العصر الرقمي يفرط بالصداقات الحقيقية لتقريب العلاقات الافتراضية

موسيقى وأفلام تفضل المواقع الإلكترونية على المتاجر العادية، والإنترنت تنقل كل جديد على نطاق واسع، بما يتماشى مع جمهور يتابع بشغف الشبكة العنكبوتية.
الاثنين 2018/04/30
تفاعل كبير مع  الجماهير الحاضرة والمتابعين عن بعد

لندن - بعد أن كانت القنوات التلفزيونية في سباق محموم على من يحصل على حقوق البث المباشر لإحدى الفعاليات أو الحفلات، سحبت الإنترنت البساط ودخلت بكل ثقلها ساحة المنافسة وصارت تنقل بشكل آني ومباشرة كل جديد على نطاق واسع، بما يتماشى مع جمهور جديد يتابع بشغف الشبكة العنكبوتية أكثر من تواصله مع بقية الوسائل الأخرى.

قامت العديد من الجهات في شتى المجالات باستغلال الانتشار السريع للإنترنت، لتحقق نسب تواصل مع عدد كبير من متابعيها، وإشراكهم في فعالياتها المختلفة.

وكان آخرها بث كنيسة سيستينا في مدينة الفاتيكان (في قلب العاصمة الإيطالية روما)، مؤخرا، لحفل موسيقي غنائي معاصر، يعد الأول من نوعه الذي يبثّ مباشرة عبر الإنترنت، على هامش استضافتها لإحدى الروائع المعمارية العائدة لعصر النهضة الأوروبية.

المستهلكون الرقميون

كشفت دراسة استقصائية أجرتها مؤخرا بوزاف (المنصة رقم 1 للإعلانات الرقمية في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، تعمل منذ 2011 على تقريب العلامات التجارية من المستهلكين)، أن أكثر من ثلثي المستطلعين في دول مجلس التعاون الخليجي 59 بالمئة منهم يثقون أكثر بالعلامات التجارية المتواجدة على المواقع المتميزة (المشهود بكفاءاتها عبر الإنترنت)، في حين صرح 52 بالمئة أن احتمال شرائهم للمنتجات يكون أكبر عند مشاهدة إعلاناتها على مثل هذه المنصات. وتوصلت الدراسة لوجود اتجاهات مماثلة في دولة الإمارات في ما يتعلق بالإعلان على المواقع المتميزة، حيث صرح 64 بالمئة من المستجوبين الإماراتيين بأنهم أكثر ثقة بالعلامات التجارية المعلنة على مواقع متميزة. وينطبق الأمر ذاته على المقيمين العرب في الإمارات والجنسيات الآسيوية الأخرى والغربيين. وقال جيروم ماوثون مؤسس ورئيس مجلس إدارة بوزاف الشرق الأوسط وأفريقيا “تؤكد نتائج الدراسة ما نؤمن به دائما في بوزاف، وهو أن جذب انتباه الجمهور ليس كافيا، فالبيئة الاحترافية غير العشوائية التي تصل من خلالها إلى جمهورك هي بنفس القدر من الأهمية. وأصبحت العلامات التجارية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أكثر إدراكا لهذا الواقع، حيث يمكن للإعلانات الرقمية الموضوعة في غير محلها وضع سمعة العلامات التجارية على المحك، وعلى متخصصي التسويق أن يكونوا أكثر يقظة لتجنب ذلك، وأن يطالبوا شركاءهم بالإعلانات الممتازة والآمنة في الأماكن التي تحظى بقابلية رؤية عالية”. وأصبحت سلامة العلامة التجارية موضوعا ذا أولوية في مجال الإعلان الرقمي بحكم تكاثر المحتوى غير اللائق. والعلامات التجارية المحلية والعالمية أصبحت مهتمة جدا بالبيئة التي توضع فيها إعلاناتها حرصا منها على الحفاظ على سمعتها. وأشار 65 بالمئة من المشاركين في الاستطلاع في الإمارات إلى أنهم أكثر قابلية لمشاهدة الإعلانات التي لا تتداخل مع تجربتهم عبر الإنترنت، بينما قال 76 بالمئة إنهم أكثر قابلية لمشاهدة إعلان ذي صلة بالمحتوى أو المقالة التي هم بصدد تصفحها على الإنترنت. وأضاف ماوثون “تسلط نتائج دراستنا الضوء على أهمية الإعلانات المراعية لراحة الشخص المتصفح للإنترنت”.

وجاء استخدام الكنيسة، التي تعدّ جوهرة متاحف الفاتيكان، ويزورها سنويا 6 ملايين شخص ويصل عدد الزوار يوميا إلى عشرين ألفا، للشبكة العنكبوتية بهدف الوصول إلى جمهور أكبر من الحضور البالغ عدده 300 شخص بين متبرّعين ورجال دين وأصدقاء مدعوّين، وبُثّ الحفل مباشرة بالصوت والصورة على موقع “راديو كلاسيك أف أم”.

وترجع مواكبة الكنيسة لمتطلبات العصر الراهن إلى ارتفاع عدد مستخدمي الإنترنت الذين يفضلون مشاهدة المسلسلات وأحدث الأغاني والحفلات والفعاليات عبر النت.

وشهدت السنوات الأخيرة ارتفاعا متصاعدا لعدد المتابعين لخدمات بث الموسيقى والمواقع الإلكترونية التي تعنى بأخبار النجوم والمشاهير.

الإنترنت تتفوق على المبيعات

قالت هيئة دولية للتسجيلات إن خدمات بث الموسيقى على الإنترنت مثل سبوتيفاي وأبل ميوزيك أصبحت أكبر مصدر إيرادات للصناعة، متفوقة على مبيعات الأسطوانات وتحميل الأغاني الرقمية للمرة الأولى.

ووفقا لتقرير صدر عن الاتحاد الدولي لصناعة التسجيلات الصوتية، فإن النمو السريع لخدمات البث على الإنترنت في السنوات الأخيرة أدى إلى تعافي صناعة التسجيلات الموسيقية على مستوى العالم. وتشهد خدمات البث على الإنترنت نموا لإيراداتها للعام الثالث على التوالي.

وكانت مبيعات الموسيقى في عام 2014 قد تراجعت بواقع 40 بالمئة إلى 14.3 مليار دولار منذ عام 1999، عندما قوض صعود خدمة تبادل الملفات الموسيقية نابستر مبيعات الأسطوانات المضغوطة. ولم يساعد تطور خدمات مثل أبل آي تونز في الحد من انخفاض المبيعات.

وذكر التقرير أن إيرادات خدمات البث التي تعتمد على الاشتراكات مثلت 38 بالمئة من كل مبيعات الموسيقى المسجلة مقارنة بنحو 29 بالمئة في العام الذي سبقه.

وتظهر الأرقام التي وردت في تقرير الاتحاد الدولي لعام 2018، أن إجمالي الإيرادات لعام 2017 بلغ 17.3 مليار بزيادة نسبتها 8.1 بالمئة عن العام الذي سبقه.

ويقول القائمون على الصناعة إن انتشار خدمات البث الموسيقي يتيح للسوق أن تصل لمناطق جديدة في العالم ويساعد في صرف جيل من محبي الموسيقى عن الموسيقى المجانية أو المقرصنة.

وهناك مظهر آخر مختلف لاستخدام الشبكة العنكبوتية بهدف الوصول إلى أكبر عدد ممكن من المتابعين، يتمثل في الجمع بين أعضاء فرقة “أبا” السويدية الشهيرة مجددا من خلال تقنية تجسيد رقمية خلال حفل سينقل حول العالم عبر شاشات التلفزيون في الخريف المقبل، بحسب ما أعلن العضو السابق في الفرقة بيورن اولفايوس.

فرقة موسيقية بنسخة رقمية

انفصل الأعضاء الأربعة للفرقة؛ اينيتا فلتسكوغ وأني-فريد لينغستاد وبيورن أولفايوس وبيني أندرسون في 1982 بعدما هيمنوا على عالم موسيقى الديسكو لأكثر من عقد بفضل أغنيات مثل “ووترلو”.

ولم تقدم الفرقة التي باعت أكثر من 400 مليون ألبوم أي حفل مشترك منذ 1986.

وفي تاريخ لم يُعلن بعد، ستعود الفرقة إلى المسرح لكن هذه المرة على شكل مجسمات رقمية لأداء أغنية واحدة على الأقل أثناء برنامج تلفزيوني من إنتاج قنوات “بي بي سي” البريطانية و”أن بي سي” الأميركية وتشارك فيه أسماء كبيرة أخرى في موسيقى البوب.

وأوضح بيورن أولفايوس “هذا نوع من التكريم لفرقة أبا مع نسخ رقمية لأعضاء الفرقة في الوسط أسميها أباستارز”.

ولتطوير هذه الشخصيات الرقمية، أخذ “فنانون متخصصون في التكنولوجيا” في منطقة سيليكون فالي الأميركية قياسات بشرية (أنتروبومترية) دقيقة للأعضاء الأربعة في الفرقة.

وأشار أولفايوس إلى أنه “بفضل الفيديو وأسلوب مزامنة الشفاه المتكررة، هم يوجِدون نسخا رقمية” تتميز بقربها الكبير من الواقع، قائلا إن “أحدا لم يفعل مثل هذا الأمر من قبل”.

وستكون النسخ الرقمية لأعضاء فرقة “أبا” شبيهة بمظهر هؤلاء في العام 1979 الذي شهد إصدار أغنيتهم الشهيرة “فوليه فو”.

وقد يبدو جمع فرقة موسيقية افترقت لأكثر من 32 سنة بتقنيات الذكاء الاصطناعي على منصة واحدة رغم اختلاف أماكن تواجد أعضائها بالأمر الجديد، لكن تواصل الفنانين والمشاهير مع عشاقهم من مختلف أنحاء العالم ليس بالأمر الجديد، وذلك لأنه إلى جانب تقريب المواقع الاجتماعية بين أهل الفن ومحبيهم ورفع عدد متابعيهم، فإن تطبيقا ظهر منذ مدة بهدف فتح باب للتواصل معهم مباشرة ومتابعتهم بشكل أفضل.

ويتيح التطبيق المسمى (FanDate) لمستخدميه الحصول الفوري والمباشر على أجوبة على كل تساؤلاتهم واستفساراتهم من قبل مشاهيرهم المفضلين العالميين دون وسيط عن طريق فيديو أو رسالة صوتية مع إمكانية مشاركة الرسالة التي تصله مع أصدقائه على مختلف صفحاته بمواقع التواصل الاجتماعي.

ويضم التطبيق العديد من المشاهير الذين تفاعلوا مع فكرته وساهموا في الترويج له عبر حساباتهم الخاصة على فيسبوك وتويتر، من أجل كسب المزيد من المتابعين لهم ولأعمالهم، وبالتالي رفع عدد جماهيرهم بمختلف أنحاء العالم.

توسيع دائرة الجمهور
توسيع دائرة الجمهور

وبعيدا عن أجواء الموسيقى انطلقت تجربة جديدة لتوزيع الأفلام عبر تقنية بلوك تشين، من المقرر أن ترى النور يونيو المقبل عبر تطبيق “فيفيو” المخصص لتبادل محتويات الفيديو، ولم يحدّد بعد تاريخ العرض.

ومن المتوقع أن يفتح أول فيلم سيوزّع بتقنية بلوك تشين الحديثة الاستخدام في مجالي الفيديو والسينما صفحة جديدة في قطاع السينما، ويساعد على الحد من ظاهرة القرصنة.

وقال جيريمي كولفر منتج “نو بوستج نيسيسيري” ومخرجه ومؤلف السيناريو “نأمل أن يشكل عملنا هذا تغييرا في طريقة تبادل المحتويات واستهلاكها”.

وأضاف كولفر أن “التكنولوجيا لم تكن حاضرة من قبل” لهكذا مشروع “ولم تكن هناك منصة لنقل هذه الرؤية”. وتحمل هذه التكنولوجيا “الكثير من المنافع” لقطاع السينما، لا سيما في ما يخص حماية الأعمال من القرصنة. وبات من الممكن “تصوّر عالم لا مجال فيه لقرصنة الأفلام”، في نظر كولفر.

وبالإضافة إلى “نو بوستدج نيسيسيري”، تطوّرت أعمال سينمائية أخرى استنادا إلى تقنية بلوك تشين.

ومن شأن اللجوء إلى تقنية بلوك تشين في مجال إنتاج الأعمال السينمائية أن يتيح الاستغناء عن وسطاء في هذا القطاع ويزيد العائدات المخصصة لمنتجي المشروع.

12