العصر الروسي في الشرق الأوسط

الأحد 2016/09/18

الاتفاق الروسي - الأميركي في سوريا هو قناعة أميركية نادرة مؤداها الاعتراف بواقع جديد/قديم يقوم مرة أخرى على تقاسم النفوذ مع قوة مقابلة في منطقة الشرق الأوسط.

ما يحدث في المنطقة الآن ليس صراع بيادق تحاول روسيا من خلاله اختراق خطوط أميركية ترسّخت منذ انهيار الاتحاد السوفييتي. موسكو تحت قيادة بوتين صارت لديها قناعة أخرى بضرورة استبدال رقعة الشطرنج كلها بأخرى تناسب تضاريسها أبعاد النفوذ الروسي الجديد.

تبلورت هذه القناعة منذ فشل أوباما عام 2013 في منع الرئيس السوري بشار الأسد من تخطي الخط الأحمر الذي خطته واشنطن حول السلاح الكيميائي.

كانت هذه إشارة فهمها بوتين بأن الإدارة الأميركية الحالية ضعيفة. ما عادت فلسفة ضعف القوة الأعظم تبنى على اختيارها عدم التدخل في صراعات العصر الكبرى، بل عدم قدرتها على فعل ذلك.

لا يفكر السياسيون في واشنطن بنفس الطريقة “الاستشراقية” التي ينظر العرب من خلالها إلى الولايات المتحدة.

ما لم يفهمه الكثيرون في المنطقة هو أن العراق وشظاياه تحولا إلى مكابح عتيدة تكبل سواعد الجميع في الغرب عن أيّ تدخل محتمل في هذه المنطقة التي لا تخبو فيها الصراعات.

فتح غزو العراق عام 2003 ثغرة كبيرة في سد منيع كان يقف حائلا أمام فيضان إيراني مترقب على حدود المنطقة الشرقية. خيار “التقاعس عن تبنّي أيّ خيار” الذي تبنته إدارة أوباما في الأزمة السورية ساهم في فتح ثغرة أخرى لاختراق المنطقة بنفوذ روسي قادم من حدودها الشمالية.

إعادة رسم خارطة النفوذ

لكن بوتين ليس الخميني أو خامنئي. قبل بوتين كانت موسكو حريصة على الحفاظ على معسكر حلفائها في المنطقة من دون السعي نحو حلفاء الغرب. اليوم تفكر روسيا بشكل مختلف تماما، ولم يعد لديها أيّ مانع من اللعب في الحديقة الشرق أوسطية للولايات المتحدة.

في نفس الوقت ليست ثمة شكوك في أن بوتين أذكى من أن يتخلي عن قوته الرئيسية المتمثلة “مصادفة” في محور الممانعة. نفس الصدفة قادت أيضا إلى أن محور الممانعة هذا هو نفس الهلال الشيعي الذي يحاول تطويق الغالبية السنية بأيّ ثمن!

تنطبق “المصادفة” الاستراتيجية هنا على روسيا فقط، من دون إيران التي تقف كقوة محركة رئيسية خلف “المحور الشيعي الذي يتخذ شكل هلال الممانعة”.

وجد بوتين، الذي يتمتع لأول مرة منذ انهيار الاتحاد السوفييتي بفائض وفير في القوة، جسرا جاهزا عملت إيران وأذرعها لسنوات على مده من طهران إلى عواصم عربية باتت عمليا تحت سيطرتها. ما قام به بوتين هو أنه حوّل الجسر “الإيراني” في قلب العالم العربي إلى طريق إمداد لنفوذه الآخذ في الاتساع.

لو لم تكن أميركا محشورة داخل زنزانة إخفاقاتها في المنطقة، ما كانت خطة بوتين لتطمح إلى أكثر من توازن في الشرق الأوسط يضمن لها عدم عبث الغرب بنظام حكم جديد يضاف إلى نظامي صدام حسين ومعمر القذافي من دون توافق مع موسكو. في كل الأحوال يدرك بوتين أن الدخول إلى عش الدبابير ليس مجانيا.

الطبيعة الطائفية التي تحدد مسار الصراع الإقليمي اليوم قد تنعكس، في نظر جانبي الصراع أقله، على فلسفة التدخل الروسي وتحول أجندته من البحث عن توسيع نفوذ استراتيجي في المنطقة، إلى مناصرة الشيعة في مواجهة السنة.

سلوك الروس تجاه الإيرانيين في كثير من الأحيان يشبه إلى حد بعيد سلوك أسد جائع يسطو على فريسة حصل عليها للتو ضبع ضعيف.

ظلت إيران تنفق المليارات من الدولارات من أجل إبقاء نظام الأسد في سوريا على قيد الحياة. جاء الروس فجأة في سبتمبر 2015 كي يحصدوا جهود الإيرانيين العسكرية والاقتصادية دون عناء.

ليس صحيحا أن الروس لا يستغلون أيّ بعد طائفي في الصراع. ما عاد التبرير ينفع في مواجهة حقائق استراتيجية يصنعها عقل براغماتي لا يهتم كثيرا بمشاحنات تاريخية “بلهاء”.

كل ما يريده الكرملين اليوم هو توجيه هذه الصراعات، التي لا دخل له فيها، لصالح فرض إرادة موازية لتلك التي يحاول عبرها التوسع في جنوب البحر المتوسط وشماله وعبر المحيط الأطلسي. لا نفوذ لروسيا مثلا في الصراع الليبي الغارق في القبلية والمناطقية والأيديولوجية، ببساطة لأن الطائفية ليست هي المحرك الرئيس له، ومن ثم لم يجد الروس خلطة جاهزة لالتهامها هناك.

لا حاجة لبوتين لتشتيت انتباهه في صراعات جانبية لن تقدّم ولن تؤخر في طريقه نحو تحويل روسيا إلى قوة عظمى تؤخذ على محمل الجد.

لن يقبل بوتين بالخسارة في المعركة العسكرية والسياسية التي تقود إلى قطف ثمار المعركة الاقتصادية. لا تملك روسيا ترف كسر احتكارها تصدير الغاز إلى أوروبا. العقيدة السياسية الروسية صارت تقف أمام تحديث جذري لا مفر منه. خلال الحرب الباردة كان التنافس بين الشرق والغرب يتمحور حول السيطرة على الممرات المائية وطرق التجارة. اليوم صار التنافس على “ممرات الطاقة” المتمثلة في خطوط النفط والغاز.

لم يعد هناك أيّ مجال أمام روسيا للسماح بمد خط غاز قطري عبر الأراضي السورية إلى أوروبا. ثمن ذلك سيكون كارثيا على ميزانية روسية تكافح تحت وطأة العقوبات.

ثمن وأد المشروع القطري، الذي يحمل بصمات غربية، باهظ هو الآخر بالنسبة إلى روسيا التي تبدو مستعدة لتحمل فاتورته كاملة.

أول الأثمان المحتملة هو ضربات جهادية متوالية في منطقة شمال القوقاز على وقع تحول فلسفة “ركوب الطائفية” التي يتبناها بوتين في المنطقة إلى قناعة، أقله لدى الأغلبية السنية في سوريا، وربما العراق.

لا بأس لدى بوتين طالما أن الاتفاق الأخير مع الأميركيين سيخلق واقعا جديدا في المنطقة يكون لروسيا فيه الفعل، ويكون للغرب رد الفعل.

كاتب مصري

5