العزوبية إعاقة!

الجمعة 2017/08/11

راجت في الأيام القليلة الماضية أخبار مفادها اتجاه منظمة الصحة العالمية نحو تغيير تعريف مفهوم الإعاقة، ليشتمل أيضا الأشخاص العزاب.

وقالت صحيفة "ديلي تلغراف" البريطانية في أحد تقاريرها إن المنظمة تعتزم تصنيف العزاب ممن لم يتسن لهم الإنجاب على أنهم "مصابون بالعقم"، وتعرف المنظمة ذاتها العقم على أنه نوع من الإعاقة.

وتعديل تعريف الإعاقة بحسب ما ورد في الصحيفة من شأنه أن يمنح الحق للأشخاص العزاب الذين سيصنّفون على أنهم مصابون بالعقم، وأن تتكفل الدولة بمصاريف عمليات التلقيح الاصطناعية حتى يتمكنوا من إنجاب الأطفال من دون زواج!

غير أن منظمة الصحة نفت ما ورد في تقرير “ديلي تلغراف”، مؤكدة أنها لم تقم بأيّ تعديل فيما يخصّ مفهوم الإعاقة، وبالرغم من ذلك فقد أثار الخبر جدلا واسعا في وسائل الإعلام والمؤسسات الصحية، ورافقته العديد من الانتقادات والتعليقات الساخرة بمواقع التواصل الاجتماعي، خاصة من قبل بعض المعتزين بعزوبيتهم والرافضين لفكرة إدراجهم ضمن من لائحة “أصحاب الاحتياجات الخاصة”، لأن أغلبهم لا يحبذ فكرة الزواج في الأصل وليس متلهفا على الإنجاب.

وتعطي معظم التعليقات التي رافقت القصة المثيرة صورة جلية عن تغيّر نظرة الكثير من الشباب في المجتمعات العربية والغربية على حد سواء للزواج، فتكوين أسرة لم يعد من الطموحات الكبيرة، رغم أنه من الخيارات الجميلة والجيدة في حياة كل إنسان طبيعي، لأن ذلك يمنحه إحساسا بالاستقرار ويجعله يشعر بأن لحياته معنى.

وساهمت الأعباء المالية والوجاهات الاجتماعية في جعل ظاهرة العزوبية من الأمور الاعتيادية في مختلف المجتمعات العربية، وبات عدد متزايد من الرجال والنساء مجبرا على تأجيل الزواج إلى أجل غير مسمى.

ويقول الفيلسوف سقراط لطلابه "يجب على كل شاب أن يسعى للزواج، فإذا رُزق بزوجة حكيمة مخلصة بات سعيدا وإذا منحته الأقدار زوجة شريرة مشاكسة أضحى فيلسوفا".

ربما يرى البعض أن الزواج ليس بنفس المثالية التي وصفه بها سقراط، ولكنني أعتقد أن سقراط محق إلى حد ما في قوله، ففي النهاية لا يوجد خاسر من مؤسسة الزواج، خاصة التي تقوم على عوامل موضوعية وأسس متينة، مثل السن والتعليم والخلفية الثقافية، فإذا تقاربت تلك الأمور بين الطرفين تضاءلت احتمالات الطلاق.

ولكن الخاسر الأكبر في نظري هو من يقضي عمره وحيدا، معتقدا أن الجمال والمال والصحة ستكون ضمانة أساسية للسعادة، إلا أن هذه المعطيات قد تتبخر في أي لحظة أو تصبح مع التقدم في العمر بلا قيمة.

وعبرت أبرز شاعرات العصر الفيكتوري إليزابيث باريت براونينغ عن قيمة وجود الشريك في الحياة بفصاحة بليغة بقولها لزوجها “أحبك، ليس لمجرد من تكون/ ولكن لما أكون عليه عندما أكون معك/ أحبك ليس لمجرد ما جعلته من نفسك/ ولكن لما جعلته مني/ أحبك بسبب الجوانب التي تبرزها في شخصيتي..”.

ولكن المؤسف أن الكثير من الشباب ممن اختاروا العزوبية بإرادتهم، غير مدركين لأهمية الزواج ولا يعرفون معنى الشعور بالوحدة في أرذل العمر، وهذا أمر طبيعي لأنهم مازالوا في أوج صحتهم ويعملون ولديهم دائرة من الأصدقاء والزملاء والأقارب، لكن بعد أن تفلت سنوات العمر ويشارفون على الشيخوخة سيجد البعض منهم نفسه في عزلة تامة، وسيتمنى حينها لو كان بمقدوره عكس مسار ساعاته البيولوجية وإعادة الزمن إلى الوراء، فمرارة الوحدة والعزلة أشبه بالشعور بالعجز أحيانا، والمصير المحتوم الذي يؤول إليه عقل الإنسان وقدراته الذهنية والصحية مع تقدمه في العمر، ليس محمودا دائما حتى في أحسن الظروف المادية.

ومثل هذا الأمر دفع مسنا إسبانيا عاش معاناة الوحدة والعزلة في دور المسنين إلى إطلاق مبادرة عنوانها “قافلة البحث عن الحب”، وقد تحولت مبادرته إلى نشاط شهري يهدف إلى توفير فرصة تعارف للمسنين رجالا ونساء على بعضهم البعض علهم يجدون شريكا للحياة.

وقد بينت العديد من الأبحاث أن وضع الإنسان العاطفي له تأثير كبير على شعوره بالرضى والسعادة في حياته أكثر من العوامل المادية، لذلك فمن الأهمية بمكان على المؤسسات التربوية في المجتمعات العربية إعادة تصحيح مفاهيم الأجيال عن الزواج، الذي يعد كما قال الروائي الفرنسي أندريه موروا “صرحا لا بد أن يُعاد بناؤه كل يوم”.

صحافية تونسية مقيمة في لندن

21