العشاق.. حكماء أم حمقى

الأحد 2016/11/27

تنتهي روايتي القصيرة “عالم النساء الوحيدات” بعبارة لبطلتها مُنى “العشاق آخر الحكماء… العشاق أول الحمقى وآخر الحكماء”.

كان العنوان المقترح لكتابي “عالم النساء الوحيدات” في طبعته الأولى “العشاق آخر الحكماء” وهي عبارة ترد مرتين في متن الرواية وتشكل ضربتها الختامية معلنة موقف البطلة النهائي من الحياة. اعترض مدير الشؤون الثقافية المشرف على النشر حينها على العنوان ورفض نشر الكتاب ما لم أستبدله بعنوان آخر، مستكثرا على كاتبة أن تعلن رأيها في موضوع العشق وبنزعة وصاية ألفناها في أوساطنا الثقافية العربية المفرطة في ذكوريتها ونزعاتها السلطوية، قال الرجل “سيدتي: ما لـَكِ وهذا العنوان الشائك الذي سيفتح عليك أبوابا غير محمودة، لا بد أن تغيري العنوان”. واضطررت لذلك واخترت عنوان الرواية الأولى “عالم النساء الوحيدات” الذي وجدته بديلا مناسبا للعنوان الأول”.

شاعت هذه الأيام مقولة لبوب ديلان مفادها “إنك لا تستطيع أن تكون حكيما وعاشقا في الوقت نفسه” وهي نقيض ما أراه في العشق وما طرحته في روايتي “عالم النساء الوحيدات” وهمست لبوب ديلان المنتشي بفوزه النوبلي: لماذا يا بوب ديلان لا يكون العشاق أجمل الحكماء؟

الحكمة -كما أفهمها- هي غير ما اعتدناه من تداول توصيفاتها التعميمية، والعشق الذي أعنيه هنا غير الهوس الغرامي المهتاج المنصرف إلى ذاته والمتمركز حول أناه، بل هو ما يتجه إلى الأفق الأوسع في سلوكيات تشترط التفهم والاحترام وانفتاح العقل وتبلور قدراته المبدعة؛ فيغادر المرء حينها إحساسه بالوحدة ووجع الانفصال وينهض بالعشق الذي يشرع له نوافذ المعرفة والكشوف على النقيض من الوصف السائد للعشق بأنه وقوع جامح وجنوني في حفرة عمياء: العاشق لا يقع بل ينهض ويرى الكون بألف عين، يتلمس الأمور بقلبه ووعيه ويحسه بمساماته وكل خلية في عقله المتوهج؛ فكأنه يحوز قدرات مضافة لاكتشاف الحياة والوقائع ونفسه ومن يحب.

حسب رأيي وربما حسب خبرتي تتفتح في روح العاشق وعقله الآلاف من المجسات التي تلتقط الأضواء الكونية وتتيح له رؤية بانورامية لكل ما يحيط به أو يعرض له وعلى أساسها يصدر حكمه ويحوز توازنه، هذا العشق النادر الفريد هو الذي يعيد تشكيل الكائن ويضعه في مصاف الرائي المتنبئ المتسامي؛ فالعشق هو أن نرتقي بأنفسنا وبمن نحب، أما الجنون وفقدان الحكمة فذلك ضربٌ من نزوة صبيانية شهوية تستعبد المرء وتعزله عن العالم فيعجز عن التمييز بين الحمق والحكمة وهي حالة هشة عابرة سريعة الزوال، أما العشق الحق فإنه حب لا يتمحور حول المعشوق وحده بل يفيض على جميع الكائنات.

إن فكرة “الوقوع” في الحب حيث تنهار الحدود فجأة بين غريبين في لحظة صادمة هي تجربة حميمية فجائية تقوم على فكرة قهر الغريب واقتحامه كما يصفها إريك فروم وهي بطبيعتها تجربة خاطفة قصيرة العمر؛ فبعد أن يصبح الغريب مألوفا لا تعود هناك حدود لقهرها وتخفت حدة التعلّقات ولا تتبقّى أهواء ورغبات أخرى لتحقيقها.

الحب بشكله الواعي هو في حقيقته نهوض بقوى الإنسان ليكتشف إنسانيته في الاندماج بإنسان موازٍ له، وهو حب قائم على المعرفة شرطه الاحترام لا المصادرة، وجوهره الحرية وامتلاك الفرد لفردانيته لا الذوبان النهائي في شخصية الآخر، وهو نقيض قصص الحب العادية المألوفة التي غالبا ما تنتج سيدا وتابعا وتحول دون أن يحقق المرء كينونته الإنسانية.

كاتبة من العراق

16