العزوف المتبادل

السبت 2014/08/16

في حديثنا عن الساحة الثقافية في تونس، يخيل لمن يسمعنا أو يقرأ لنا أنها ساحة واحدة، يتفاعل داخلها المبدعون في شتى ضروب الفن، وتتضافر فيها جهودهم فتغتني بالتلاقح تجاربهم، والحال أن الواقع غير ذلك، فالفنانون عندنا، بسائر أصنافهم، يعيشون في عزلة عن بعضهم بعضا، بل يجهلون بعضهم بعضا في بلد ذي مساحة ضيقة وكثافة سكانية ضعيفة نسبيا، فلا الأدباء يخالطون الرسامين، ولا الرسامون يجالسون المسرحيين، ولا السينمائيون يعاشرون أيّا منهم. والنتيجة أن الجميع ينتمون إلى الساحة الثقافية انتماء سكان جزر المحيطات البعيدة إلى المراكز الاستعمارية الغربية.

فالقطيعة تكاد تكون تامة بين كتاب الرواية مثلا ورجال المسرح والتلفزيون والسينما، إذا اكتفينا بمجال القول والكتابة. ولا نذكر رواية تونسية واحدة تحولت إلى مسلسل تلفزيوني أو مسرحية، أما تلك التي وقع تحويلها إلى السينما، فلا يتجاوز عددها أصابع اليد الواحدة كـ”يوم من أيام زمرا”، و”ليلة السنوات العشر” للراحل محمد صالح الجابري، و”بروموسبور” لحسن بن عثمان.

أما رواية “ونصيبي من الأفق” لعبدالقادر بن الشيخ فقد شهدت مسارا عكسيا، حيث وقع إعدادها جماعيا كسيناريو شريط سينمائي بالعنوان نفسه قبل أن يصوغها الكاتب في شكل روائيّ، ولولا العلاقات الشخصية لما التفت أي مخرج إلى تلك الآثار الأدبية. الاستثناءات القليلة التي فرضت حضورها على الشاشة مثل الشاعر علي اللواتي والروائي عبدالقادر بلحاج نصر إنما جاءت عبر اقتحام أصحابها مجال كتابة السيناريو. والحق أن هذه الجفوة تعود في نظرنا إلى أسباب ثلاثة: أولها أن تكوين أغلب مخرجينا فرنسي، فهم لا يقرؤون الأدب العربي إلا لماما، وإن فعلوا فبسطحية لا تقودهم إلى اكتشاف جوهر الأثر ومراميه. وثانيها أن المخرج يوثر نفسه في المقام الأول والمقربين في المقام الثاني بما ترصده وزارة الثقافة من دعم مالي لإنجاز الشريط، من بدئه إلى منتهاه.

ورجال السينما يلتقون في هذه النقطة مع زملائهم في التلفزيون، وحتى في المسرح. وثالثها، والحق يقال، قلة الروايات التونسية التي تصلح أن تتحول إلى السينما، لانغماسها في التجريب، وضعف حبكتها، وركود أحداثها، فبعض الأعمال غامض لا يُفهم، وبعضها الآخر رديء لا يُقرأ، وما تبقى يعزف عنه المخرجون. لقد كان من نتيجة ذلك عزوف متبادل بين نشطاء الساحة، فلا السينمائيون والمسرحيون والرسامون يقرؤون كتبنا، ولا نحن نرتاد معارضهم وعروضهم الفنية إلا كما يرتادها عامة الناس.


كاتب من تونس مقيم في باريس

17