العصر الرقمي يضاعف التحديات على المؤسسات الصحافية

المؤسسات الإخبارية الجديدة ستكون قادرة على النمو بسرعة، مثل الفيروس، على أساس تأثيرات شبكة التواصل الرقمي.
الخميس 2018/12/06
المستقبل الإعلامي للشركات الرقمية الناشئة

تعاني الكثير من المؤسسات الإعلامية الكبيرة في العالم من أزمات خانقة، حيث تمثل تكاليف الإنتاج وأجور العاملين عبئا عليها، لذلك أصبح النموذج الأمثل هو الشركات الرقمية الناشئة الصغيرة القادرة على الوصول إلى جمهور من الملايين في غضون أشهر أو سنوات.

واشنطن - تهدّد الأزمة المالية في مجال الصحافة المهنة ككلّ وتقود إلى انهيار نموذج العمل، بسبب القضاء على الصحافيين والتغطية الإعلامية، خصوصا بالنسبة إلى وسائل الإعلام المحلية، وقد جرى طرح هذه الإشكاليّة مؤخرا في مختبرات نيمان للصحافة من قبل دكتور كين الذي نشر النتائج في تقرير وعرض مبادرات من قبل المنظمات الربحية وغير الربحية التي تهدف إلى سدّ الثغرات في التغطية الإخبارية المحلية التي تشرك المئات من وسائل الإعلام.

ولا يبدو استخدام مقاييس الصناعة التقليدية كافيا لسد الفجوات على المدى القصير من دون تغييرات كبيرة في طريقة عمل وسائل الإعلام. كما أنّ المجتمعات بأكملها تخسر التغطية الإخبارية، وهي ركيزة المؤسسات الديمقراطية.

لكنّ هناك طريقة أخرى للنظر إلى هذا الوضع. صحيح أن وكالات الأخبار التي تحدث فرقا في الوقت الحالي تمثل جزءا صغيرا من صناعة الإعلام الإخباري، إلا أنّ بعض مقاييس الصناعة القديمة لوسائل الإعلام مثل إجمالي الإيرادات وعدد الموظفين، وفق ما ذكر جيمس برينير في تقرير لشبكة الصحافيين الدوليين، لا تمتّ بصلة لوسائل الإعلام الرقمية.

ويرى برينير، الذي أطلق وأدار مركز الصحافة الرقمية في جامعة غوادالاخارا، أن مستقبل الصحافة يكمن في نماذج الأعمال الذكية التي بدأت تظهر على أساس تقنيات الإنتاج والتوزيع الرقمية المنخفضة التكلفة، والمحتوى الخاص المركّز للغاية، والتركيز على المستخدمين بدلا من المعلنين. وهناك أمثلة بارزة في إسبانيا والمكسيك والولايات المتحدة.

وبدأ الموقع الإخباري الاستقصائي “إلدياريو أس”، منذ ستة أعوام مع عدد قليل من الصحافيين، لكنه تنافس مع أكبر غرف الأخبار في أكبر الصحف اليومية في إسبانيا. واليوم أصبح لديه 33000 “مشترك” يدفعون 67 يورو سنويا للمنشورات المجانية التي توفّر إيرادات بقيمة 5 مليون يورو وتعد، بحسب تقرير معهد رويترز للأخبار الرقمية لعام 2018، واحدة من العلامات التجارية الإعلامية الأكثر شعبية وموثوقية في البلاد.

ويجب على الشركات الناشئة التركيز على تغطية الفساد في السياسة والأعمال التجارية والإعلام، في مقابل الاستغناء عن بنية تحتية هائلة للإنتاج والتوزيع (مطبعة، مبنى مكاتب، مركبات تسليم، شبكة توزيع)، وبالتالي ليس لديها أي من عبء الديون المرافق لها.

والأخبار السيئة في هذا النموذج هي أن صناعة الأخبار ككل ستوظف عددا أقل من الأشخاص. والمؤسسات الإخبارية الفردية أصغر بكثير مما كانت عليه في الماضي. وإجمالي الإيرادات أقل بكثير، لكن التكاليف الإجمالية منخفضة أيضا، والنماذج الجديدة صغيرة.

وستكون المؤسسات الإخبارية الجديدة قادرة على النمو بسرعة، مثل الفيروس، على أساس تأثيرات شبكة التواصل الرقمي. فشركة رقمية ناشئة قادرة على الوصول إلى جمهور من الملايين في غضون أشهر أو سنوات.

الاتجاه العام يسير نحو جعل وسائل الإعلام مؤسسات خدمة عامة هدفها الرئيسي تحسين نوعية الحياة في المجتمعات
الاتجاه العام يسير نحو جعل وسائل الإعلام مؤسسات خدمة عامة هدفها الرئيسي تحسين نوعية الحياة في المجتمعات

وكشفت دراسة حديثة أجريت على 100 شركة ناشئة من وسائل الإعلام الرقمية في أميركا اللاتينية، والتي شارك فيها برينير كمحرر وباحث، أن هذه المؤسسات كان لها تأثير محلي ووطني ودولي. ولكن في الوقت نفسه، تمثل إيراداتها الإجمالية التي تبلغ حوالي 15 مليون دولار أميركي سنويا جزءا صغيرا جدا من هذا المجال.

ومن المرجّح أن يظهر العديد من هذه الشركات الرقمية الناشئة، خصوصا على المستوى المحلي، ويختفي بسرعة، لكن التعلم المتراكم سيغذيها، إذ يحتوي كل فشل على بذور إطلاق شركة ناجحة محتملة. وقد وفّرت هذه العملية من التجربة والخطأ الأساس لكل صناعة رئيسية اليوم، من الزراعة إلى السيارات، إلى الأدوية، إلى أجهزة الكمبيوتر، إلى الهواتف المحمولة. وانتقلت هذه الصناعات من الكوخ (أو المرآب) إلى ورشة العمل إلى المصنع.

لذلك فإنّ شبكة الإنترنت التي دمّرت نموذج الأعمال التقليدي لوسائل الإعلام، بإرسال عائدات الإعلانات إلى المنصات التكنولوجية، تستفيد أيضا من شركات الأخبار الناشئة.

وبينما ستدير بعض المؤسسات الإخبارية أعمالا ناجحة وتحقق أرباحا للمستثمرين، يستثمر مشروع الصحافة الأميركية فيها، فإن الاتجاه يكون نحو جعل وسائل الإعلام مؤسسات خدمة عامة هدفها الرئيسي تحسين نوعية الحياة في مجتمعاتها بدلا من توليد عائدات للمساهمين.

ويمكن للقوى الرقمية التي دمّرت الصحافة المحلية أن تؤثر على الرأي العام، ويمكن أن يحدث ذلك بسرعة.

لكن أكبر عقبة أمام هذا هو الكسل. فبعض مالكي وسائل الإعلام يبدون راغبين في حصد الأرباح من شركاتهم حتى يصبح كل ما يتبقى هو الأصول الثابتة، التي سيبيعونها بعد ذلك.

وطالما أن قادة الحكومة وقطاع الأعمال والإعلام يفشلون في اتخاذ إجراء، فسوف نشهد تراجعا سريعا ومستمرا. لكن هذه الثورة الإعلامية لا تأتي من الأعلى إلى الأسفل، إنها قادمة من الأسفل إلى الأعلى. وقد يستغرق الأمر وقتا أطول، ولكنه قد يكون أكثر دواما أيضا.

18