العشق في النصوص المقدسة

هل أن النص المقدس يناقض نفسه من حيث كونه خطابَ عشق التبس فيه الدنيوي بالمقدس والجنسي بالمحرّم والمدنس بالطاهر؟
الخميس 2018/08/30
الثالوث المُحرّم تداوله: السياسة، الدين، الجنس

المسكوت عنه في النصوص المقدسة ترك التأويل يأخذ مدياته البعيدة، ولم تكن الدراسات والبحوث كافية لفتح باب المغامرة واستجلاء الغموض في تلك النصوص لبعض المظان الأسطورية والواقعية والخيالية وما دوّنه الرواة على مرّ التاريخ في تلك النصوص، وموضوعة الحب، العشق، الجنس، الشبق، واشتقاقاتها الكثيرة من الموضوعات الأثيرة في الكتابة العربية قديما وحديثا.

 ولم تكد تلك النصوص تخلو من الإشارة إليها صراحة أو تلميحا، وقد شكلت في الأدبيات الخاصة والعامة نوعا من المحرّضات الاجتماعية التي كانت تعاكس السلطات الدينية على وجه التحديد، وبقيت حتى هذا اليوم من بين الثالوث المُحرّم تداوله: السياسة، الدين، الجنس، بشكل سافر في تطويق تدابير المعنى وحصره في “الجنس” لما لهذه المفردة من وقْع معروف اجتماعيا ودينيا.

 فكيف لو تم التطرق إلى مفردة “العشق” المجردة من النزوات وحصرها في النصوص المقدسة (القرآن-الإنجيل-التوراة) وبالتالي معاينة موقف الأنبياء والرسل من هذه الموضوعة الأثيرة وما فيها من اشتقاقات جنسية صريحة؟ وكيف يمكن التماهي ما بين المقدّس الديني، والمدنّس الجنسي؟ وكيف تعامل الأنبياء المقدسون مع الجنس المدنس بوصفه فطرة طبيعية في الحياة؟

هكذا موضوع شائك ومعقد ومتداخل كثيرا في النصوص الدينية المقدسة، لا سيما وموضوعة “العشق” تحتمل معنى “الجنس” أيضا وتشير إليه، وليست مشكلة أن يكون الجنس هو المشكلة بحد ذاته، بقدر ما تكون الإشارة صريحة إلى الأنبياء الذين صرعهم “العشق” في كتاب جديد مثير للباحثة التونسية زهرة ثابت حمل عنوان “العشق في النصوص المقدسة” وصدر مؤخرا عن دار الرافدين في بيروت. ويُعد كتابا مصدريا دقيقا اعتمد أساسا على نصوص القرآن والإنجيل والتوراة وما فيها من آيات وقصص ووقائع عن الأنبياء “العشاق” إضافة إلى مصدريات علمية وأدبية وبحثية وأطاريح تنسجم وهدف الكتاب في الكشف عن هذه العلاقة المتداخلة بين الأنبياء وما شابَها من شكوك وإضافات وتشويه.

هذا الكتاب انطوى على أسئلة صريحة في مفهوم العشق في النص المقدس وعلاقته بالفكر الأسطوري والجنس من جهة، وصلة القربى بين المقدس والجنس من جهة أخرى، واستفهامات عن هل أن النص المقدس يناقض نفسه من حيث كونه خطابَ عشق التبس فيه الدنيوي بالمقدس والجنسي بالمحرّم والمدنس بالطاهر؟

ومثل هذه الأسئلة التي نختصرها كفيلة بأن تجعل من هذا الكتاب فريدا بنوعية طرحه لهذه الإشكاليات النبوية-التاريخية في علاقة الحياتي بالسماوي الطاهر وصلته بالأرضي-المدنس في تطويق مفردة “العشق” وشرحها معجميا ومن ثم انفتاحها على دلالات متناثرة عبر شواهد نصية ولغوية ووقائع تاريخية ومعلوماتية رصينة أستُقيت من مصادر متعددة، ومحاكاتها وتحليلها بموشور نقدي تاريخي تحليلي وبمنهجية علمية صارمة.

 تنفرد هذه الباحثة بموضوع مسكوت عنه حقبا تاريخية طويلة وتفتح فيه بحثا أكاديميا متسعا في فحص الكتب السماوية ونصوصها “العشقية” التي تتشابه في مواضع وتفترق في أخرى في طريقة القص والسرد والروي ودلالاته التاريخية المتعددة.

 حينما أخذت موضوعة “العشق” كعنونة شاملة موحية ودالّة على اشتقاقات أخرى وقفت عليها في ثلاثة أبواب متعددة الفصول والتوجهات في الجسد والعشق والنص والأسطورة والدين ورموز ودلالات اللذة وسمات جسد العشق والمقدس والمدنس وما بينهما من تفصيلات دقيقة تصل إلى حد البنية السدمية في جسد العشق وجوارحه من عين وفم ويد ورائحة وما إلى ذلك من دقّة نصوصية أُستُخرجت من النصوص السماوية بدقة باحثة حريصة جريئة ومغامِرة في تناول هذا الموضوع وآلياته تحت بند عريض وهو: الأنبياء.

14