العشق غير الممنوع أو إعادة تعريف علاقة المغرب بين فرنسا وأفريقيا

الخميس 2014/02/27

الحدث البارز نهاية الأسبوع الماضي هو التوتر الذي طغى على العلاقات الفرنسية المغربية إثر معالجة غير حصيفة من طرف الدبلوماسية والأمن والقضاء في العاصمة باريس ضد مصالح المملكة العليا، وأعتقد أن رد فعل كل مغربي واع بمغربيته بلا شوفينية أو مبالغة غير متعقلة لا يمكن أن يتناقض مع شهامته ومروءته رغم الغلو في التصريحات المشينة ضد المملكة ونحن نعرف منطلقها ومبتغاها. فالدعوة إلى إمعان النظر في مستقبل العلاقات من منطلق التحليل الحضاري والمصالح المتبادلة، دعوة آمنة وسليمة إلى تجاوز الصدوع الناجمة عن تباينات آنية تخفي عناصر اندماج وتآلف أكبر من كيد الكائدين أو تهور المهتاجين بلمعان الذهب وخضرة الدولار.

انطلاق العلاقة الفرنسية المغربية من جديد يجب أن يمر عبر تسوية هامش عدم البصيرة التي عبرت عنها بعض الأطياف الفرنسية التي أضاعت البوصلة في التقدير العقلاني لمجرى الأحداث والعلاقات والأشخاص، ولن نعمم وعندما نتحدث عن العشق فالمغرب عاشق من الدرجة الأولى للتاريخ والعلاقات العميقة والمتجذرة عبر الصحراء ومن وراء البحار، والاقتباس المؤكد من تاريخ العلاقات الفرنسية المغربية ضروري في هذه المحطة، ونتطلع من خلاله إلى استحضار الاستثناء كمساحة قابلة للاستثمار فيه بفعالية، عسى أن تبلغ الرسالة مسعاها وتقطع الطريق على المتلاعبين بالهوامش العاطفية.

لعل الجملة الافتتاحية “ليس من السهل التحدث قبلكم يا صاحب الجلالة” في الخطاب الترحيبي للجنرال دوغول، تشكل قيدا واعترافا صريحا باحتلال الملك الراحل الحسن الثاني الممثل الأسمى للأمة المغربية أثناء مأدبة عشاء بقصر فرساي، مرتبة كبيرة تتعدى التبعية وتفوق التحليل المدرسي للعلاقات بين البلدين. المأدبة أقامها رئيس الجمهورية الخامسة على شرف العاهل المغربي وكان جوابه خلالها ذكيا للغاية بالقول”الارتجال صعب بعدكم يا حضرة الجنرال”، وتعكس علاقات تتخللها الندية والاحترام المتبادل.

علاقة لم يستطع الطرف الفرنسي إبقاءها تحت سقوف المعقول عندما انتصرت آلة تعكير الأجواء بين الطرفين بداية الستينات من القرن الماضي، قبل أن يكون هناك ممثل أسباني اسمه فارديم، إذ كان الركود هو عنوان تلك المرحلة الديغولية بلا سفراء يهتمون بتذليل العقبات الدبلوماسية حيث تمت الاستعاضة عنهم بقنوات جانبية تيسيرا لما لا يمكن تأجيله في مجالات فعالة ضمن سير التعاون بين الدولتين، والنتيجة البارزة كانت سؤال الحسن الثاني لوزرائه حول بناء أول سد مغربي بالقول “هل تريدون أيها السادة شراء استقلالكم الاقتصادي؟ إن ذلك سيكلفكم مليارين من السنتيمات، فالعروض الفرنسية هي التي تتضمن كلفة أقل. وأعتقد أن الأمر يتطلب منم التفكير مليا” وكان الرد السيادي المغربي واضحا عندما رسبت الشركتان الفرنسيتان في أخد الصفقة رغم عرضهما المغري مقابل الشركة الألمانية والدرس رغم قساوته يستحق التذكير به حاليا.

السقوط في مطب الانطباعات السلبية لا تخلو منها أية علاقة خصوصا إذا لامستها أياد لا يروقها صفاء الود ولا اندماج الرؤية، فتستدعي ما هو خارج السياق وتدخله عنوة في الإطار ضربا للإسفين وهدما للمسار عندما يكون ناجحا. فالضغائن التي تحرك بعض من يلاحظون عن كثب نجاحات المملكة تجعلهم يتعامون عما قدمه المغاربة للعلاقات المغربية الفرنسية، وأتحدث عن أولئك الذين راهنوا على العسكريين في الجزائر منذ بومدين إلى بوتفليقة، والذين دعموا بيروقراطيتهم المتبلدة الإحساس في عشق كل أسباب التعاون ولازلنا نرى نتائجه العقيمة في بلد المليون شهيد.

كان تأجيل زيارة نيكولا هيلو، المبعوث الخاص للرئيس الفرنسي المكلف بحماية البيئة للمغرب بطلب من الرباط، فعلا طبيعيا ومبررا، على اعتبار أن البيئة الدبلوماسية هناك موبوءة بأعراض العمى في التصرفات، وكأن المملكة فعل طارئ على التاريخ والجغرافيا لا تستحق النظر إليها كدولة قادها ملوك أفذاذ وشعب مقدام وشهم، أليس الملك محمد الخامس هو من وشّحته فرنسا بوسام “رفيق التحرير” اعترافا بأدواره البارزة في تحرير فرنسا من النازية. وها نحن ننتظر أفعال الجمهورية الخامسة في واقعة هزت مشاعر المغاربة.

غير خاف أن التصدي لغارات الخصم يأخذ عدة صور وعلامات وقوف تتحدد فيها الرؤية البعيدة والجدية في تمثل واجب صيانة أمن الوطن وحماية التراب، هذا بالضبط ما فعله الملك محمد السادس، عندما كانت المكيدة تحاك بعناية في عواصم بعينها كان واقفا يخاطب أفريقيا بإصرار وحماس منقطع النظير وبواقعية كبيرة وهو يقول إن: “التطلع إلى أفريقيا متطورة ونشيطة ليس مجرد حلم، بل يمكن أن يكون حقيقة، شريطة الالتزام بالعمل. فقد حان الوقت للعمل والمبادرة من أجل تحقيق هذه الغاية. فالعمل يعطي للممارسة السياسية مصداقيتها ويتيح تحقيق الأهداف المنشودة. وفي هذا الإطار، فإن على أفريقيا أن تواجه العديد من التحديات التي تهدد استقرارها السياسي وتعيق نموها الاقتصادي والاجتماعي. ولن يتأتى رفع هذه التحديات إلا من خلال التعاون والتضامن بين الشعوب الأفريقية واحترام سيادة الدول ووحدتها الترابية”.

تمسك الملك بالحكمة والتزامه بمبادئ التضامن والتكافل، جعل من زيارته لغرب أفريقيا فرصة لإبراز تلك المبادئ والتأكيد عليها عمليا، فالعشق لأفريقيا المستقبل غير ممنوع إلا على المتفوقين في استمرار العاهات القديمة من فقر واستعمار وجهل، وذوي الاتجاهات المتعفنة في الفكر والممارسة، واستدعاء كل ما من شأنه تعكير صفو العلاقات.

محمد السادس بحسه المستقبلي واستشرافه للقادم من الزمن السياسي والاقتصادي يلح في خطابه للمنتدى الاقتصادي المغربي الإيفواري، بالعاصمة أبيدجان على أفريقيا: “ألا تظل رهينة لماضيها ولمشاكلها السياسية والاقتصادية والاجتماعية الحالية. بل عليها أن تتطلع لمستقبلها، بكل عزم وتفاؤل، وأن تستثمر في سبيل ذلك كل طاقاتها. وإذا كان القرن الماضي بمثابة قرن الانعتاق من الاستعمار بالنسبة للدول الأفريقية، فإن القرن الحادي والعشرين ينبغي أن يكون قرن انتصار الشعوب على آفات التخلف والفقر والإقصاء”.

في مقام العشق غير الممنوع سوف أُذَكِّرُ الدبلوماسية الفرنسية، بشخصية عبد الله بن عائشة سفير السلطان العلوي مولاي إسماعيل إلى الملك لويس الرابع عشر، عسى أن تنتعش الذاكرة عما يكون عليه المغرب الحقيقي فعلا. فابن عائشة كان موصوفا باللباقة والتبصر والاندفاع المحسوب إلى جانب الصراحة والقوة، سواء عندما كان يتعقب في الساحل الفرنسي السفن الفرنسية المتوجهة إلى أميركا، أو عندما كان يحظى باحترام وإعجاب وتقدير من نساء الطبقات العليا بفرنسا القرون الوسطى بلباقته وبداهته وأناقته في الملبس والمنطوق من الكلام، كان كذلك يكنّ إعجابه للمرأة الفرنسية وما تتحلى به من لطف وذكاء. إنه الدرس الإيجابي في الدبلوماسية والعشق، ونحن من يلقنه عن جدارة واستحقاق، فهل أدركت الدبلوماسية الفرنسية مغبّة عدم الرد الجدي على فعل مناف للأعراف والتقاليد اتهم به أحد أعضاء سلكها بواشنطن؟

نذكّر أنه كان هناك اتصال من رئيس فرنسا بالملك محمد السادس نتج عنه اتفاق بيني “على مواصلة الاتصالات خلال الأيام المقبلة على مستوى الحكومتين، والعمل وفق روح العلاقات المتسمة بطابع التميز التي تجمع البلدين”، حسب بلاغ الديوان الملكي المغربي. فالمرور من السرعة البطيئة إلى القصوى كان الطابع المعروف لسياسة الملك سواء في الداخل أو عبر ربوع أفريقيا ردا استراتيجيا على التزييف المفتضح والمكشوف من طرف أعداء النجاح وقاتلي الطموح، الذين يتسلحون بعدائية ممسوخة في حملة مسعورة من القدح والتشهير يشنونها على المغرب بلا انقطاع.

الملك لا يضيع وقته في محاربة طواحين الهواء، بل يتجه إلى مكمن الداء بتعميق الجذور داخل أفريقيا اقتصاديا وثقافيا ودينيا ودبلوماسيا، إنه المستقبل الذي يخيف من قلبه يرتجف من خطوات المملكة عندما تعترف بالحقوق وتدافع عنها بلا عُقد وبلا مساومات داخل الحدود وخارجها، هذا النوع من المبادرات الجريئة هو ما يجيب على جدوى التركيز على الاقتصاد والاستثمار في التنمية البشرية من منطلق يعبر عن تقاسم المرجعية والأمل والهوية. “فقارتنا ليست في حاجة إلى المساعدات، بقدر ما تحتاج إلى شراكات ذات نفع متبادل. كما أنها تحتاج إلى مشاريع التنمية البشرية والاجتماعية، أكثر من حاجتها لمساعدات إنسانية”. هكذا يفكر محمد السادس ويتحرك أيضا.

فالخصوم والمتخوفون يتجهون نحو التزاحم القاتل، بدل التدافع والتنافس الشريف ولسان حالهم يقول لم ندركها نحن إذن لابد من إعاقتها عند الآخرين، هدفهم الوصول إلى تقويض مساعي المملكة المغربية عندما أرادت تحديد التخوم في محاولات رامية إلى تأمين الأطراف والعمق في حركة كانت ضرورية لتثبيت علاقات نفعية ذات طابع ودي يخدم المستقبل أكثر من تركيزها على الهوامش.


كاتب مغربي

9