العسكرة.. إذ تبتلع الثورة السورية

السبت 2013/11/30

ارتفعت وتيرة التحركات العسكرية في سوريا على جانبي الصراع. ولم يقتصر النشاط على اشتداد حدة المعارك، ومحاولة كل طرف السيطرة على مواقع وبلدات جديدة، بل شمل أيضاً بالنسبة لأكبر الكتائب الإسلامية المقاتلة، إعادة هيكلة، قادت إلى اندماجها في «الجبهة الإسلامية».

لكن ذلك الاندماج، وإذ يحمل في طياته حاجةً ملحةً إلى تنسيق جهود الكتائب المقاتلة للنظام السوري في ظل تقدمه الملحوظ، يحمل أيضاً رغبة عدد من الكتائب الإسلامية في تعزيز سيطرتها على الثورة السورية. سيطرة عسكرية، من خلال حشد أكبر عدد من الكتائب الصغيرة تحت قيادتها، وسيطرة سياسية تبدت بإسقاط الشرعية عن الائتلاف الوطني لقوى المعارضة، وإصدار ميثاق يعلن أن أهداف الجبهة لا تنحصر بإسقاط النظام، بل بـ"بناء مجتمع إسلامي حضاري في سوريا يُحكم بشرع الله الذي ارتضاه لهم".

ربما توضح هذه التطورات، آثار انتهاء المرحلة المديدة من عمر الثورة السورية، والتي تعايش فيها شكلان من النضال لإسقاط النظام. شكل مدني شعبي عبّر عن نفسه بالتظاهر والإعلام والإغاثة، وشكل عسكري كرس نفسه لدحر النظام وإسقاطه عسكريا، لكنه بقي لصيقاً بالنشاط الشعبي، وحرص دوماً على حمايته، والاستفادة من زخمه وحيويته.

انتهت مرحلة المزاوجة تلك بين المدني والعسكري منذ زمن، إذ يبدو المكون العسكري للثورة اليوم مندفعاً لإحكام سيطرته على المناطق المحررة. فالناشطون المدنيون يسجلون باستمرار تزايد الانتهاكات بحقهم وبحق سكان تلك المناطق. وفيما كان الجيش الحر يحرص على حماية المتظاهرين والإعلاميين من بطش النظام، بات يبطش بهم وبكل من يخالف «الشرع الذي ارتضاه».

ورغم النشاط الدبلوماسي المتصاعد بخصوص الحل في سوريا، يبدو أن هذا الحل بات أسيراً للصراع العسكري المحتدم على الأرض. فالعسكرة التامة للثورة أحالت الحشود الشعبية الحاشدة التي كانت قوة الدفع الرئيسية للثورة، ووجهها المشرق، إلى لاجئين في دول الجوار، وبدرجة أقل إلى مسلحين في صفوف الجيش الحر.

تستغل بعض أصناف المعارضة السورية هذه النهاية البائسة للعلاقة بين العسكري والمدني، لتشكك في جدوى العمل العسكري من أصله، وتعيد التذكير بموقفها الرافض للعسكرة، الجزئية منها والكلية.

تغرق هذه الدعوات في بحور من المثالية، وهي إذ تطالب الشعب بالتزام النضال السلمي، تتجاهل عن عمد في بعض الأحيان طبيعة النظام غير السلمية، بل المدججة بكل صنوف الأسلحة، وإرادته المتوحشة، والمتأهبة لقتل أي متظاهر سلمي.

من أجل كل ذلك، يصبح النقاش حول خيار العسكرة، إن كان صائباً أم لا، غير ذي معنى، فالمكون العسكري للثورة واكب صمودها واستمرارها وكان عنصراً أصيلاً في مروحة عناصرها. وإن الموقف الرافض لوجود المكون المسلح هو بمثابة حالة إنكار للواقع، أو هو استسلام للنظام انطلاقاً من الموقف السلبي المهزوم القائل بأن الثورة غير قادرة على إسقاطه.

هكذا، فمن الصعب جداً على أي سياسي ذي صلة بالواقع السوري، أن يجادل في أن الرد العنيف والدموي للنظام السوري على الاحتجاجات الشعبية السلمية هو ما دفع لظهور مكون عسكري للثورة داعم ومساند للعمل الشعبي، ومن الأجدى أن يتجه البحث لكيفية تطور العمل العسكري، وابتلاعه للنشاط الشعبي. هل كان ذلك حتمياً؟!

إن الموقف المؤيد والمتفهم لظهور المكون المسلح، لم يمنع قوى الثورة وعددا كبيرا من المثقفين من أن يخشوا ويحذروا من العسكرة التامة التي سارت الثورة باتجاهها. هنالك قدر من العسكرة فرضها النظام وفرضها تطور الثورة، لكن العسكرة الكليّة، وتحويل الثورة الشعبية المتعددة الأشكال إلى ثورة ذات شكل وحيد هو الشكل المسلح المزركش بأكبر قدر من «الأسلمة»، كانت تلك إرادة خارجية أكثر منها إرادة شعبية أو تطور موضوعي للصراع.

إذ هدفت العسكرة الكلية، إلى إطالة أمد الصراع، أكثر منها إلى تسريع النصر كما روجت بعض قوى المعارضة. على الأقل هذا ما رُتّب لها دولياً، إذ جرى تصويرها على أنها «توازن» عسكري مطلوب وضروري. وهذا يحدث شكلياً، لكن بالمضمون، يستمر النظام متفوقاً بالسلاح والتدمير والمعارك الثابتة «معارك المدن». لذا، تكون نتيجة هذه المعادلة هي تدمير وتفكيك الثورة، ومن دون أي حسم عسكري. يبدو أن هذا ما أراده «المجتمع الدولي»، وإن مستوى تسليح المعارضة الهزيل وتطوره الحذر، يصب في هذا الاتجاه أيضاً، حيث يتم تسليحها لتصمد لا لتنتصر.

لو توفر لمجتمع سوري فقير من حيث السياسة والسياسيين، منظومة قيادة سياسية عسكرية، ربما كانت النتيجة على غير هذا الحال الفوضوي التعيس الذي تقبع به الثورة. ولربما سلكت الثورة طريق حرب العصابات التي تحافظ على الحراك الشعبي، وتضرب السلطة وتضعفها في آن. فبدلاً من القيام بالضربات الخاطفة والسريعة لمليشيات وحواجز النظام، متبعةً سياسة التقدم على شكل موجات وبحذر ومرونة، اعتمدت الثورة، على سياسة التقدم المتسم بشيء من المغامرة، والتمركز بالأحياء الشعبية بشكل منظم ومقصود. اليوم وضعت هذه السياسة الثورة في موقف حرج للغاية، بسبب التفوق العسكري الكبير للنظام، وضعف دور الجماهير الشعبية في مثل هذا الشكل من النضال.

هي أسئلة مفتوحة على التاريخ والمراجعة، هل كان لإدارة سياسية- عسكرية مختلفة أن تلد مكوناً عسكرياً للثورة السورية يكون مختلفاً بصورة جوهرية عن التشكيلات القائمة؟ وهل كان لهذه الإرادة أن تطوِّر العمل المسلح وتحافظ على أكبر نشاط شعبي ممكن في آن واحد؟ والسؤال الأهم: كيف نعيد ذلك النشاط الشعبي المغدور؟


كاتب فلسطيني

8