بخلاف الإخوان، وجرى التركيز على التيار السلفي الذي لم تقطع الأجهزة الأمنية علاقتها معه، في عز سطوة الإخوان، وتمت الاستفادة منه في الخطوات السياسية اللاحقة، على الأقل لإثارة التشويش على أصوات وأبواق الإخوان التي كانت تنطلق من الداخل والخارج، وجنبت قيادات حزب “النور” الدولة حرجا مكلفا، عندما قبلت القيام بدور المساند في تصوراتها وتصرفاتها، ولتبدو في النهاية جماعة الإخوان شبه معزولة.

الرسالة الثانية، للغرب ليعيد النظر في موقفه المؤيد والداعم للإخوان، والذي تعامل معهم باعتبارهم الممثل الوحيد للمسلمين في مصر، وقد بدد ظهور قيادات سلفية في المشهد السلفي جزءا من هذه الدعاية، وخفف من وطأة اتهام الدولة بإقصاء تيار الإسلام السياسي. وتأكد كثيرون أن قماشة هذا التيار واسعة وتتجاوز حدود الإخوان، الذين تخلص منهم الشعب في ثورة شعبية، بسبب أخطائهم وليس جراء عقيدتهم.

الرسالة الثالثة، قطع جذور العلاقة بين التيار السلفي – الجهادي – التكفيري- الإرهابي في سيناء ومناطق مختلفة وبين التيار السلفي المستأنس، إن جاز التعبير، وعدم تغذية الأول بعناصر جديدة، حتى تسنى عزله والقضاء على جزء معتبر من قوته المسلحة، علاوة على إلصاق تهمة العلاقة بالإرهاب الذي يمارسه هؤلاء والإخوان، وحرقهم سياسيا في الداخل والخارج، وقد حقق هذا التوجه نتائج جيدة، عندما بدأت جهات كثيرة تراجع مواقفها، وتقتنع أن هناك حربا ضد الإرهاب تخوضها الدولة المصرية.

المصير المجهول

الحكم المدني في مصر سيؤثر سلبا على التيار السلفي ويجعل من وجوده بالقرب من الدولة عبئا من الضروري التخلص منه

رحل الإخوان عن السلطة، وتمت إدانتهم في جرائم كثيرة، وجرى التخلص من عناصر تكفيرية مؤثرة، لكن بقي التيار السلفي المتفاهم مع الدولة شوكة في ظهر التيار المدني، ولم تتوقف لحظة علاقة الشك المتبادل بين الطرفين، فالسلفيون يعتبرون ممثلي التيار المدني “علمانيين”، وهو مصطلح كان في أحيان كثيرة يعني “الكفار” عند أتباعهم، أما المدنيون فقد نظروا لهم على أنهم من ميراث الإخوان الكئيب والمعطل لبناء دولة على الطراز الحديث.

متابعون للعلاقة الشائكة بين الدولة وهذا التيار يتوقعون حدوث طلاق بائن والتخلص من لعبة العميل المزدوج التي أجادها قطاع من السلفيين، وأن الفترة المقبلة، أي عقب إجراء الانتخابات الرئاسية، سوف تكتب فيها شهادة الطلاق الرسمي، والحيثيات التي يستند إليها التقدير السابق تتمثل في عدم الثقة في جميع أنواع السلفيين، فمعظمهم عند لحظة الاختيار والفرز الحقيقي يميلون إلى الإخوان، وقد حدث ذلك في الاستفتاء على دستور 2014، فرغم الموقف الداعم له والمعلن من القيادات السلفية، إلا أن نسبة كبيرة من القواعد قاطعت التصويت، مما يعنى الانحياز إلى الإخوان، كما أن القيادات الظاهرة لم تعد كلمتها مسموعة لدى الكوادر، وأجهزة الدولة المختلفة فشلت في اختراقها، وبالتالي فقدت دورها الحقيقي، كما أن الدستور الجديد منع قيام الأحزاب على أساس ديني.

وإذا فقد حزب مثل “النور” خطابه الديني- الإسلامي فلن تكون له فائدة مؤثرة، علاوة على أن الترويج للحكم المدني القادم في مصر، سوف يؤثر سلبا على التيار السلفي، ويجعل من وجوده بالقرب من الدولة عبئا على كاهلها، من الضروري التخلص منه لمنع ازدواجية الخطاب.

المشكلة أن عددا كبيرا من التيار السلفي يشعرون بحجم المأساة التي يعيشونها الآن، فهم منبوذون من غالبية أفراد المجتمع الذين يميلون إلى الدولة المدنية، ومرفوضون من أقرانهم الإخوان، الذين يعتبرونهم عملاء للدولة، وهذه هي الأزمة أو الفخ الذي وقع فيه هؤلاء، وجعل مصيرهم غامضا.


اقرأ أيضا:


حزب النور: مطمئنون على مستقبل الأحزاب الإسلامية

7