"العشق الممنوع" بين أوباما وإيران

السبت 2014/03/15

فبراير 1979: وصل الخميني إلى طهران وحينها اعتبر مسؤول غربي أن “الامبراطوريات والأيديولوجيات تنتهي، أما الأديان فتبقى” وكان ذلك بالفعل مؤشرا على عودة البعد الديني بزخم إلى المسرح السياسي العالمي.

فبراير 2014: اعتبر حسين شيخ الإسلام، مستشار لاريجاني رئيس مجلس الشورى (البرلمان الإيراني)، أن المشكلات مع الأميركيين هي “صراع بين تيارين فكريين حول التصوّر عن الدنيا والآخرة والإنسان”، وزاد: “هذا النزاع وجودي لا يمكن إنهاؤه”.

تفصل بين التقييمين 35 سنة شاهدة على مآلات العلاقات الصعبة بين “امبراطورية العولمة المعاصرة” ووريثة الامبراطورية الفارسية. حاليا، يسود “الغزل” بين إدارة أوباما وفريق روحاني، لكن ذلك لا يعني نجاح رهان أوباما على الشراكة المستقبلية مع إيران في تحقيق الأمن الإقليمي.

يرتبط عادة اسم العديد من الرؤساء الأميركيين بعلامة فارقة في الشرق الأوسط، وفي هذا السياق بعد فشل أوباما خلال ولايته الأولى في إحداث اختراق إسرائيلي- فلسطيني، ها هو يراهن في ولايته الثانية على “صفقة تاريخية” مع طهران.

على مرّ السنوات، اتضح عمليا للقيّمين على الجمهورية الإسلامية صعوبة مواجهة “الشيطان الأكبر”، وتبين لواشنطن أن التموضع الصدامي بوجه أحد أركان “محور الشر” لم يأت بنتائج ملموسة. منذ عام 2001 تم تدشين قناة حوار سرية في جنيف بين الجنرال قاسم سليماني قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، والدبلوماسي الأميركي الرفيع ريان كروكر، وجرى خلالها تبادل المعلومات الاستخباراتية حول أفغانستان، ومن ثمة امتد الأمر ليشمل الحرب في العراق. خلال حقبة خاتمي عرضت إيران المزيد من الانفتاح على الولايات المتحدة، لكن مع وصول أحمدي نجاد انقلبت إيران وباشرت بتسليح وتدريب مجموعات سنية وشيعية لمواجهة القوات الأميركية في العراق. ترافق ذلك مع مواجهة أوسع لمشروع “الشرق الأوسط الكبير” الذي روّج له المحافظون الجدد، وكانت حرب يوليو 2006 في لبنان تتويجا لتحول جيوسياسي لصالح إيران في الإقليم، وهي التي كانت قد سرّعت الخطى في برنامجها النووي لفرض الأمر الواقع.

كل هذا التاريخ الثقيل للعلاقة مع إيران منذ إسقاط حكومة مصدق حتى اللقاء و”المواجهة” في العراق، كان حاضرا عند دخول باراك أوباما إلى البيت الأبيض في 2009. ورغم انشغاله بإنهاء حربي العراق وأفغانستان، وإعطائه الأولوية لمفاوضات السلام الإسرائيلي- الفلسطيني، لكنه كان يركز على ما سماه “الانخراط” مع طهران في مسعى لإعادة ترتيب أوراق واشنطن وعدم الاكتفاء بالحلفاء التقليديين أي إسرائيل وتركيا والمملكة العربية السعودية ومصر. بيد أن خطاب أحمدي نجاد والتوتر حول الملف النووي الإيراني، عطلا توجه الانفتاح. هذه القراءة “الأوبامية” للمشهد السياسي الشرق أوسطي وللعلاقة مع إيران، لم تكن ظرفية بل كانت نتاج تفكير بالخطط المستقبلية استنادا إلى ستيفن والت، البروفيسور في جامعة هارفارد وصاحب نظرية “التوازن الجيوسياسي بين السنّة والشيعة” التي تبرر الاعتماد لاحقا على إيران كشريك محوري.

الملفت أن والت يعتبر أن اللوبي الموالي لإسرائيل “ايباك” هو “العدو الفعلي لواشنطن” (له كتاب عن الموضوع أعده مع البروفيسور جون ميرشايمر وصدر في 2006). ووالت يركّز أيضا على أن إسرائيل أصبحت عبئا استراتيجيا على واشنطن وسببا في توتر علاقتها مع العالم الإسلامي. من خلال المفاوضات مع الفلسطينيين (قناة كيري) والنزاع في سوريا والملف النووي الإيراني، يظهر أن أوباما يطبق وصفات والت في التركيز على ضرورة المصالحة مع إيران.

في مقاربة تطبيقية يعتبر أوباما: «أن هدف الإدارة في الشرق الأوسط هو التوصل إلى توازن جيوسياسي بين دول الخليج السنّية وإيران» وهذا يؤدي إلى نوع من التنافس أو حتى الشك من دون إشعال حروب دموية أو حروب بالوكالة. وفي مقابلة حديثة أجرتها معه مجلة “بلومبيرغ فيوز» قال أوباما: «على شركاء الولايات المتحدة من السنّة في الشرق الأوسط، قبول التغيير المقبل في علاقة الولايات المتحدة مع إيران”.

إنها سياسة تنظيم أو مواكبة “الحرب الإسلامية- الإسلامية” على الأرض العربية، وأكبر مثال لهذا الاستنزاف ما يحصل في سوريا ويمتد لباقي بلاد الشام. وهذا النزيف يطال الشعوب العربية ووحدة كياناتها ومجتمعاتها. إن سعي أوباما للظهور بمظهر الحياد مشكوك فيه إذ أن القناة الخلفية للحوار مع إيران في سلطنة عمان وسواها لا تهدف فقط إلى ترتيب اتفاق حول الملف النووي، بل إن أوباما يراهن ربما على صفقة كبرى على غرار الصفقة التي أبرمها الرئيس الأسبق ريتشارد نيكسون مع الصين في السبعينات من القرن الماضي. وينطوي ذلك على عملية “إعادة تنظيم إستراتيجية” يحتمل أن تنهي عقودا من الحرب شبه المفتوحة بين واشنطن وطهران وحلفائهما.

والخيار “الأوبامي” المتيّمُ بإيران واضح من خلال تحليله في مقابلة «بلومبيرغ فيوز» عن “إيران غير المتهورة” كونها “دولة كبيرة وقوية ترى نفسها لاعبا مهما على المسرح الدولي، لا تمنيات لديها بالانتحار، ولذلك جاءت إلى طاولة المفاوضات إثر العقوبات”. بالطبع فتح صفحة جديدة تتطلب مرونة، لكن مكافأة إيران على سلوكها واستمرار هجومها الإقليمي، سيكون صداه عكسيا عند دول الخليج العربي وباقي شركاء واشنطن.

أما الرهان الأوسع فيكمن في بلورة تناغم بين القوى الكبرى متمثلة في روسيا وأميركا والأمم الأوروبية وإيران، بحيث تعمل كل هذه القوى معا نحو استقرار منطقة الشرق الأوسط. بيد أن التحفظات الإسرائيلية والنهج الروسي حيال الأزمة السورية، وتفاقم المبارزة في أوكرانيا وحولها يجعلنا نشك في سهولة ترتيب صفقة العصر السياسية بين واشنطن وطهران.

الطموح “الأوبامي” كبير لكنه لا يتماهى مع وقائع الشرق المعقّد. إن روحاني وظريف ورفسنجاني لا يمثلون كل الجمهورية الإسلامية، وتبقى العقدة الكبيرة مع المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي وجاهزيته لقبول الشفافية في البرنامج النووي، وعدم استمرار التوسع من الخليج إلى البحر المتوسط.

على العكس من الإنجازات، أسهمت إستراتيجية أوباما حتى الآن في صمود نظام الأسد والمحور الإيراني في سوريا، وفي تعزيز موقف المتشددين من السنة. ويندرج ذلك في إطار نهج التردد في مجمل الملفات الدولية والذي فتح الطريق أمام طموحات بوتين مما يجعل استفراد أوباما بعشق إيران، أو بعلاقة مميّزة معها مسألة فيها نظر.

أستاذ العلوم السياسية، المركز الدولي للجيوبوليتيك- باريس

8