العصر الرقمي لا يلغي المعايير الإخبارية التقليدية

الاثنين 2014/06/16
تستطيع الصحافة إعادة ابتكار نفسها في جيل جديد والبقاء على قيمها التي بنتها

لندن – الموضوعية والحيادية هما أساس عمل الصحافة، ورغم التطور التقني الهائل في مجال الإعلام، فقد أثبتت الدراسات أن الجمهور لا يزال متمسكا بالمعايير التقليدية للصحافة ويهتم بالمصادر الحيادية البعيدة عن الانحياز.

طلب عدد من المتخصصين في الإعلام، من الصحافة وهي تعيد ابتكار محتواها في العصر الرقمي أن تكون على درجة عالية من الحيادية لكسب ثقة الجمهور.

وفي تقرير نشرته صحيفة الغارديان البريطانية نهاية الأسبوع، حول “قواعد الموضوعية والحياد في الصحافة التقليدية” لـلكاتب”ريتشارد سامبروك”، جاء فيه أن العديد من المتخصصين والمعلقين لا ينتمون إلى المنهج التحريري الذي كان سائدا منتصف القرن الماضي، واعتبروا أنه لا يتناسب مع كثافة وسائل الإعلام وتعدد مجالاتها في العصر الرقمي الحالي.

وأضاف، أن إعداد وتنظيم المذيعين في مختلف الأماكن، قد تما على أساس تقديم أخبار محايدة وغير منحازة، ومع أن طريقة وأسلوب التنظيم يختلفان بالنسبة إلى الصحافة المطبوعة إلا أن القواعد الأخلاقية للمهنة والمعايير الصحفية، التي وضعت في أوائل القرن العشرين، تعتبر واحدة، واعتمدت في صفحات الأخبار لعقود طويلة، وحتى في القرن الحادي والعشرين لم يتغير الأمر كثيرا.

ويرى مارك اندرسون، معد البرمجيات الأميركي، أن الحفاظ على أهمية وقيمة التحرير الخبري لا يزال هاجس العديد منا، لكن الصحافة تتضمن اختلافات في وجهات النظر، والهدف هو الوصول إلى طريقة واحدة في رواية القصص، أي الحصول على الحقيقة، وفي الواقع هناك العديد من القصص التي لا تحتمل وجهتي نظر أو تحليلين، وتقديم أي حدث أو قضية مع وجهة نظر محددة، يمكن أن يحدث أكثر من ردة فعل لدى المتلقيين، تصل إلى درجة حدوث الخلاف وإنهاء الجمهور للنقاش بطريقة غير مرضية.

ويعكس اندرسون، آراء كل من الجمهور على الإنترنت، وناشطي الأخبار، والناشطين في موقع الحدث، من خلال عدد من قنوات اليوتيوب، لكن الدعم والاتجاه نحو طرف معين، يختلفان بالتأكيد عن الأخبار الموضوعية. ما هو الذي تم استبعاده لإثبات قضية ما؟ ما هو الدليل على أن هناك دعما لوجهة نظر معينة؟ هل يمكن أن نصدق كل ما نقرأه؟ بمن وبماذا يجب أن نثق في العالم الرقمي، الذي يعج بالمعلومات والآراء؟ المسألة هامة وهي ليست قضية جديدة، من الذي يعرف مكان الحقيقة في مقابلة حرة مفتوحة؟.

ريتشارد سامبروك: "القواعد الأخلاقية للمهنة والمعايير الصحفية واحدة واعتمدت لعقود طويلة"

يعتقد البعض اليوم، أن المصداقية أو الحقيقة يمكن أن تتفوق في معركة غير عادلة، فالكاتب بيغ نونان في “وول ستريت جورنال”، علق على نظريات المؤامرة بعد أن أعلن الرئيس الأميركي باراك أوباما، عن مقتل أسامة بن لادن، في شهر مايو من عام 2011، قائلا: “الناس لا يصدقون أي شيء، يعتقدون أن كل شيء مدبر وكاذب، وبينما تقول الحكومة أن تقاريرها مؤكدة، نصف شعوب الأرض تعرف أنها كاذبة، وعندما يؤمن الناس بقضية ما، سيصدقون أي شيء”.

ويعود ريتشارد سامبروك إلى القول، إن الصحفي يعيد تجديد نفسه في العصر الرقمي، لكن الأمر الحاسم هو مسألة الثقة، بالإضافة إلى الأسماء الكبرى في عالم الصحافة (العلامة التجارية)، حيث يمكن بناء الثقة بالعلامة التجارية من الألف إلى الياء، مثلما حاول بيار اوميديار وغلين غرينوالد، في رؤيتهما الأولى إلى وسائل الإعلام.

وتستطيع الأسماء الكبرى في الإعلام والتي تعد محل ثقة بالنسبة إلى المستهلك، مثل رويترز أو صحيفة نيويورك تايمز، إعادة ابتكار نفسها في جيل جديد، والبقاء على قيمها التي بنتها وحافظت عليها منذ مائة عام.

وفي بحث لكل من كلاي شيركي، اميلي بيل، اندرسون، تحت عنوان “ما بعد صناعة الصحافة”، يطرح السؤال هل تعتبر شخصية الصحفي أهم من المؤسسة الصحفية، كوسيلة لكسب الثقة، وبناء العلاقة والولاء للمستهلك؟ في البداية يظهر للمستهلك أنه يجب أن يكون حريصا أو مهتما بالأساليب التقليدية الموثوق بها للصحافة، أكثر من العديد من المعلقين.

لكن استطلاعا للرأي أظهر أن هناك تأييدا قويا أو دعما لفكرة أنه ينبغي على المراسلين تقديم مجموعة من وجهات النظر والسماح للمستهلك بأن يقرر ما يجب أخذه والتفكير فيه، هذا يشير إلى أن تنوع الآراء، هو عن العنصر الأساسي في النهج القديم للأنباء المحايدة، ولا يزال محل تقدير وذا قيمة.

وأيضا وجدت بعض الاختلافات الثقافية، ففي المملكة المتحدة وألمانيا، كان هناك حرص على النهج التقليدي، أما إيطاليا والبرازيل، فكانتا أقل حرصا، مع ما يقارب الثلث ممن يفضلون المراسل الذي يتبنى وجهة نظر معينة.

كما كان من الواضح أن التعليم والرخاء الاقتصادي، عاملان مهمان جدا، وهو ما أكدته أيضا دراسات سابقة، قالت إن التعليم العالي والدخل المرتفع، يجعلان الأشخاص يميلون إلى بناء وجهة نظرهم الخاصة حول القضايا، بدلا من تبني وجهة نظر محددة مقدمة لهم جاهزة.

أبحاث "أوفكوم" البريطانية أكدت أن ضعف المهتمين بالأخبار هم من ذوي التعليم العالي

وأظهرت أبحاث أوفكوم في المملكة المتحدة، أن ما يقارب ضعف المهتمين بالأخبار، صنفوا على أنهم في مستوى تعليمي عال.

كما أن دراسة لمركز “بيو للأبحاث” في الولايات المتحدة، أظهرت أن مستوى المعرفة حول الأخبار والأحداث الجارية بين خريجي الجامعات أكثر بمرتين، مقارنة مع المجموعات الأخرى.

وينطبق الأمر نفسه على الأسماء الكبرى أو العلامات التجارية في معظم المناطق، مفضلين مصادر الأخبار التي تحاول أن تكون محايدة على تلك التي تظهر تحيزا واضحا.

وتدعم الأرقام أيضا أولئك الذي يؤمنون بأهمية شخصية الصحفي على حساب العلامة التجارية، ففي الولايات المتحدة أكثر من نصف الذين شملهم الاستطلاع قالوا إن المراسل الصحفي وشخصيته محل ثقتهم، مما يظهر أنه في عصر وسائل الإعلام الاجتماعي، يقدم الأشخاص مصداقية أكثر من المؤسسات.

ربما هناك بعض العوامل أو الحقائق، أي صدى ما يعرف بتأثير الغرفة، فالمستهلكون الذين يفضلون البساطة، وبالتالي الثقة، هل تتفق أخبار العلامات التجارية مع توجهاتهم الشخصية أو ميولهم؟.

تصنف فوكس نيوز، في الولايات المتحدة، أنها من أعلى شبكات الأخبار العاملة على الكابل موثوقية، لكنها هذا العام وفي نفس الاستطلاع، ظهرت أنها الأقل ثقة، (مع ما يقارب من ثلث المستطلعة آراءهم اختاروا موقع استقطاب آخر). بالطبع فوكس نيوز، لديها أجندة يمينية وتظهر جلية للمشاهدين، فتتبنى إما الحب والثقة، أو الكره وانعدام الثقة.

في النهاية، الدعم القوي للأخبار الموضوعية غير المتحيزة، قد ينعكس على الجمهور الذي لا يعترف حتى اليوم بالبراهين على تغير بيئة وسائل الإعلام، وهناك فجوة فعليا بين ما يقول الناس عما يريدونه من خدمة الأخبار، وما اختاروه فعلا للاستهلاك.

18