العصفورية

الأربعاء 2014/04/16

في لحظة ما، في المرحلة التي أعقبت توقيع اتفاقات أوسلو، كان الشهيد الفلسطيني ياسر عرفات، يتمنى لو أن الشاعر محمود درويش قبل بالدخول إلى الأراضي المحتلة، وشغل منصب وزير الثقافة في السلطة الوطنية الفلسطينية، حاول بكل طاقته الرمزية والمعنوية أن يكسر عناد الشاعر. بيد أن الشاعر كان خارج رهانات سياسة، أضحت قضيته حملا ثقيلا، لا يقبل بالحلول الملتبسة.

بعد الطلب والعناد، استسلم الزعيم في النهاية، إلى رفض الشاعر. الذي لم يكن رفضه جحودا إنسانيا، ولا عقوقا لأبوة. كان مصالحة مع شريحة كبيرة لا يهمها الحل السياسي المؤقت، ولا البراغماتي، فئة تضم الجميع من المخضرمين إلى الناس العاديين إلى الشعراء المخذولين بنهاية لم ينتظروها يوما كسقف يمتحن النوع الشعري،… فئة حالمة، وعاطفية، إنما يجمعها مع النثريين جميعا أن لا مفاوضات تختصر الخرائط، لأن لها خريطتها الكبرى في وجدان المنافي.

عاش بعدها محمود درويش محنا حياتية عديدة، ليس أقلها وقف مخصصاته كعضو سابق في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية. لكنه عاش في النهاية، وشهد تحقق حدسه جهارا. كان رائيا كبيرا، ومحبا عتيدا للحرية، تماما مثل “عصفور غير مدجن”، فالعصافير هي الكائنات الكبرى التي خلقت مجازات الحرية واستعاراتها. لهذا أعتقد أن تسمية “العصفورية” بوصفها نعتا لمستشفى المجانين في الشام، مجاز بارع، لأنه ليس في الأمر اعتقال للجسد فقط، بل للعقل الخفيف. فمن هو حر يجب أن يكون خارج “العصفورية”، له كل ملكات التصرف والوجود”.

من هنا كنت دوما أحس أن في تصرف الناقد الكبير جابر عصفور غداة الثورة المصرية، حين قبل بالدخول لحكومة أحمد شفيق نوعا من الجنون الذي يفسر لحدّ ما تسمية “العصفورية”، فجابر محب كبير للبنان وللعصافير معا؛ العصافير المادية والمجازية، لأن في الأمر فروقا كثيرة عزيزي القارئ، فالعصفور المجازي هو ذلك الذي نقول عنه دوما أننا أسقطناه هو وأنثاه بحجر واحد، وهو كناية عن الانتهازية.

بيد أن ما وقع لجابر كان تماهيا مع أسوإ دلالات العصافير، بات قريبا أكثر من “العصفورية”…. كل هذه الأشياء تقودنا معا إلى شيء جوهري هو أنه لا يمكن أن نجمع بين النزوع الأصيل للمثقف إلى الحرية وشهوة السلطة، يجب أن نختار، بين العصفور و”العصفورية”، ففي أمثلتنا الشعبية المغربية البليغة نختار ان نكني الأحمق، بالذي “افلت منه العصفور”، نقول، “زهق ليه الفرخ” أي أنه بات دون عقل مجنح والعياذ بالله… هكذا تبدو كل هذه الأشياء متراكبة ولا تنفصل عن معنى عميق ومؤسس، وهو أن لا كيان لمثقف بدون حرية، بإهدارها لن يكون عصفورا حقيقيا ويجب أن يحال على “العصفورية”.

كاتب من المغرب

15