"العزيمة".. تناول سينمائي مبكر لأزمات الاقتصاد والبطالة

المخرج كمال سليم راهن على تكثيف العمل بإسقاطات من الواقع ليثبت أن الفساد الإداري متغلغل في الشركات الحكومية منذ نشأتها.
السبت 2019/03/02
قضايا الاقتصاد في السينما

يسيطر مفهوم ريادة الأعمال على الشباب العرب حاليا كملاذ ينتشلهم من البطالة، ويمنحهم استقلالية اتخاذ القرار، بعيدا عن انتظار وظيفة حكومية قد لا تأتي، وتجنب مخاطر العمل لدى الغير والتهديد المستمر بالإقصاء، لكن الغريب أن يظهر ذلك المفهوم بجلاء في الفيلم المصري “العزيمة” الذي تم إنتاجه قبل 80 عاما. ينطلق فيلم “العزيمة”، المصنف في المرتبة الأولى بقائمة أهم مئة فيلم مصري على مدار التاريخ، من قاعدة أن العمل الخاص أفضل وسيلة للشباب لبناء المستقبل ومواجهة مشكلة البطالة الصداع المزمن برأس الحكومات التي تعجز عن تحقيق معدلات نمو اقتصادية تستوعب الزيادة السكانية المستمرة.

كان لفيلم “العزيمة” الذي بدأ عرضه بدور السينما في العام 1939، بطولة فاطمة رشدي وحسين صدقي، السبق في دق ناقوس الخطر حول المشكلات الاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن زيادة أعداد خريجي الجامعات وعدم القدرة على استيعابهم بسوق العمل، متطرقا في الوقت ذاته إلى مشكلة البطالة المقنعة بالمصالح الحكومية والفساد الإداري.

تدور القصة حول صعود محمد (لعب دوره حسين صدقي) نجل الحلاق الذي استدان ورهن محله من أجل إدخال نجله كلية التجارة بجامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليا)، وما فيها من أحلام وطموحات وصعود وسقوط في ظل واقع يعاني من تسخير مقدراته الاقتصادية والاجتماعية لخدمة مصالح الاحتلال الإنكليزي والموالين له.

يعدّ “العزيمة”، وهو من تأليف وإخراج كمال سليم وسيناريو بديع خيري، بداية التبشير بالتيار المحلي، بنقله الكاميرا لأول مرة إلى الحياة اليومية للحارة المصرية التي ظلت بعيدة عن الأعمال السابقة، حيث فضلت الغناء والاستعراض أو تناول قصص الحب بين الأثرياء وحفلات القصور لخلق صورة ذهنية عن ترف مكذوب لحياة جميع المصريين.

ويتطرق إلى الصراع الفكري بين الجهل ممثلا في الجزار “عترة” (الفنان عبدالعزيز خليل)، والعلم ممثلا في شخصية “محمد” عبر تنافسهما للفوز بقلب فاطمة البنت الجميلة (لعبت دورها فاطمة رشدي)، وفضح واقع مجتمعي تحكمه النزعة المادية، ليتفاخر الأول بأنه جاهل لكن بحنكته يكسب جنيهين يوميًا (20 دولارا حينها)، على عكس خريجي الجامعات العاطلين المنتشرين على المقاهي.

يحمل الفيلم جزءًا من شخصية مخرجه كمال سليم المتمرد الذي رفض إدارة محل والده لبيع الحرير، رغم أنه الابن الأكبر، وسافر إلى فرنسا لدراسة السينما وبعد أيام من وصوله تعرض الرئيس الفرنسي غاستون بول دومير للاغتيال، ليتم ترحيل سليم إلى القاهرة مجددا ليدرس بشكل مستقل، ويبدأ العمل في عدة أفلام فاشلة قبل “العزيمة” الذي كان أهم أعمال المخرج الذي مات عن عمر30 عاما فقط.

تيار رومانسي

قدم المخرج صورة مغايرة للصورة المعتادة لأبطال السينما،  وقدمهم في صورة عادية كبشر يحملون قدرا من الخير والشر
قدم المخرج صورة مغايرة للصورة المعتادة لأبطال السينما،  وقدمهم في صورة عادية كبشر يحملون قدرا من الخير والشر

يبدو “العزيمة” مشابهًا لتيار السينما الشاعرية التي تزعمها المخرج الفرنسي جان رينوار، المعروف بنهمه في البحث عن عناصر سحرية تأسر المشاهدين وتمر أمامهم بالمحيط اليومي الطبيعي، لكنها لا تلفت أنظار الجميع مع صبغها بنزعة داخلية عميقة، ومارسيل كارنيه، المتخصص في معالجة قضايا مستمدة من واقعِ الحياة بروح رومانسية.

حاول الفيلم منح أبناء الطبقات الفقيرة دفعة في مواجهة أبناء الأغنياء الفاشلين الذين لم يكملوا تعليمهم، ويتهكمون على حصول نجل الحلاق على تعليم عال بمقولة “جرابيع البلد (أراذلها) أصبحوا من ذوي المؤهلات”، ليرد لهم الصاع صاعين، قائلاً “غيركم يجد ويكافح وأنتم تعيشون لشهواتكم وتعيشون للسخرية فقط”.

ظلت الفكرة الأساسية التي قدمها الفيلم نقطة الصراع المحورية في الكثير من الأفلام المصرية بعد عرضه لعدة عقود، بمواجهة ابن الفقراء الشريف لنجل الأغنياء المستهتر، وتزايدت مع نشاط الإنتاج السينمائي في أعقاب الحرب العالمية الثانية التي خلقت أثرياء أرادوا غسل أموالهم بأنشطة مشروعة.

كان الفيلم يحمل اسم “في الحارة” لكن المنتجين تحاشوا غضب القصر من اعتبار حالة “درب معتوق” البسيطة نموذجا لجميع حارات مصر في العهد الملكي، فاختاروا “العزيمة” من بين أسماء منها “الموظف” و”اليقظة” و”الانقلاب”، وكانوا موفقين لأنه راعى جمهورا يريد دفع تذكرة لرؤية قصور الأغنياء وما تضمه من فخامة، ولن يرضيه تقديم نمط حياة يعيشها يوميا.

قرر البطل اختصار طريق حياته بإنشاء مكتب للأعمال التجارية بشراكة صديقه عدلي (الفنان أنور وجدي) وبتمويل من والد الأخير نزيه باشا (الفنان زكي رستم) الذي رحب أملا في إصلاح حال نجله ليواصل العمل، ليلا نهارا، في إعداد دراسات والاتفاق مع الموردين ليفاجأ بصديقه ينفق أموال المشروع على المقامرة والراقصات الأجنبيات ورحلات الصيد.

قدم البطل مشروعا يتسم بالشمولية في النشاط من استيراد وتصدير ومقاولات وتوريدات عمومية، لتقليل مشكلات تقلبات السوق، وجاء في صميم مفهوم ريادة الأعمال خلق نوع غير مسبوق من المنشآت أو تطوير مؤسسة قائمة بأعمالها بأسلوب ابتكاري، مع دراسة المخاطر التي تواجه النشاط والاستعداد لها، والقدرة على إقناع الآخرين للانضمام إلى فريق عملهم ومساعدتهم في تحقيق الأهداف.

تتكالب المشكلات على رأس البطل بعقد مزاد لبيع مقتنيات محل والده لسداد أموال استدانها لتعليمه، ومعايرة الجزار المستمرة له بالعجز وتقدمه لخطبة حبيبته “فاطمة”، ليبدأ رحلة البحث عن وظيفة لخصت واقعا لا يزال قائما، حول منح الوظائف لأصحاب الواسطة والمحسوبية وكشف فسادًا متغلغلاً في مؤسسات حكومية لا يزال قائمًا.

برع المخرج في تجسيد أزمة ربط سوق العمل بالتعليم واختصارها في لقطات سريعة لعناوين الصحف اليومية والتي لا تختلف كثيراً عن اليوم، رغم اختلاف التوقيت الزمني مثل “جيوش من العاطلين، و180 طالبا يتخرجون من كلية التجارة هذا العام، البطالة أسبابها ونتائجها، 500 من حملة المؤهلات العليا يتقدمون لوظيفة محصل بـ4 جنيهات”.

كان التناقض المجتمعي صارخا في عرض ثلاثة عناوين متلاصقة بصحيفة واحدة “مطلوب فراش (عامل نظافة) يجيد الإنكليزية.. يطلق النار على زوجته وولده ثم ينتحر يأسا لعدم عثوره على وظيفة.. ينفق مليون جنيه على راقصة”، ليلمح إلى الانقسام الطبقي في المجتمع بين من يسعون لكسب الرزق بأي وسيلة، وأغنياء ينفقون أموالا تحل مشكلات أحياء كاملة على راقصة واحدة.

يتبدل الحال مع عودة الباشا من الخارج وعِلمه بتضييع نجله أموال المشروع فيقرر التوسط للبطل من أجل العمل في شركة مقاولات توجه إليها مرارا من قبل للبحث عن وظيفة بلا جدوى، ليتبدل موقف سكرتيرها العام ساحبا كلامه المعتاد من شاكلة “ما قلتلك يا سيدنا الأفندي ما فيش (لا توجد) وظائف خالية.. أنت لا تفهم عربي.. قلت لك يا بني آدم.. مفيش هباب.. مفيش قطران.. سيبونا نشوف شغلنا (دعونا نعمل)”.

لم يغفل الفيلم واقعا لا يزال حاضرا في الدواوين الحكومية حتى الآن من إلقاء أعباء العمل على الموظفين الجدد، وتفرغ القدامى لتبادل الحكايات والخوض في الغراميات والمشكلات الخاصة، وعودة الأمور وانضباط العمل حال وجود جولات للمديرين، ليتحمل “محمد” أعباء المصلحة ويضطر إلى العمل حتى يوم زفافه، ومع كثرة الأعباء يضيع ملف هام لنزاع تجاري، ويتم اتهامه ببيعه للخصوم للحصول على أموال وفصله من العمل.

بشر وملائكة

كان لفيلم {العزيمة} السبق في دق ناقوس الخطر حول المشكلات الاقتصادية الناجمة عن زيادة أعداد خريجي الجامعات وعدم القدرة على استيعابهم بسوق العمل
كان لفيلم "العزيمة" السبق في دق ناقوس الخطر حول المشكلات الاقتصادية الناجمة عن زيادة أعداد خريجي الجامعات وعدم القدرة على استيعابهم بسوق العمل

قدم المخرج صورة مغايرة للصورة المعتادة لأبطال السينما، حيث يكون الأبطال ملائكة تظل نفوسهم بيضاء دائما لا تتدنس بواقع المجتمع، وقدمهم في صورة بشر يحملون قدرا من الخير والشر متصارعين داخلهم، ففاطمة تتخلى عن زوجها “محمد” بعدما فوجئت بعمله كبائع ملابس بعد إقالته من الشركة، وعدلي المنفلت يصبح نموذجا في الاجتهاد والإخلاص والتضحية ويخصص وقته للبحث عن دليل براءة صديقه حتى يجد الملف المفقود مهملاً في الأرشيف.

يجعل المشروع الخاص حلا للشباب فمحمد يرفض العودة مجددا إلى شركة المقاولات رغم تبرئته وتعويضه، وعدلي يقرر في الوقت ذاته الاعتماد على ذاته وترك حياة الدعة في كنف والده، ويعودان للحلم القديم بافتتاح مكتب للأعمال التجارية بمدخراتهما الخاصة ودون مساعدة أحد حتى نزيه باشا.

عندما عرض الفيلم، توقف الجمهور كثيرا عند فكرة رفض العودة إلى الشركة براتب كبير (12 جنيها) واعتبروه غير منطقي كوالدة البطل في الفيلم التي تطالبه بانتهاز الفرصة بدلا من الشقاء والسهر والمخاطرة، لكن تلك النقطة أظهرت قيمة العمل بعدها بعدة سنوات، حينما انتشر مفهوم العمل الخاص ومكاسبه وانتشر مفهوم التضخم وتأثيره على ذوي الدخول الثابتة.

وتطرق المخرج لأول مرة في تاريخ السينما المصرية إلى مشكلة العنوسة والتنازلات التي تقدمها الأسر من أجل تزويج بناتها، ففي مشهد مباركة أهالي الحارة لوالدة محمد على نجاحه في “الدبلون” (الاسم الدارج لدرجة البكالوريوس)، تطالب إحدى الأمهات ابنتها بكشف ذراعيها وشعرها لجذب أنظار الشباب فقد تجد من بينهم زوجا.

مثل الفيلم صدمة لمن شاهدوه للمرة الأولى، سيناريو خصب لا يخلو من إسقاطات ومقولات شديدة الارتباط بالواقع مثل “القرش دلوقتي بيخلي الأخ يبيع أخوه في الكلالة (المال يدفع الأخ لبيع شقيقه بالبخس).. كان زمان وجبر ما عدتش للشهادات لازمة (المؤهلات أصبحت بلا قيمة).. الحيوانات أسعد من الإنسان.. فلا وظائف ولا هموم”.

بدت الكوميديا السوداء حاضرة في حالة الحانوتي الذي ينعي حاله لتقدم الطب في معالجة الأمراض وإطالة الأعمار، أو في تضرعه إلى الله لوفاة عاجلة لأحد الأثرياء لجني أموال تساعد صديقه الحلاق، وفي مشهد بيع محتويات محل الأخير في المزاد العلني عادت الروح للبطل بعدما رأى جنازة تمر لتظهر الحياة من رحم الموت والسعادة من حزن الآخرين.

لم يقدم “العزيمة” نموذجا شكليا للحارة المصرية وإنما قدم صورا مغايرة برصد شهر رمضان بطقوسه من الإفطار والسحور ولعب الأطفال في الشوارع بالفوانيس ونداء الباعة المتجولين وأصوات فرق الإنشاد ونداءات المسحراتي بصورة تجعلها شديدة الواقعية ودون افتعال لتبدو شبيهة بالأفلام التسجيلية التي انتشرت في مصر بعدها.

نقل الفيلم بشكل توثيقا لرفض المصريين التعاطي، ثقافيا، مع الاحتلال البريطاني، من استخدام الأثرياء اللغة الفرنسية في حياتهم مع مزجها بالعربية وتفضيلهم السفر إلى باريس، حتى البارات التي صورها الفيلم كانت فرنسية، إلى جانب إدارة الأجانب لمحال الترفيه واعتمادهم على ثقافة الدعارة، كإحدى الوسائل المقننة لتعزيز أرباحهم واغتنام المزيد من الأموال من جيوب أبناء الأغنياء.

مع وقوع أزمة 1929، ونقص الاستثمارات الأجنبية وتبني الحكومات الغربية سياسات حمائية، بدأت بعض الصناعات المصرية في التزايد بعدما اتجه رأس المال المحلي إلى صناعات بديلة للواردات لمواجهة الطلب على السلع الاستهلاكية والوسيطة.

يمثل “العزيمة” تجسيدا لتوظيف العواطف والانفعال والحركة والإيقاع في لقطة واحدة، مقدما حارة نشيطة تبدأ يومها منذ أذان الفجر، فعامل المقهى ينسق الكراسي، وبائع الفول يبيع للزبائن بعربته، وجزار يقطع اللحم، وأطفال يلعبون، وسيدات ينظفن قطع السجاد في الشرفات، ومساعدو الخبازين يحملون الألواح في الشوارع، وباعة يطرقون أبواب البيوت، وآخرون يستعدون لفتح محالهم، وكل هذا يقع بالتزامن مع تواجد الشرطة لضبط الأمن.

لم يخل الفيلم من بعض المفارقات غير المنطقية، كأغلبية إنتاج السينما المصرية في مراحلها الأولى، فالبطل استطاع أن يؤسس الشركة ويبدأ إدارة أعمال وعقود في أقل من 90 يوما، هي مدة عِدة طليقته، ومشاهد الغرام الحميمة بين البطلين فوق المنزل التي استمرت لقرابة الفجر دون أن يشعر الأهل بغيابهما لا تتماشي مع طبيعة شهر رمضان، وحتى البطلة فاطمة رشدي ظهرت مرتدية خاتم زواج منذ اللحظات الأولى للفيلم وقبل زواجها من البطل.

حمل “العزيمة” نقدا اجتماعيا واقتصاديا صرفا لأوضاع مصر خلال الثلاثينات، من فساد في المزايدات العلنية التي يتفق فيها المتنافسون على بخس أثمان البضائع وإعادة تقسيمها بينهم، أو طبقة المتلاعبين الذين يرفعون شعار “الدنيا حداقة ومجدعة (فهلوة) وليست حبرا على ورق، أو معرفة ذوي النفوذ كلها مكاسب”.

كشف اختيار أسماء أبطال الفيلم عن ذكاء شديد لصناعه، وحملت قدرا كبيرا من الكوميديا السوداء والتناقضات، فالجزار الظالم يحمل اسم عترة، الذي يعني عشيرة كبيرة، في دليل على غلبة الجهل والمناصرين له، والحانوتي يسمى “روحي” في مفارقة كوميدية لاسم لا يناسب مهنة، والباشا “نزيه” وابنه عدلي الذي وجد في النهاية ضالته في الحياة المستقيمة ولعب دور ملاك الرحمة في تذويب الخلافات بين البطل وزوجته.

16