العصا والجزرة وسيلة راشد الغنوشي لاختراق جبهة الغاضبين

رئيس حركة النهضة الإسلامية راشد الغنوشي يفرض الأمر الواقع على الغاضبين بعد أن استرضى البعض وضرب بمطالب آخرين عرض الحائط، أي المراوحة بين العصا والجزرة.
الخميس 2019/08/01
تغريدات مقلقة

تلوح في أفق حركة النهضة ملامح خلافات بعد أن تجاوز النقاش أبواب مجالسها المغلقة وصار هناك تعبير صريح عن الغضب من بعض ممارسات رئيس الحركة راشد الغنوشي، الذي يستعدّ لخوض غمار الترشح للانتخابات التشريعية.

خرج النقاش داخل حركة النهضة الإسلامية من المؤسسات الحزبية والمجموعات المغلقة داخل مواقع التواصل إلى العلن، وبات التراشق بالبيانات أمرا واقعا مع تدوينات على فيسبوك في قالب رسائل مفتوحة إلى رئيس الحركة راشد الغنوشي والقيادات المحيطة به، والذين بدأوا بالتخلص من وجوه حزبية لم تعد قادرة على أن تتماشى مع براغماتية “الشيخ” وخياره في التخلص السريع من صورة الجماعة القديمة والانفتاح على كفاءات شبابية تعبد له طريق الاعتراف لدى المنظومة القديمة.

لكن الغنوشي فرض الأمر الواقع على الغاضبين بعد أن استرضى البعض وضرب بمطالب آخرين عرض الحائط، أي المراوحة بين العصا والجزرة. نجح في ربح الوقت عبر المناورة وفوّت على المحتجّين فرصة اللجوء إلى خطوات راديكالية مثل إعلان الاستقالة، أو الترشح على قوائم مستقلة، ووظف في ذلك مؤسسة الشورى التي يفترض أنها تضم اللوبي المعارض.

كما استفاد رئيس حركة النهضة من وفاة الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي والتركيز الكلي على تداعياتها ومخاوف التنظيم من مآلاتها، وفاجأ الغاضبين بقوائم فيها تعديلات استرضت عبداللطيف المكي وسمير ديلو وأغفلت عبدالحميد الجلاصي ولطفي زيتون.

كما تحدى إرادة الناخبين وصلاحية لجان محلية كانت رفضت قبول ملفات لمترشحين من خارج جهاتهم مثلما حصل في القيروان. ولأول مرة تخرج بيانات علنية حادة كبيان النائب عن محافظة القيروان محمود قويعة الذي تحدث بسقف عال عن انتهاك القوانين ونكث العهود ووصف الصمت بالخيانة.

العزل الناعم

يُعتقد أن العاصفة ستمر ظرفيا بسبب إلحاحية الانتخابات وضرورة تجنب خلافات حادة تقود إلى خسارتها، لكن الأزمة ستستمر طويلا وقد تتسع من صراع المواقع المباشرة الذي فرضته الانتخابات إلى قضايا تنظيمية حيوية قد تقود إلى تغيير في التوازنات الداخلية خاصة إذا تم التعاطي مع الدعوي على أنه مناورة لعزل الصقور، وأن التنظيم يستعد لعملية عزل جديدة بأسلوب ناعم ضد خصوم لم ينس لهم المكتب التنفيذي مخلفات حادثة المنصة ومنازعة الغنوشي في مهامه.

ولا تكمن أهمية الغاضبين في عددهم بقدر أهمية الأدوار التي كانوا يؤدونها، أو التي قد يحققونها وهم في وضع مقابل للقيادة الحالية. ومن القيادات التي جرى تهميشها مقدمة لوضعها على الرف لطفي زيتون الذي كان إلى حد أشهر قليلة موطن سر الغنوشي والرجل الذي لا يفارقه كظله، فما الذي تغيّر ليعلن الرجل الغامض الاستقالة من مهمة المستشار السياسي لرئيس الحركة، ولاحقا التلويح بتكوين حزب سياسي معبر عن “الغاضبين”.

لطفي زيتون: الترويكا نظام طائفي وكنت من الداعين لتولي السبسي الرئاسة
لطفي زيتون: الترويكا نظام طائفي وكنت من الداعين لتولي السبسي الرئاسة

والسؤال هنا: من تغير الغنوشي أم زيتون؟ وهل يمكن أن يذهب المستشار إلى حد الاستقالة وتكوين حزب على يسار النهضة؟ من المهم التأكيد هنا على أن زيتون ومنذ ظهر في المشهد خلال وجوده في لندن كان محسوبا على شق الغنوشي، وأن ظهوره كان مرتبطا بخيار الغنوشي تصعيد جيل جديد من الطلبة الذين فرّوا إلى الخارج والرهان عليهم لإدارة التنظيم السري الذي انتشرت عناصره وقتها في عموم أوروبا، ويحتاج إلى جهود كبيرة للتحكم فيه، وهذا لا يتأتى مع قيادات من الصف الأول والثاني التي كانت تسعى للظهور كطرف مناوئ ومتكافئ في “النضال” مع رئيس الحركة، فاختار الغنوشي نواة جديدة لعناصر صاعدة بينهم زيتون ورفيق عبدالسلام، قبل أن يصبح لاحقا صهره، وعامر العريض، وآخرين.

وقد ظهر زيتون في مختلف حواراته ونصوصه وخاصة تدويناته على فيسبوك مواليا للشيخ ومعبرا عن أفكاره، بل ويتولى مهمة جس النبض في قضايا مثيرة للجدل وتضع الحركة تحت ضغط مضاف بين الفقهي والحقوقي، مثل قضية المثلية والتناصف في الميراث.

وجازف زيتون بإصدار “فتاوى” مثل قوله إنّ “الإسلام أعطى الحدّ الأدنى للمرأة مقارنة بعصر الجاهلية وليس عيبا أن نعطيها الآن الأقصى حتى في الميراث”، أي أن الإسلام القديم أنصف المرأة نصف إنصاف والإسلام الجديد يمكن أن يعطيها الحد الأقصى، ومرت الفتوى دون ضجة داخلية، ما يؤكد أنها حصلت على ضوء أخضر من الغنوشي، وأنها ربما تكون صادرة عنه هو شخصيا وكلف زيتون بإطلاقها.

ومن المهم الإشارة إلى أن الغنوشي، هنا، لا يهتم لمواقف معارضيه داخل النهضة في إصدار مثل هذه الفتاوى، فخلافهم معه على المواقع وليس على النصوص، بل يحسب حساب جماعة اتحاد علماء المسلمين الذي كان مرشحا لأن يكون رئيسه خلفا ليوسف القرضاوي قبل أن تروح المهمة للمغربي أحمد الريسوني. لا يريد الإسلاميون الانزلاق إلى لعبة التجديد، ولكنهم يصدرون “فتاوى” لإسكات الخصوم، وإظهار أنهم يتبنون المواثيق والقيم الكونية في مسعى لاسترضاء الغرب والحصول على اعتراف بكون حركة النهضة تمثل الإسلام الديمقراطي الخفيف الذي يميل مع الريح شرقا وغربا، فهو إخواني وزيتوني وحداثي.

وورطة التجديد لا تحرج حركة سياسية براغماتية تلبس لبوس الديني، بل تضغط على الريسوني نفسه، المؤتمن على هوية التيار الإسلامي الإخواني الأوسع، حين يقول “نحو 90 بالمئة من الفقه الإسلامي يجب أن يتغير، لأن زماننا طرح نوازل (قضايا فقهية) ووقائع جديدة، جعلت الفقه القديم ينحصر في حيز ضيق”. ورأى الريسوني في موقف صادم أن “التجديد يجب أن يشمل العلوم الشرعية أيضا، حتى تتلاءم مع هذا الزمان”.

وبالنتيجة، فإن لطفي زيتون ليس مفكرا مستقلا عن خط الغنوشي، ولكنه يردد ما يهمس به الغنوشي في الجلسات الخاصة التي تعنى بالمراوحة بين إكراهات التموقع السياسي في قلب السلطة واسترضاء الغرب ليس فقط كدول ولكن كجمعيات مدنية وحقوقية تنظر إلى الإسلاميين بريبة كبيرة، وبين إكراهات الأرضية الأصولية التي تريد الحركة إظهار ولائها لها وتؤسس لها في الوثائق الفكرية الداخلية.

وغياب الاستقلالية الفكرية والسياسية عن الغنوشي لا تؤهل زيتون لأن يؤسس لانشقاق أفكار أو برامج عن النهضة، وأن إعلانه الاستقالة من مهمة المستشار والتعفف عن الترشح للتشريعية، جزء من حرب المواقع التي تجري بشكل محموم داخل الحركة، وربما عتب شخصي على الغنوشي الذي بات يراهن على كفاءات من خارج الحركة في سياق استراتيجية طمأنة طبقة رجال الأعمال والمال النافذة في الدولة العميقة، وتخليص الحركة من وجهها القديم الذي بات مهترئا بسبب تراكم الأخطاء ونفور التونسيين من سردية النضال والمظلومية.

هل يؤسس المنشقون حزبا

لوّح زيتون في رسالته الأخيرة بتشكيل حزب وطني محافظ خاصة أن “ما يقارب أربعين بالمئة من النخب النهضوية الجهوية والمحلية للعاصمة قد اختارت دعم خيارنا السياسي الذي رأت فيه أملا للحركة والبلاد في مستقبل أفضل عبر حزب وطني محافظ حديث يتخلى عن توظيف المقدس لينكب على مشاكل البلاد المعقدة”.

لكن المراقبين السياسيين يعتقدون أن زيتون لا يمتلك ثقلا داخل التنظيم عكس قيادات أخرى مثل عبداللطيف المكي أو عبدالحميد الجلاصي، وعلى العكس فقد كان محسوبا على “الشيخ” وتنسب إليه كل التجاوزات والخطوات المثيرة للجدل.

وقد وصف القيادي في النهضة وعضو كتلتها البرلمانية محمد بن سالم لطفي زيتون بأنه يغرد خارج السرب وأنه قدم العديد من المواقف المغايرة للموقف الرسمي. ورد زيتون بالقول إن هذا التصريح يعكس وجود “محاولات لتأسيس بوليس رأي في حركة النهضة”.

لأول مرة تخرج بيانات علنية حادة كبيان النائب عن محافظة القيروان محمود قويعة الذي تحدث بسقف عال عن انتهاك القوانين ونكث العهود ووصف الصمت بالخيانة

وزيتون وجه مدني يسوق نفسه في الخارج، يمكن أن يلتحق بأحزاب مثل “نداء تونس” أو “تحيا تونس” أو “قلب تونس” لكنه لا يستطيع أن يشكل حزبا يقلق الغنوشي أو يهدد وحدة التنظيم على عكس عبداللطيف المكي الذي يبدو أقرب إلى تكوين نواة معارضة صلبة داخل التنظيم تسهل عليه في أي وقت القفز خارجه وجر الغاضبين معه تحت عنوان تنفيذ معركة الإصلاح المؤجلة.

ورغم أنه جرى استرضاؤه إلا أن المكي مقاوم عنيد لسياسات الشق المقابل، ودائما ما يبدو الأقرب لتزعم المواجهة. ويمكن أن يغامر زيتون بإعلان حزب إسلامي وطني وسيلقى ترحيبا في الساحة خاصة أن الرجل غيّر صورته تماما من مرحلة الرجل الغاضب ذي القبضة القوية، وهو ما أظهره موقفه من اعتصام للإعلاميين في فترة الترويكا، إلى مرحلة الرجل الإنكليزي الهادئ والحقوقي.

لكنه يخاف أن يوأد هذا الحزب على شاكلة البناء الوطني الذي أسسه عضو المكتب التنفيذي السابق رياض الشعيبي، وضاع هذا الحزب في الزحام بالرغم من وجود عناصر قيادية داخله تدفع نحو تجذير المواقف في مواجهة المنظومة القديمة، وهو ما يعتقدون أن النهضة تخلت عنه.

7