العشق يبارز الكراهية على مسرح "الغد" بالقاهرة

الثلاثاء 2018/01/16
العشق والانتقام

يقترح عرض “الثامنة مساء”، للمؤلفة ياسمين فرج والمخرج هشام علي، لعبة درامية ذات طابع خاص، إذ يبدو الزمن بمثابة بطل العرض المنعقد على مسرح “الغد” بالقاهرة، فهو الذي يزيح الستار في البداية عن شخوص العرض الخمسة، وهو الذي يتمكن من الانتقام في النهاية.

القاهرة - تُفتتح مسرحية “الثامنة مساء”، للمؤلفة ياسمين فرج والمخرج هشام علي، التي عرضت على مسرح “الغد” بالقاهرة، بدقات الثامنة مساء، وهو التوقيت الذي يستشعر “قاسم بك التهامي” أنه سوف يموت فيه بغتة جزاء له على أفعاله السيئة التي اقترفها بحق من حوله، بعدما أقعده السقوط من فوق الحصان على كرسي متحرك وأصابه مرض الكراهية العضال.

مع دقات الثامنة مساء أيضا ينتهي العرض بموت الطاغية المقعد موتا طبيعيا، بعدما هجره الأربعة المحيطون به جميعا، متخلين عن فكرة الانتقام منه، وهي الفكرة التي شغلتهم طوال العرض.

مخططات لا تكتمل

يمكن وصف “الثامنة مساء” بأنه عرض مرهق ويعكس الإرهاق هنا حالة من الثراء والعمق في الفكرة وأبعاد الشخصيات القليلة في التراجيديا القائمة على الصراع والتحليل النفسي، لكن الإرهاق يعكس في الوقت ذاته طرقا ملتوية جرى اللجوء إليها للوصول إلى الغايات، بدلا من اعتماد المسارات السهلة والقريبة لبلوغ الغرض.

"الثامنة مساء"، اتجاه انتقامي معكوس، فالشخوص جميعا هم المغدورون، باستثناء "البطل" الذي يريدون الانتقام منه

ينتمي عرض “الثامنة مساء” في بنيته الكلية على نحو ما، إلى النمط المسرحي “تراجيديا الانتقام”، وهو لون يسعى فيه البطل إلى تحقيق الانتقام بسبب أذى كبير لحق به، سواء كان الأذى حقيقيّا أو خياليّا.

وتعود بدايات تراجيديا الانتقام إلى أواخر القرن السادس عشر، حيث مسرحيات شكسبير ورفاقه المستقاة من جذور رومانية.

وتبقى التراجيديات الانتقامية عرضة دائما لتساؤلات أخلاقية، فلا يزال النقاد، والجمهور أيضا، يقفون موقف الريبة إزاء فكرة الانتقام ذاتها، ولا يبدون تعاطفا مع البطل المنتقم حتى وإن كانت دوافعه مقنعة، إذ يبقى السلوك الأفضل المتوقع منه هو التسامح والصفح.

في مسرحية “الثامنة مساء”، الاتجاه الانتقامي معكوس، فالشخوص جميعا هم المغدورون، باستثناء “البطل” الذي يريدون الانتقام منه، ويسعون إلى ذلك من خلال خطط معقدة وغير مألوفة وأيضا غير واقعية.

ربما هذا الرفض التاريخي لميكانيزم الانتقام لدى النقاد والجمهور على حدّ السواء، هو الذي دفع مؤلفة “الثامنة مساء” إلى إبطال مفعول المخططات الانتقامية المحاكة ضد البطل بهدف الثأر منه، وتسود المحبة قلوب الراغبين في الانتقام منه بعدما تحدث مواجهة مطولة بينهم وبينه، تتكشف فيها حقائق جديدة لهم، فيتغير موقفهم نحوه في ضوء ما جرى له من تطهّر واعتراف وانكواء بنار العشق، فيقررون الرحيل ليتركوه وحيدا، ثم يأتي الزمن ويقتص منه في الساعة الحاسمة.

العشق والقتل

تدور أحداث “الثامنة مساء” في بيئة صعيدية، ويتسبب بطل العرض “قاسم بك التهامي” في مقتل أحد أصدقائه المقربين، ربما عن طريق التهور أو الخطأ، ولإحساسه بالذنب يتولى رعاية ابن صديقه “صابر” وابنته “صابرين” في طفولتهما، والإنفاق عليهما عن بُعد.

ويصاب “قاسم” بالعجز نتيجة سقوطه من على حصانه، ويلزم كرسيه المتحرك مديرا عالمه الصغير من فوقه بكرباجه الذي لا يبرح يده، وقسوته البالغة التي زرعها فيه أبوه منذ صغره (الرجال لا يبكون ولا يعشقون)، مع ذلك، يظل “قاسم” محتفظا بقلب مرهف ودموع سهلة المنال، كلما خلد إلى ذاته أو غرق في أحلامه وخيالاته.

في بيت “قاسم”، هناك أربعة يتنافسون على الانتقام منه منذ بداية العرض. الأول هو “صابر”، محاميه الذي يدير أعماله، وهو ابن صديقه الذي تسبب “قاسم” قديما في قتله، وقد أحكم خطته في التقرب منه ليعمل لديه دون الإفصاح عن هويته ليتمكن من الانقضاض عليه.

الثانية هي “صابرين”، التي أحضرها أخوها إلى بيت “قاسم” لتتعرف عليه وتتزوجه تحت اسم “حُسن”، وتتظاهر بأنها عرجاء كي يحنو عليها أكثر، وتعاون شقيقها في مخططاته الانتقامية. والثالثة هي “عائشة”، الزوجة الأولى لـ”قاسم”، التي تعطيه جرعات الدواء بانتظام منذ سنوات وتنافس “حُسن” في محبته ظاهريّا وفي الرغبة في الانتقام منه فعليّا، لأنه يعاملها بغلظة ولا يحترم آدميتها.

العرض مرهق ويعكس الإرهاق هنا حالة من الثراء والعمق في الفكرة وأبعاد الشخصيات القليلة في هذه التراجيديا

الشخصية الرابعة الراغبة في الانتقام من “قاسم” هي “شمس”، الجنية الأسطورية التي صنعتها “حُسن” من خيالاتها لكي يهيم بها “قاسم” عشقا.

مع تصاعد الأحداث وتكرار الحيل الانتقامية التي لا تكتمل أبدا باغتيال “قاسم”، ومنها حيلة وضع الثعبان في فراشه بمعرفة “عائشة” وتواطؤ “حُسن” وحيلة دس السم في طعام الزوج بمعرفة وتدبير زوجتيه، تتكشف ملامح “قاسم” وبقية الشخوص في صراعاتهم وحواراتهم الدرامية المتنامية، وتتفجر مفاجآت متتالية منها أن “قاسم” يدرك منذ البداية حقيقة شخصيتي “صابر” وأخته “صابرين”، وأنه تركهما إلى جواره من قبيل التكفير عن ذنبه.

في مواجهته للأربعة المحيطين به، يعترف “قاسم” بأخطائه، ويفسر إقدامه على أفعاله السيئة بإصابته بمرض “الكراهية” الذي جعله يحاول سرقة البهجة من قلوب الجميع.

رغم النجاح الجزئي في رسم مسار الأحداث والغوص في أعماق الشخصيات الثرية، يظل “التعقيد” مهيمنا على العمل في كل شيء، من حيث استحضار شخصيات مركبة بالغة التناقض يصعب تبرير وتحليل تصرفاتها على نحو كامل في عرض قصير لا يتجاوز 90 دقيقة، وتقديم مخططات انتقامية مفرطة في الالتواء والغرابة والبُعد عن المنطق، كذلك تبدو النقلات والتحولات في طبيعة الشخصيات وسلوكياتها بمثابة انقلابات كاملة من دون توفير التفسيرات الكاملة لحدوث ذلك.

يستعين العرض بالغناء في بدايته “حُسن تغني بالإنكليزية” من دون أي انسجام بين تلك الأغنية وأحداث المسرحية التي تدور باللهجة الصعيدية. ويستدعي العرض الشعر الشعبي من خلال “الراوي” لإكساب الأحداث والشخصيات عمقا وذاكرة.

ثمة أمور أخرى غير مبررة أو غير واضحة في العرض الذي ربما أفرطت نزعته البوليسية وطبيعته التشويقية في تعقيده وضياع خيوطه. أما التحولات الخاصة بالبطل “قاسم”، فهي الأكثر بُعدا عن المنطق، فهو في بداية حياته شاب حالم مرهف، لكن قسوة أبيه تجعله يصاب بداء الكراهية العضال، فيقرر الانتقام من العالم بأسره، وفي الوقت نفسه يمنعه الشعور بالذنب من إيذاء الأشخاص المقربين منه والذين يعرف أنهم يريدون قتله. وتتبدل شخصيته مرة أخيرة على نحو فجائي إلى الرهافة بل التصوف، بعدما يطهره الاعتراف ويكويه عشق الجنية “شمس”، ويقوده الوله والخمر إلى الجنون الذي ينتهي بالموت.

في حين أجاد الفنان محمد عبدالعظيم في أداء الدور المحوري “قاسم” بالانفعالات الملائمة واللهجة الصعيدية، فإن بقية أبطل العرض: نائل علي، وفاء الحكيم، لمياء كرم، هند حسام، لم تخدمهم المساحة التعبيرية المحدودة في كشف مواهبهم التمثيلية والحركية، في عرض أقرب إلى الذهنية والتجريد، كما أن عدم إتقانهم اللهجة الصعيدية بتمكُّنٍ شكّل نقطة ضعف.

15