العصملي أردوغان يتحالف مع إيران ويقطف معها الخسارة

العدو التاريخي للعرب هي تركيا منذ أن احتل النظام العصملي بلاد العرب وعمل على إذلال الشعوب العربية وتركها ترزح تحت وطأة التخلف. ولولا العصملية لما تجرّأت أيّ قوة غربية على احتلال المنطقة العربية.
الاثنين 2018/08/13
القلعة تنهار بالتدريج على يد أردوغان

تتشابه الانهيارات الاقتصادية بين طهران وأنقرة، لأن التحالف الصامت بين الطرفين يراهن على أحلام مستحيلة. كما تظهر الانتهازية السياسية في التحالف التركي الإيراني بوضوح، لأن الأطماع هي القاسم المشترك الوحيد الذي يجمع بينهما بشكل مؤقت وعابر. أما الاختلافات الأيديولوجية والصراعات التاريخية بينهما فإنها تتغلب على أي تحالف مزعوم.

تبحث إيران عن شركاء لأنها تغرق كل يوم في المستنقعات التي تعبث فيها. فكل تدخلاتها الخارجية تستنزف مواردها القليلة، وتضعها في مأزق مواجهة الانفجار الشعبي الذي يغلي في المدن الإيرانية ولا يتوقف إلا لكي يعود من جديد. أما العصملي رجب طيب أردوغان فقد ظن أنه بتحالفه مع إيران ربما يكسب شيئا من النفوذ في المنطقة، لكن ما حدث حتى الآن هو أن تركيا أصبحت مجرد شريك بائس لإيران في اقتطاف الخسائر، والدخول معها في انهيارات اقتصادية مماثلة، أدت حتى الآن في وقت متزامن إلى تراجع العملة في بلاد فارس وبلاد العصملية، التي لم تتوقف عن حقدها وكراهيتها للعرب منذ سقوط القسطنطينية. كما يفعل الفرس بالضبط، منذ سقطت حضارتهم البائدة. وبفعل ذلك يضمرون الانتقام لماضيهم من العرب، إلى أن بلغوا مرحلة متقدمة من الحقد، دفعت بهم إلى توظيف التشيّع لبث الكراهية والطائفية والانقسامات على أسس عرقية ومذهبية بعيدة عن جوهر الدين.

في المقابل كان تاريخ الأتراك مع العرب ملبّدا بالأخطاء الكارثية، ففي عهد ما تسمى بالدولة العثمانية كان الظلام والجهل وسوء الإدارة والتمهيد للاستعمار الغربي من منجزات العثمانيين. وحتى الآن ينظر العثمانيون الجدد بزعامة أردوغان إلى العرب كما كان ينظر أجدادهم، لكن الماضي لن يعود. ولم يعد لتركيا مكان لدى العرب سوى في كتب التاريخ التي تحكي عن الهمجية العثمانية وعن الجبايات الثقيلة. ولن تجد من يطبل للعصملية في وقتنا الراهن سوى المجموعات الإخوانية التي تبحث عن حبال النجاة من الفشل المتكرر، وترى في التوجه التركي الإخواني فرصة جديدة لإعادة الاستعباد العثماني من بوابة أوهام الخلافة.

لم يستوعب الأتراك والفرس أن الإسلام بحضارته وتسامحه يمتلك مخزونا أخلاقيا كفيلا بتربية النفوس والارتقاء بطبائع البشر مهما كانت قسوتهم. ونتيجة لذلك لم يتمكن الفرس والعصملية من تهذيب مشاعرهم ولم يتمكنوا من نسيان هزيمتهم الحضارية وانتهاء إمبراطورياتهم على يد العرب، الذين منحهم الإسلام قوة روحية وحضارية أتاحت لهم القضاء على ممالك وإمبراطوريات لم يتخيل أحد قبل الإسلام أنها سوف تندثر.

ولا يمكن فهم الحقد والضغينة والقسوة التي يحملها الفرس والأتراك ضد العرب إلا من هذه الزاوية. وهذا ما يفسر تحركاتهم المشتركة وتحالفاتهم رغم العداوات التاريخية التي كانت قائمة بينهم. أضف إلى ذلك أن المشترك الجديد بين أعداء الماضي أصبح يتمثل في الإعجاب والتماهي المتبادل مع تيار الإخوان المسلمين. فالنظام التركي الجديد يبني مشروعه التسلطي على التماهي مع المشروع الإخواني. كما أن الصلات والتأثيرات بين الإخوان والثورة الإيرانية وأقطابها كانت موجودة منذ عهد الخميني، وقد أثبتت وثائق ودراسات أن الخميني كان من أشد المعجبين بحسن البنا وبمشروعه التنظيمي الخطير.

حدث التوافق بين تركيا وإيران رغم أن التاريخ مليء بقصص العداء بين الطرفين، فالماضي يحفل بحروب وصراعات دامية بينهما. لذلك ينظر المراقبون إلى الوفاق الحاصل بينهما باستغراب لأنه يتناقض مع العداء القديم. فلماذا هذا الاتفاق بين نظام الولي الفقيه والعصملية الجديدة؟

لا يمكن تفسير ذلك إلا من خلال التوافق القائم بين نظام الإخوان والولي الفقيه. رغم أن التوافق الحاصل بين إيران وتركيا حاليا يعتبر مغامرة ويكشف عن ميول إرهابية من قبل تركيا وتبدّل واضح يصل إلى مرتبة الانقلاب ضد العلمانية التركية. إذ كيف لتركيا العلمانية أن تصبح تابعة لنظام الولي الفقيه؟ وخاصة أن التوافق مع إيران يأخذ تركيا بعيدا عن تاريخها العلماني القريب، ويحوّلها إلى نظام إسلاموي يراهن على مشروع الإسلام السياسي.

ظن أردوغان أنه بتحالفه مع إيران ربما يكسب شيئا من النفوذ في المنطقة، لكن ما حدث هو أن تركيا أصبحت مجرد شريك بائس لإيران في اقتطاف الخسائر والدخول معها في انهيارات اقتصادية مماثلة

هكذا يمضي العصملي أردوغان بمواقفه وانحيازاته السياسية وتحالفاته في اتجاه يقود مع الوقت إلى تدمير العلمانية التركية. لكنه يطبخ خطته على نار هادئة، وليس كما فعل الإخواني المصري محمد مرسي، الذي أراد أخونة الدولة المصرية سريعا فسقط بالسرعة ذاتها. لأن تهوّر إخوان مصر ورغبتهم في تنفيذ مشروعهم بأسرع وقت هو الذي قضى عليهم، وتنبهت المخابرات المصرية إلى مشروع الإخوان التخريبي الذي كان يهدف إلى تقويض أسس الدولة المصرية الحديثة وتحويلها إلى ولاية إخوانية في خدمة مشروع التنظيم الدولي للإخوان الذي يحلم بإقامة خلافة جديدة. وهو الأمر الذي وجد هوى في نفس العصملي أردوغان، وأصبح يقدّم التجربة التركية باعتبارها جسرا للإسلام السياسي نحو استعادة الخلافة على الطريقة العثمانية.

كان السقوط السريع لمشروع الإخوان في مصر سببا في الشعور الجماعي بالهزيمة والانكسار لدى أقطاب الإسلام السياسي. فاستغلت تركيا ما حدث وعملت بالتعاون مع قطر والتنظيم الدولي للإخوان على خلق بديل للمشروع الإخواني. وقدم أردوغان نفسه كبديل جاهز. وساعدته على الانتفاخ والبقاء في دائرة وهم الخليفة المرتقب مجموعة من المنظرين الإخوان، مثل التونسي راشد الغنوشي، الذي يميل مثل أردوغان إلى طبخ التحوّل على نار هادئة، وكان الغنوشي من أشدّ المعترضين على تهوّر إخوان مصر واستعجالهم.

من الناحية العملية وبناء على المؤشرات السياسية التي تتجمع في تركيا على مستوى التحولات داخل المجتمع التركي وداخل بنية السياسة التركية الرسمية، ينبغي على أولئك الذين كانوا ينظرون إلى تركيا باعتبارها قلعة علمانية في الشرق الأوسط أن يعيدوا حساباتهم، لأن تلك القلعة تنهار بالتدريج على يد أردوغان. فهو ينفذ خطته الجهنمية لتحويل تركيا بكافة مؤسساتها إلى بؤرة إخوانية وحاضنة للإسلام السياسي ونقطة ارتكاز لتجميع كل الإرهابيين والمنظرين، بما فيهم أولئك الذين يقسّمون العالم كما كان يفعل زعيم القاعدة أسامة بن لادن إلى فسطاطين وإلى دارين؛ دار كفر ودار إسلام. ويعدّ إحياء هذه الثنائية الخطيرة تمهيدا لتبرير وشرعنة الإرهاب في المستقبل. وعندما نراجع دور تركيا في تسهيل تنقل الإرهابيين عبر مطاراتها وأراضيها، تتراكم أدلة تكشف أن مشروع أردوغان لم يعد نظريا، بل انتقل إلى مرحلة التمكين العملي.

وأخطر ما في مشروع أردوغان أنه يعتمد أسلوب طبخ التحوّلات على نار هادئة، ويخطط التعديلات وينفذها بهدوء ولا يستعجل.

ونستطيع الآن ملاحظة أن الضرر الاقتصادي الحاصل في إيران وتركيا ناجم عن التحالف بينهما. ونلاحظ الهبوط الحادّ في عملة البلدين، كما يمكن لمس التدهور الاقتصادي من خلال المؤشرات المعلنة في كلا البلدين. ولو أنجزنا مقارنة بين إيران وتركيا بالتركيز على الأخيرة سوف نلاحظ أن عداوة تركيا للعرب عداوة تاريخية منذ القرن الخامس عشر. فالعدو التاريخي للعرب هي تركيا منذ أن احتل النظام العصملي بلاد العرب وعمل على إذلال الشعوب العربية وتركها ترزح تحت وطأة التخلف. ولولا العصملية لما تجرّأت أيّ قوة غربية على احتلال المنطقة العربية.

الواضح حاليا أن هناك ارتهانا من قبل المجموعات الإخوانية العربية للمخابرات التركية، التي توفر بتمويل قطري فرص الحياة والنشاط الاستثماري والاستقرار للهاربين من مصر وغيرها. ويتبادل الإخوان مع النظام التركي مصالح محددة. ومقابل التسهيلات التركية عمل الإخوان العرب بشكل ممنهج على نفخ أردوغان ومنحه الشعور بإمكانية إعادة بناء الخلافة العثمانية. وكان من المضحك أن الإخوان يحتفلون على وسائل التواصل الاجتماعي بفوز أردوغان في الانتخابات الموسمية أكثر من الناخبين الأتراك أنفسهم، ورغم ذلك الجهد الفاشل تخبرنا دروس التاريخ القريب أن العصملية لن تعود من جديد لتحكم العرب.

8