العصر الأميركي يحكم قبضته على مفاصل النظام العالمي

الخميس 2014/01/30
التوسع السريع للعولمة خلق موجة غضب عارمة ضدها وضد المد الأميركي في العالم

أبوظبي – تسارعت المتغيرات والتطورات التي شهدها العالم وسط تساؤلات أثارها باحثون حول شكل النظام العالمي الجديد وعلاقته بالمصالح الاقتصادية والنفوذ السياسـي وما يرتبط بذلك من تفاعلات العولمة في شتى تجلياتها.

لم يجد الباحثون عن تعريف العولمة، مفهوما خاصا بها، فكل ينظر إليها من زاوية مختلفة، حيث يراها الاقتصاديون أنها حرية الاقتصاد وحرية انتقال الأموال والسلع والخدمات دون قيود، في حين يراها السياسيون أنها انتهاء الحدود بين الدول ويرون حكومة عالمية واحدة. ويتصورها رجال الفكر والثقافة أنها سيادة ثقافية واحدة على جميع ثقافات الشعوب الأخرى، مما قد يؤدي إلى ذوبان هوية هذه الشعوب، في ظل نظام جديد فرضه غياب التوازن في العالم بعد تفرد الولايات المتحدة في فرض سياستها و نفوذها.

من هذا المنطلق تناول الدكتور جمال سند السويدي، مدير عام مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية النظام العالمي الجديد، في كتابه “آفاق العصر الأميركي: السيــادة والنفــوذ في النظام العالمي الجديد”، وفيه اتخذ طابعا مغايرا لما سبق طرحه من قبل، برغم وجود خطوط اتفاق عامة حول مكانة الولايات المتحدة الأميركية ودورها في هذا النظام.

الجدل العالمي حول ظاهرة مثل العولمة لا يزال محتدما بين المنظّرين والباحثين حول طبيعتها وتأثيراتها وأبعادها، وكذلك حول سبل تعظيم مردودها. وبين هذا وذاك، هناك من يتقوقع حول ذاته ساعيا إلى تجنب تأثيرات العولمة أو الالتفاف حولها أو الاختباء منها، غير مدرك أن موجاتها باتت من القوة والاندفاع والتسارع بحيث لم تعد الحواجز الطبيعية أو المصطنعة تجدي معها نفعا.

النظام العالمي الجديد


يرى السويدي، أن إدراك اتجاهات التغيير ومساراته وتأثيراته الاستراتيجية المحتملة واستشـراف آفاق النظام العالمي الجديد وفق منهج علمي واضح، قد يتيح فرصا في سبر أغواره للحفاظ على المصالح، كما أن الغوص في تحليل مؤشـرات الحاضـر وشواهده يجبرنا حتما على التفكير في المستقبل. ولا يزعم أنه يطرح رؤية نهائية لا تحتمل النقاش أو الجدال بشأنها، أو يدّعي امتلاكا مطلقا للحقيقة، فالمستقبل مفتوح أمام الجميع، ولكن امتلاكه حق لمن يؤمن بمنهج التفكير العلمي فقط.

فالعالم يواجه خلال الفترة الراهنة زخما متداخلا ومركبا ومتناميا من التحديات والمخاطر والتهديدات التي تؤثر في صياغة مستقبله، بعضها أفقي يدور داخل الدول ويتسم بكونه عابرا للحدود والجنسيات والأعراق والمذاهب، وبعضها الآخر رأسـي يجري بين الدول أو مجموعات من الدول تحقق مستويات نمو مختلفة، نتيجة للتنافس في تحقيق المصالح الاستراتيجية، أو جراء وجود مشكلات حدودية، أو السعي نحو الهيمنة، وسط قوى دولية كبرى تسعى إلى تحقيق مصالحها دون أي اعتبار لمصالح الآخرين.

وقد أدت التفاعلات الدولية خلال أكثر من ستة عقود، إلى التحول من “نظام دولي” تجري فيه التفاعلات بين الدول ومؤسساتها الرسمية، إلى “نظام عالمي جديد” تتداخل فيه المصالح الوطنية مع المصالح الدولية، وتتم خلاله عولمة الاقتصاد والاتصالات والإعلام والتعليم والثقافة والنظام القيمي.

وقد تداخل دور الدولة بصورة أو بأخرى مع المجتمع العالمي، فلم تعد وحدها مسؤولة عن بناء العلاقات الدولية، ومن ثم أصبحت موضوعات ومفاهيم مثل مكانة الدولة ووضعها والسيادة الوطنية والأمن القومي في حاجة إلى مراجعة لتتوافق مع تقلص دور الدولة في احتكار علاقاتها الخارجية وروابطها الإقليمية والعالمية، تحت ضغط سعي الدول إلى مواجهة التحديات المشتركة والمخاطر العالمية الطابع، لذلك تبرز أهمية دراسة النظام العالمي الجديد ومناقشة أبعاده الثلاثة، التاريخية والراهنة والمستقبلية؛ للوقوف على بنيته وترتيب القوى داخله وطبيعة عمله وركائزه والعوامل المؤثرة في صيرورته وتطوراته، وتحديد هيكليته المستقبلية، ومن ثم التعرف على مدى تأثير النظام العالمي الجديد في العلاقات الدولية، ودوره في مواجهة الظواهر العالمية التي تهدد وجود البشـرية.


أميركا القوة المهيمنة


في إطلالة على المشهد العالمي الحالي يستعيد الباحث في كتابه الأحداث والوقائع التاريخية التي أسست النظام العالمي الجديد، بأسلوب مبسط. حيث يقدم الحقيقة والبرهان مستندا إلى زخم من الأرقام والتحاليل التي دعم بها عرضه للأفكار.

مقومات القوة الشاملة الأميركية تؤهلها لمواصلة إحكام قبضتها على مفاصل النظام العالمي الجديد

ومن خلال تسليط الضوء على بنية النظام العالمي الجديد والتعرف على العوامل المؤثرة فيه، يسعى مؤلف هذا الكتاب إلى بناء تصوّر مستقبلي حول هيكل القوى والسيادة والنفوذ في النظام العالمي الجديد خلال العقدين المقبلين، حيث يعتقد أن مقومات القوة الشاملة للولايات المتحدة الأميركية، وهي القطب المهيمــن على النظام العالمي الجديد، لاتزال تؤهلها لمواصلة إحكام قبضتها على مفاصل النظام العالمي الجديد وإدارة شؤونه، برغم تفاوت مستويات السيطرة وسلوكيات الهيمنة ومظاهر الأحادية القطبية، وفقا لتوازنات القوى والصـراع بين القوى الكبرى مثل الصين والاتحاد الأوروبي واليابان واقتصادات صاعدة مثل الهند والبرازيل من ناحية، وحسابات المصالح الخاصة بالقطب القائد والمهيمن على النظام العالمي الجديد وهو الولايات المتحدة الأميركية.

العولمة سمة أساسية لآفاق العصـر الأميركي

يطرح الباحث مجموعة أسئلة تدور في أذهان الباحثين، من ضمنها: هل تعبِّر العولمة في جوهرها عن توجه عالمي الطابع أم عن فرض قسـري للنموذج الأميركي والغربي؟ هل العولمة مرادف للتبعية الثقافية بكل ما تعنيه هذه التبعية من سلبيات؟ هل انتهى العصـر الأميركي أم لا يزال هناك أفق لهذا العصـر لم يتبين الكثير من معالمه بعد؟ هل تدفع التطورات المستقبلية الصين إلى قبول النموذج الثقافي الأميركي وقيمه، أم يستسلم الغرب بأكمله لثقافة الصين وحضارتها الضاربة في عمق التاريخ؟

في هذا الشأن يقول “ربما كان هذا وغيره من التساؤلات وعلامات الاستفهام محور النقاشات العلمية التي دارت في السنوات الأخيرة، وهي أسئلة الحاضـر والمستقبل أيضا، وربما لا يجد بعضها إجابات قاطعة. وقد حاولت في كتابي هذا البحث عن ردود موضوعية لها.

وكان الباحث الإماراتي جمال سند السويدي تحدّث في كتاب سابق عن “وسائل التواصل الاجتماعي ودورها في التحولات المستقبلية: من القبيلة إلى الفيسبوك”، وتحدّث في اصداره الجديد أيضا عن التأثيرات المختلفة لهذه الوسائل باعتبارها أحد مظاهر وتجليات ظاهرة العولمة في مجال الإعلام، حيث عرض جزءا من تأثيرات هذه الظاهرة في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية وبين من خلاله كيف أنها تمثل منعطفا حيويا من المنعطفات التاريخية في مسار العلاقات الدولية، باعتبار أن العولمة أحد أبرز المؤثرات الحيوية في بنية النظام العالمي الجديد، إلى درجة أن بعض الباحثين يعتبرونها الوجه الآخر للنظام العالمي الجديد أو هي المحرك الرئيسـي لهذا النظام، إذ تبقى العولمة سمة أساسية لآفاق العصـر الأميركي الذي ترسم ملامحه في الحقبة التاريخية الراهنة، حتى إن بعض الباحثين يعتبرونها رمزا لهيمنة وتفوق القوة العظمى الأولى في النظام العالمي الجديد.

6