العصا لمن عصا

السبت 2014/05/24

في مصادفة غير سعيدة، التقيت بسيدة متوسطة الخلق فارعة اللسان. وكانت معرفتي بها في السابق قد اقتصرت على لقاء مقتضب صحبة صديقة مشتركة عند مدخل كلية الهندسة، حيث كانت تكمل دراستها في السنة النهائية في جامعة بغداد.

وبعد مرور سنوات عجاف من الحروب والحصارات الاقتصادية والانقلابات السياسية والعبوات الناسفة، نجت هذه السيدة من العقاب الذي وزع بالتساوي على زميلاتها القديمات؛ حيث حصد الموت أرواح العديد منهن، فيما اكتفت أخريات بتأطير الشهادة الجامعية في زاوية مهملة من منزل الزوجية الذي يعملن فيه خادمات ومربيات لصغارهن من دون أجر. أما صاحبتنا فتمكنت من الحصول على زوج (العمر) الذي استطاع الهروب من الدائرة الضيقة للحدود الملتهبة، مع ما خف حمله وغلا ثمنه من حقوق الفقراء ليقفز إلى أزقة الغربة بخفة غزال وطموح ديناصور، وهكذا، تأسست الأسرة السعيدة “نظريا”.

حين اجتمعنا مرة أخرى في منزل صديقة مشتركة أخرى على فنجان قهوة، لم يكن شيء قد تغير في ملامح المذكورة أعلاه زوجة الديناصور، إلا أن حديثها قد طرأت عليه لكنة غريبة وتعابير ملتوية تجمعت فيها بعض المنبهات الطائفية غير المستحبة وبعض التعليقات غير الحيادية على مسار الأحداث في العراق. وحين وصل الأمر إلى حقوق المرأة وواجباتها، شمّرت عن “أنياب” جهلها وانتقدت محاولات بعض النساء للمشاركة في البرلمان المأسوف على شبابه، في حين وصفت طموح بعض الأمهات المغتربات في العودة إلى العمل أو لإكمال الدراسة بأحد مساوئ تقليد الغرب “الكافر”. أما عصارة حكمتها فتمثلت في إصرارها على ضرورة استخدام الشدّة في أحيان كثيرة مع بعض النساء، ولا بأس من الاستعانة بأسلوب الضرب خاصة مع من تتجاوز حدود طاعة زوجها وترفض الاستكانة إلى إرادته المطلقة في تسيير قطيع الغنم الذي يعيله؛ الزوجة والأبناء!!

كلمات حكيمة، جمعت فيها عصارة تجربتها الشخصية التي لم تتجاوز حدود منزلها (في بلاد الكافرين)؛ فهي لم تقابل أشخاصا آخرين طيلة هذه السنوات عدا عن زوجها ودائرة المعارف الضيقة التي تتمحور حول شخصيته، وهم بدورهم نسخ مكررة من جهل المنطق وبلادة التفكير وديكتاتورية الغباء. لكن الأمر لا يخلو بين الحين والآخر من ساعي البريد وموظف البلدية ومعلمات المدرسة الابتدائية؛ حيث يتعلم الأبناء من خلال سلطة القانون مبادئ احترام الذات وحقوق الإنسان، بعيدا عن قوانين المنزل التي لا تؤمن بالحوار وبحق الآخر في التعبير عن رأيه المخالف.

انتظرت قليلا، ريثما يلامس ضوء الفجر الأول ملامحي الساكتة كي يوقظني من الكابوس المزعج، لكن انتظاري طال من دون جدوى. لم يكن حلما مزعجا، فملامح الشارع الذي قطعته في العودة إلى منزلي لم تتغير، ومازال الناس يتنقلون بحرية داخل إطار العصر الحديث ويتمنطقون بالهاتف النقال، أما الشارع فيبدو لي أنه كان ممتلئا حتى أذنيه بأحدث أنواع السيارات كما أن السماء ما زالت مزدحمة بالطائرات. لذلك، سمحت لمشاعري المجني عليها بشيء من الاشمئزاز، ثم ساورني القلق على مصير شهادة الهندسة التي قضت على أربع سنوات عجاف من عمر (صاحبتنا) من دون فائدة تذكر. وتساءلت في نفسي: إذا كان هذا هو منطق صاحبة الشهادة الجامعية، ترى كيف ستفكر معظم النساء مسلوبات الإرادة اللاتي لم تتح لهن الفرصة للحصول على مقعد دراسي واحد في مدرسة متوسطة؟ وكيف تنظر المرأة غير المتعلمة إلى حقوقها، وهل تعرف أساسا ان لها حقوقا؟

الدراسات الاجتماعية الأخيرة التي تبنتها بعض المؤسسات الحكومية والمنظمات غير الحكومية في العراق، تشير إلى أن أكثر من نصف عدد النساء، لديهن وعيا متدنيا فيما يتعلق بمفهوم العنف، حيث يبتعد لديهن في توصيفه عن التصنيف العالمي للعنف، كما أن طريقة فهم المرأة العراقية للعنف مازال يشكل قوة ممانعة أمام مناهضته أو الحد منه أو حتى قياس مستوى انتشاره الفعلي؛ حيث تتقبل أكثر من نصف عدد النساء خيار الضرب، باعتباره حقا مكفولا للرجل لأسباب قد يجدنها مبررة وربما مقنعة. هذه المواقف، تمثل عنفا من نوع آخر موجها من قبل المرأة ضد بنات جنسها، حيث تصبح جلادا وضحية في آن معا. وفيما يتعلق بتعزيز الصورة النمطية لهذا المفهوم المتخلف، فإن الأم التي تبرر العنف متهمة إلى حد بعيد في تنشئة أجيال جديدة من البنات والأولاد الذين سيروّجون للعنف ضد أنفسهم وزوجاتهم في المستقبل.

بالأمس القريب فقط، أنهى رجل في كامل قواه العقلية حياة زوجته الشابة بضربات مبرحة على رأسها، لأن طعام العشاء الذي أعدته بجهد وحنان لم يرق لمزاجه المريض، فعاجلها بعصا غليظة جزاء فعلتها النكراء لأنها عصت أوامره “فالعصا لمن عصا”.

21