العشيرة بالمرصاد: ممنوع الانتقاد على فيسبوك

أثبتت التطبيقات الرقمية لعصر العولمة أنّها عابرة للزمن وللجغرافيا وتجمع بين المتناقضات، ففي العراق دخلت نشاطات فيسبوك واسعة الانتشار إلى العشائر التي باتت قوانينها تحدد نوع وأخلاقيات التدوينة إلى حد كبير.
الأربعاء 2017/07/19
الفصل العشائري مستل من تقاليد التخلف

بغداد - يعشق العراقيون فيسبوك وينشطون على صفحاته المتخصصة، لكن الجديد والمثير للانتباه أنّ عشائر العراق صارت تملك اليوم صفحات باسمها.

ويستخدم موقع فيسبوك في العراق أكثر من 13 مليون مستخدم وهم ما يمثلون نسبة 40 بالمئة من السكان وفق إحصائيات غير رسمية.

هذه الصفحات باتت منابر تُعرض عليها تقاليد “الفصل” العشائري، ويطلق عليه أيضا تسمية “الحشم” بكل تفاصيلها وجهود شيوخ العشائر ورجالها في حل المنازعات والإشكالات وحتى الوساطات بين القبائل في المنطقة عموما وليس في العراق فحسب، بل في سوريا وتركيا وإيران وغيرها.

يذكر أن ”الفصل” أو ”الحشم”، غرامة مالية تدفعها عشيرة إلى عشيرة أخرى بسبب ارتكاب جريمة جنائية أو تجاوز للأعراف العشائرية، كخطوة تهدف إلى تهدئة النزاعات وتمنع حدوث الثارات الدامية.

الطريف أن صفحات العشائر العراقية وضعت قوانين ومعايير وضوابط للنشر على فيسبوك وللسيطرة على المنشورات بطريقة تضمن أن “لا يساء استخدام التدوينات بما يسيء لقيم العشائر”، كما نص على ذلك منشور صدر في مارس الماضي.

وأورد موقع “نقاش” العراقي مثالا على ذلك، فقد اضطر موظف حكومي في الـ15 من يونيو الماضي إلى دفع “حشم” عشائري قدره (عشرة ملايين دينار)، بسبب تعليق كتبه ولده المراهق في إحدى صفحات فيسبوك، ما اعتبر إساءة ونيلا من سمعة إحدى العشائر. واضطر الموظف إلى بيع سيارته لتسديد “الحشم”.

وهذه الواقعة ليست الأولى التي تضطر فيها عشائر الجنوب إلى معاقبة من ارتكتب مثل هذه الأفعال، بعد أن أصبحت مثل هذه القضايا سببا رئيسا في خلافات عشائرية متنوعة في تلك المحافظات، تطور بعضها إلى نزاعات مسلحة أودت بحياة أبرياء.

موظف حكومي اضطر إلى دفع "حشم" عشائري قدره (عشرة ملايين دينار)، بسبب تعليق كتبه ولده المراهق في إحدى صفحات فيسبوك

وقيمة الحشم العشائري الذي فرض على عائلة الشاب المراهق، هو جزء من اتفاق وقعته العشائر القاطنة في الجنوب العراقي، يتضمن إلزام من يثبت تورطه بكتابة تعليق “غير مقبول اجتماعيا” بدفع مبلغ قدره عشرة ملايين دينار عراقي، فيما تضمن الاتفاق أيضا أن تكون غرامة من يضع إعجابا فوق أي موضوع يستهدف النيل من أشخاص بأسمائهم خمسة ملايين دينار.

وتشهد بعض المحافظات العراقية بين الحين والآخر خلافات عشائرية تتطور في بعض الأحيان إلى نزاع مسلح، كان آخرها ما شهدته العاصمة بغداد من حادثة أدت إلى مقتل شاب وجرح آخرين، بعد نشوب خلاف بسبب منشور على فيسبوك. كما أسفرت حادثة مماثلة في جلسة عشائرية في محافظة البصرة عن إلزام شاب بدفع مبلغ مقداره 20 مليون دينار جراء اتهامه بالتحرش بفتاة من خلال الموقع ذاته.

ويستوحي النظام العشائري في العراق تقاليده من سلوكيات متخلفة وبالية تلاشت منذ عقود، لكنها سرعات ما عادت بقوة وانتشار بعد احتلال العراق عام 2003 وتقزيم دور المؤسسات القضائية لحساب الميليشيات والاحزاب الدينية. وعلى الرغم من الانتقادات التي توجه لبعض الممارسات العشائرية، إلا أن بعض المثقفين يدعمون تدخلها ويصرون على الاعتقاد بأن العشائر استطاعت إخماد الكثير من الخلافات والنزاعات التي يمكن لها أن تتطور إلى نزاع مسلح في أي لحظة.

ويرى حسنين سعدون ناشط مدني أن ظاهرة تدخل العشيرة بشكل كبير في المجتمع ولعبها دور القاضي برزت في أوساط المجتمع العراقي بعد تراجع ثقافة الفرد في استخدام وسائل الاتصال الحديثة معتبرا أن “بروز مثل هذه الظواهر في أوساط الناس يمثل غيابا واضحاً للقانون”.

ويتابع “لو اطمأن الناس إلى تحقيق العدالة الاجتماعية عبر القضاء، لما برز هذا الدور المحوري للعشيرة على حساب القانون”.

من جانبه يشير الصحافي العراقي باسم حمزة إلى “أنّ قضية تدخّل العشائر أخذت مدى أبعد من مجرد ما نشر عن قيام إحدى العشائر بتحديد قيم الفصل والغرامات بشأن التدوينات المسيئة. فلدى بعض العشائر جيوش إلكترونية تراقب صفحات فيسبوك وتراقب من ينتقد”.

وتناقلت وسائل الإعلام وصفحات فيسبوك وواتس آب تحديدا (حيث أن تويتر غير شائع في العراق) واقعة انتقاد أحد الصحافيين لوزيرة عراقية، وكان الانتقاد غير شخصي بل يتعلق بأدائها المهني، وتطور الأمر إلى قيام عشيرة الوزيرة بملاحقة الصحافي، ما أدى إلى هروبه ومغادرته العاصمة إلى مكان مجهول.

إلى ذلك أشار الصحافي باسم حمزة مضيفا مثالا آخر بالقول “قبل عدة أشهر التقى أحدهم بعضو مجلس محافظة واسط، وكتب منشورا عن ذلك على صفحته الشخصية في فيسبوك، فطالبت عشيرة عضو المجلس جميع المعلقين والمنتقدين على التدوينة بمبالغ فصل وغرامات عشائرية، الأمر الذي أدى إلى سكوت رهيب من الصفحات إزاء الاتهامات الموجهة إلى المسؤول المذكور، وهذا مؤشر خطير على التوسع العشائري في مراقبة مواقع التواصل في العراق”.

19