العشوائية تحجب جذور اليونانيين في الإسكندرية

أحفاد الراحلين يعودون إلى الأحياء المصرية القديمة بحثا عن إرث أجدادهم، والمعمار والمأكولات والأزياء جسور التواصل بين المصريين واليونانيين على ضفتي المتوسط.
الخميس 2018/12/20
الصور تروي ألف حكاية وحكاية

رغم مرور نحو نصف قرن على رحيل معظم أعضاء الجالية اليونانية من مصر، لكنّ تأثيرهم وتراثهم وحضورهم الثقافي لا تزال قائمة بقوة في نفوس قطاع كبير من الناس وجدران المساكن. وظلت سمات اليونانيين في التجارة والبساطة في التعامل إرثا يحمله أهل الإسكندرية الواقعة على البحر المتوسط يشهد على تاريخهم الطويل في مصر.

الإسكندرية (مصر) - يعيش مجتمع الإسكندرية في مصر بين بقايا حياة توصف بـ”كوزموبوليتانية”، امتزجت فيها ثقافات عديدة من دول البحر المتوسط، وأصبحت المدينة العريقة الوحيدة في مصر التي تعايش فيها بكثافة أبناء جاليات غربية من دول مختلفة بهدوء وحرية، دون أن يشعروا بغربة سياسية أو معيشية.

وأنتجت في وقت من الأوقات نماذج مجتمعية قادرة على استيعاب الحياة مع الآخر، لم يكن هذا الآخر من جنسية واحدة، بل من جنسيات متفرقة، وساعدت سمات التعدّد سكانها في الحصول على مزايا حضارية مكنتهم من امتلاك قدرة على الانفتاح.

ويعد مجتمع الإسكندرية، مثل غيره من المجتمعات الساحلية، لديه مروحة واسعة لاستيعاب نماذج كثيرة من البشر والثقافات، ولا يزال السكان يتمتعون بسماحة أعلى من مدن أخرى في مصر، جراء الاندماج الكبير مع أبناء جاليات وثقافات كثيرة في المجتمع المحلي.

ومع أن غالبية أبناء الجاليات الأجنبية نزحوا عنها وعادوا إلى بلدانهم، غير أن هناك شواهد على التأثير المجتمعي، جعلت من اليونانيين مثلا نموذجا حيّا لعلاقة معنوية ممتدة.

ولا يتخيّل المار بحي الإبراهيمية العتيق في وسط مدينة الإسكندرية أنه كان في يوم من الأيام مقرا للجالية اليونانية. وتغيّرت الشوارع والوجوه والأحاديث والأماكن وتبدلت أسماء المحلات، وانهزمت الحدائق الجميلة أمام زحف المباني العشوائية، وفسدت الأمكنة، وتم محو تواريخ معينة، وتوارت حيوات، واختفت سمات بارزة لمُجتمع عايشه المصريون لعقود طويلة واكتسبوا من أفراده عادات وقيما حضارية.

العودة إلى الجذور

الإسكندرية

بات معتادا أن يرجع كل فترة أحد اليونانيين إلى الحي بحثا عن جذور أجداده الراحلين وينقّب في المجتمع عسى أن يعثر عما يدل على ما يبحث عنه، وإذا لم يجد يكتفي بسماع حكايات الكبار من المصريين عن حياة أجداده في هذا الحي.

بين مُستطيل من أربعة شوارع ينحصر حي الإبراهيمية القديم بكثافته السكانية العالية ويمتد الشارع الرئيسي المعروف بـ“سوق شادية” مُزدحما بمحلات الفاكهة والمطاعم والمقاهي ليقطعه شارعان متوازيان، هُما “هيليوبوليس” و”ممفيس”، ويوازيه “شارع دي ليجتيه” الذي كان حافلا بالفلل والقصور والحدائق الجمة التي تجمع اليونانيين.

وعاش اليونانيون في عدة أحياء، مثل “الأزاريطة” و”الحي اللاتيني” و”الأنفوشي”، إلا أنهم تركزوا بشكل كبير في الإبراهيمية لحُسن تخطيطه وقربه من البحر واتساع مساحات الحدائق فيه.

ولم يتبق من الوجود المُجتمعي سوى مبانِ نادرة قاومت مشروعات أصحاب الأبراج الذين اشتروا معظم القصور وهدموها وشيّدوا مكانها بنايات سكنية ضخمة تفتقد لسمات الجمال.

عم سيد، صاحب كشك سجائر بشارع ممفيس يبلغ من العمر 75 عاما، حكى لـ”العرب” كيف قدم إلى المنطقة وعمره 11 عاما ولم يكن فيها سوى اليونانيين، قائلا “العائلات اليونانية الثرية كانت تعيش في هذا الحي، بينما كان فقراء اليونانيين يقطنون حي الأزاريط.. كانوا أذكياء وظرفاء ولديهم قدرة على التماسك الاجتماعي قريبة من المصريين، وحماس دائم للعمل والتسويق”.

ولم يشر الرجل كيف طُمست معالم الوجود اليوناني تماما بعد حوالي خمسة عقود من الرحيل، غير أنه أشار إلى أن آخر معالم الحي وكان يتمثل في النادي اليوناني في شارع ممفيس، وكانت السيارات تتراص أمامه مساء كل يوم سبت، احتفالا بعطلة نهاية الأسبوع، والرجال والنساء يهبطون من سياراتهم بملابس مبهرة وابتسامات ليشاركوا في حفلات غنائية ساهرة.

آخر محل لليونانيين في حي الإبراهيمية كان {بار نيقولا} وظل قائما بعد وفاة صاحبه في تسعينات القرن الماضي، لكن بسبب اتساع سيطرة السلفيين على المناطق الشعبية تم تحويله إلى محل للملابس الجاهزة

وظل النادي محط زيارات الكثير من اليونانيين القادمين إلى مصر للبحث عن تواريخ الآباء والأجداد، وكان إلى وقت قريب محل اجتماع للمناسبات المختلفة لليونانيين.

وتبدو الحسرة واضحة على وجه الرجل وهو يتذكر كيف هُدّم النادي اليوناني عنوة قبل خمس سنوات عندما كانت البلاد منشغلة بُحكم الإخوان، قائلا “في ليلة غائمة هُدّم النادي وبُني برج كبير يمتد على 12 طابقا ويضم 96 وحدة سكنية ووضع عليه مالكوه اسم البرج اليوناني”.

وأكد إسلام محمد، صاحب محل عصافير بشارع هيليوبوليس، لـ”العرب” أن السنوات التالية لثورة 25 يناير 2011 شهدت عشوائية في التعامل مع قصور وفيلات اليونانيين.

وكان من الواضح أن أحفاد الكثير من العائلات اليونانية المهاجرة من مصر ليس لديهم الوله بالإسكندرية الذي غلب على أجدادهم، فباعوا ميراثهم مقابل مبالغ زهيدة، ومنهم من نسي ممتلكات أجداده، فاستهدفها وسيطر عليها مزورون.

وآخر محل لليونانيين في الحي الذي صار شعبيا كان محل “بار نيقولا” في شارع “دي لجيتيه”، وظل قائما رغم وفاة صاحبه في تسعينات القرن الماضي، غير أن المد الديني بالمنطقة واتساع سيطرة السلفيين على المناطق الشعبية دفعا البعض إلى شراء البار وتحويله إلى محل ملابس جاهزة.

صديق الإغريق

الإسكندرية

الحاج سعيد عبدالله، (85 عاما) أحد أقدم قاطني حي الإبراهيمية، ويسمّيه الناس بصديق “الإجريج” (الإغريق) نظرا لعمله طيلة حياته مع اليونانيين، قال لـ”العرب” إنه عمل في شركة يونانية في الأربعينات تخصصت في صناعة المنسوجات، وسافر إلى أثينا ليقضي أجمل سنوات حياته هناك.

واعتبر الحاج سعيد أن اليونانيين مثلوا أفضل جالية أجنبية في مصر وتميزوا بالبهجة والتأثير والتداخل المباشر مع المصريين في حياتهم اليومية خلال العهد الملكي، حيث قال “علمونا فنون المآدب وكيفية التأنق عند ارتداء الأزياء الحديثة، فضلا عن فلسفتهم الرائعة في حب الحياة”. كما أكد أن التعاملات التجارية كانت تتّصف بالصدق والأمانة وعدم المغالاة في الربح ومحاولة توعية المستهلك بتفاصيل السلعة أو الخدمة التي يدفع ثمنها.

ولفت إلى أن اليونانيين عملوا في معظم الأشغال المعروفة، سواء البيع والشراء للسلع الاستهلاكية والمعمّرة أو إصلاح الساعات وإدارة المقاهي والمطاعم  والملاهي وتقديم خدمات الفندقة والإرشاد السياحي.

وقال لم يبق بالحي مواطن يوناني واحد بعد وفاة الخواجة نيقولا، أكبر سكان الحي، الذي رفض مغادرة مصر مثلما فعل معظم السكان في ستينات وسبعينات القرن الماضي.

“هل ترى تلك البناية؟” يشير الحاج سعيد إلى إحدى العمارات القديمة في شارع “هيلوبوليس، موضحا أنها من مباني اليونانيين الفخمة الباقية، وتتميز بباب خشبي ضخم تحيط به زخرفة ذهبية وتعلوه دائرة خشبية نُقش عليها “عام 1916″ كتاريخ للبناء.

ويتميز البناء بالشرفات الواسعة المستطيلة التي تطل على الشارع بزخارف معمارية، وأشكال منحوتة مستوحاة من الحضارة الإغريقية.

ولفت أحد سكان المنطقة النظر إلى وجود مربعات حديدية أسفل جدران الواجهات الرئيسية لكل عمارة يونانية، وكشف سر وجودها بأنها كانت تستخدم لتنظيف الأحذية في أوقات الأمطار قبل الولوج داخل العمارة.

ويرى البعض أن جمال المعمار الشاهد هو الأكثر وضوحا والدال على عمق وقوة تأثير التواجد اليوناني على الصعيد المجتمعي في هذا الحي العتيق.

اليوناني الأخير

الإسكندرية

على بعد ثلاثة كيلومترات من الإبراهيمية، وعبر “الترام” انتقلت “العرب” إلى حي الأزاريطة بحثا عن  بقايا حكايات الجالية اليونانية في مدينة الإسكندرية الساحلية.

يبدو الحي أكثر هدوءا من حي اليونانيين، غير أن بناياته أقل فخامة، ومع ذلك يضم الحي مبنى القنصلية اليونانية في الإسكندرية الخاص بمتابعة شؤون أفراد الجالية. وإلى جواره يقع مبنى الجمعية الثقافية اليونانية، والتي حاولنا التواصل مع مسؤوليها، لكنهم تعللوا بضرورة الحصول على تصريح يأخذ قترة طويلة لاستخراجه، وقد لا نحصل عليه.

وخلف القنصلية وبامتداد مربع سكني توجد ورش إصلاح السيارات ومحلات قطع الغيار ومحلات تقليدية. وحكى سكان الحي عن قصة اليوناني الأخير فيه، وكان اسمه “كلود” وامتلك متجرا لقطع غيار السيارات.

وطبقا للحكايات المتناثرة ولد الرجل بالإسكندرية في عشرينات القرن الماضي، ورفض الهجرة من مصر مع أشقائه في الستينات، وحصل على الجنسية وتزوج من مصرية. وقال محمد أبوكريم، المسؤول عن متجر قطع الغيار الذي كان يمتلكه اليوناني، لـ”العرب” إن المواطن اليوناني اعتبر نفسه مصريا وتطوع في البحرية، وشارك في الحرب ضد إسرائيل، ورفض العودة إلى اليونان حتى أسقط الناس عنه مُسمى “الخواجة “الشائع، واستبدلوه بلقب الحاج بعد أن أعلن إسلامه وأدى فريضة الحج، وعندما توفي الرجل دُفن بمقابر مسجد المنار في الإسكندرية.

وتتشابه حكاية كلود مع الكثير من السكان اليونانيين الذين حصلوا هم أو أجدادهم على الجنسية المصرية، واندمجوا تماما في المجتمع المصري. وتقول أليكي أنطونيو، إحدى السيدات من جذور يونانية، إن غيرها من أبناء بلدها الأصلي امتزجوا ثقافيا واجتماعيا بالمصريين، وتركوا آثارهم في الكثير من عادات وتقاليد المصريين وأحاديثهم اليومية الدارجة.

وتعلّم المصريون من اليونانيين البعض من الأكلات خاصة السلطة اليونانية والمسقعة وكفتة داوود باشا وأكلات أخرى.

الإسكندرية

وتوجد دار لكبار السن من بقايا الجالية ترعاها القنصلية اليونانية ويتم تنظيم زيارات لهم من قبل البعض من العائلات التي تتمسك بالحياة في مصر.

ويؤكد الباحث أحمد نبيل عبدالحميد في دراسته حول النشاط الاقتصادي للأجانب في مصر، أن الجالية اليونانية كانت تمثل أكبر جالية أجنبية من حيث العدد بمصر في العصر الحديث. ويشير إلى أنهم انتشروا في جميع محافظات مصر، ووصلوا إلى الصعيد (جنوب مصر) وشبه جزيرة سيناء بسبب التشابه السلوكي والثقافي. وربما كان ذلك ما دفع اللورد كرومر، أول معتمد بريطاني في مصر، إلى إطلاق عبارته الشهيرة بـ”لو رفعت حجرا في مصر لوجدت تحته رجلا يونانيا”.

ويرجع مؤرخون بدايات تواجد اليونانيين في مصر إلى عهد محمد علي باشا الذي حكم مصر في النصف الأول من القرن التاسع عشر، حيث فتح الباب لاستقدام أوروبيين مهرة ومتطورين لتحديث البلاد.

وتزايدت الهجرات من اليونان إلى مصر لاحقا بحثا عن فرص عمل مناسبة في دولة كانت تسعى بجد وسرعة إلى النهضة والمدنية، وشهدت الإسكندرية عملية تدفق واسعة من جانب اليونانيين الحرفيين والفنيين والباحثين عن أعمال حكومية ومن عملوا في تجارة المواد الغذائية، فضلا عن قطاع القطن الذي انتعش عقب اندلاع الحرب الأهلية الأميركية.

وفي أول تعداد للسكان يتم إجراؤه في مصر عام 1897 بلغ عدد اليونانيين نحو 40 ألف شخص وبعد عشر سنوات ارتفع إلى 66 ألفا ثم وصل عام 1927 إلى 76 ألفا. لكنّ عدد اليونانيين بدأ في التراجع بعد تلك الفترة ليصل عام 1947 إلى 57 ألف شخص. وانسحب اليونانيون من مصر مع زيادة المد القومي خلال عهد الرئيس الأسبق جمال عبدالناصر وما صحابه من عمليات تأميم وتوجهات نحو تمصير منشآت وممتلكات الأجانب، وما تزامن معه من تعصب وتشكيك دائم في نوايا هؤلاء لتنتهي حكاية الجالية اليونانية في مصر.

الإسكندرية

 

13