العشيق الأسباني: دون جوان يخرب موازين الكون في بباريس

الأحد 2016/10/09
عوالم دون جوان وغرامياته وابتذالاته أيضاً

تشهد خشبة مسرح الأوديون في باريس العرض المسرحي "دون جوان" تأليف الفرنسي موليير، والعرض الذي يجوب أنحاء فرنسا من إخراج جان فرانسوا سيفاديه، أما دون جوان فيؤدي دوره الممثل نيكولا بوشارد.

وخلال ساعتين وربع الساعة يأخذنا العرض إلى عوالم دون جوان وغرامياته، إلى جانب تحديه المستمر لكل ما يقف بوجهه، فلا قوة تزحزحه عن موقفه الثابت، فحسب تعبيره “الحقيقة في الحبّ، هي التغيير”، وكل جميلة من النساء، تستحق أن نقع في حبها دون أيّ ضابط أخلاقي أو ديني أو اجتماعي، هنّ كخريطة لا بد من الترحال فيهنّ، وكل رحلة/امرأة هي اكتشاف لتضاريس جديدة.

ندخل قاعة العرض ونرى الفنيين يجهّزون الخشبة ويبدون ملاحظات للجمهور، حضورهم هذا وعملهم على تغيير الفضاء يستمر طوال العرض.

فالخشبة والديكور في انهيار دائم وتغيّر مستمر يساهم الممثلون والفنيون في دفعه، فالكواكب التي نراها معلقة تتبدل أماكنها دوما، فدون جوان معلق بين الأرض والسماء.

دون جوان عابر للأزمنة يتحول إلى مغن في التسعينات

هذا اللاحسم في وضعيته ناشئ من تحدّيه المستمر للإله الذي لا يؤمن به ولا بقوانينه، ومن رفضه لقوانين الأرض وأعرافها، إذ وعد اثنتين بالزواج بذات الوقت، كما أنه يتوجه للجمهور مغازلاً الحاضرات مقدماً لهن الورود، وبالرغم من كل ما يهدّده، نراه ينجو من مطارديه ويقنع من حوله ببلاغته، هي الكلمات ما تجعله منتصراً دوماً حتى على إرادة السماء التي يهزأ منها، فادعاء التوبة ليس إلا إستراتيجية للفرار قام بها ليتابع مصيره وبحثه عن سُبل اللذة.

لا يدّعي دون جوان في العرض أيّ فضيلة، ومرجعيته الأخلاقية متلاشية بوصفه لا يعتبر ما يقوم به محرماً أو انتهاكاً لأيّ تابو، هو يتسامى نحو الرغبة، بوصفها محضة خالصة من أيّ اعتبارات تحكمها، أما تبدّلاته فهي تنشأ من رؤية الآخرين له.

هو يُمسرح ما يخفونه وراء عفّتهم، فدون جوان لا يستطيع أن يكون في الخفاء طالما هناك رغبات خفيّة في قلب أحدهم، إذ يدعو المؤمن للكفر مغرياً إياه بالنقود، ينتقد العذراء ويدعوها للرذيلة، يصرخ بوجه السماء الصامتة، وهنا تنشأ الكوميديا في العرض.

دون جوان ليس محلّ الضحك، بل من حوله، هو انعكاس لما هو دفين فيهم، هو التناقض الذي ينشأ بين ما هم عليه وما يريدونه، دون جوان معادل بصري ومسرحي لما هو مهمّش، هو الصوت الذي نضرب رأسنا في الجدار خوفاً من أن يخرج للعلن.

العرض لا يمشي وفق خطّ زمن أفقي متتابع، فمنذ القرن السابع عشر يتحوّل دون جوان ويعبر الزمن حتى الآن، إذ نراه في مبارزة مع قطاع طرق، ليقف بعدها أمامنا مغنياً من تسعينات هذا القرن مرتدياً بذلة رسميّة، ثم مرحباً بتمثال الضابط الذي يزوره في منزله، لنشهد نهايةً مواجهته الأخيرة مع السماء، يهزأ منها حتى آخر لحظة، التوبة الذي ادّعاها لم تغير شيئاً.

التمثال الذي طرق بابه جعله أشدّ عناداً، ثم فجأة، يختفي دون جوان، دون أيّ أثر، لكنّ التساؤل الذي يبقى معلقاً، هل سيعود الكون لاتزانه بعد رحيل "مُخرّبه"؟

يختبر دون جوان في المسرحيّة قدرته على تجاوز الحدود وانتهاكها، كل ما يكمن أن يقف في وجهه عِرضةٌ للتحدّي، فهو يسعى وراء المتعة الآنية واللحظية، وما إن يكتشف هذا الحدّ/النهاية التي تختزنها اللحظة، حتى ينتقل لأخرى مباشرة، لا يتابع دون جوان معارك نتيجتها محسومة، فالحيوية التي يمتلكها تنبع من الرغبة في المعرفة، والتحدي للوصول إلى ما هو غير محدود، إذ لا قيود أو إيمان من نوع ما يقف بوجه لانهائية رغبته، وهذا ما نراه في العرض، الكلّ يسعى لتكبيله، يصرخ بوجهه "قف، كفى"، ما يستفزّ دون جوان بأن يتحدى كل هذه الصرخات، فيضحك بوجهها قائلاً “لا”، لينتهي به الأمر صريع الرفض.

كاتب من سوريا

14