العصيدة طبق تقليدي راسخ يقاوم إملاءات الحداثة في الجزائر

الأحد 2016/12/11
موروثات الماضي

رغم وفرة المحال التجارية ومساحات البيع على مختلف المواد والأطباق الجاهزة التي تدخل في إعداد المأكولات الشعبية ذات الدلالات الاجتماعية والثقافية والحضارية، فإن أغلب السيدات في الجزائر، يفضلن ما يتم إعداده بأيديهن في البيت لتحضير الأطباق المعروفة في مختلف الأعياد والمناسبات، نظرا ما للعملية من لمسة ونفس، يرتبط بموروثات الماضي، وإبداعات الأمهات والجدات في فن الطبخ بشكل عام.

تعكف معظم العائلات الجزائرية هذه الأيام على اقتناء المواد الأساسية من المحال ومساحات البيع، بغية إعداد الطبق العائلي الذي يحضر بمناسبة الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، ورغم تراجع القدرة الشرائية أمام موجة الغلاء الفاحش خلال الأشهر الأخيرة، فإن تلك العائلات تبقى وفية لعاداتها وتقاليدها الموروثة، في طبخ طبق العصيدة باختلاف ألوانها وأذواقها بين منطقة وأخرى، للاحتفال بعادة المولد، المعروفة في مخيال الجزائريين بـ”المولود”.

واللافت أنه رغم وفرة وانتشار عروض الطبخ وإعداد الأطباق العصرية والتقليدية، في مختلف الوسائط السمعية والبصرية والعنكبوتية، إلا أن أغلب سيدات الجزائر يفضلن العودة في هذه المناسبة إلى ما ورثنه عن الأمهات والجدات في طبخ الأكلات الخاصة بإحياء الذكرى، لما للمسألة من بعد نفسي واجتماعي، فالحنين والشوق للماضي لا يمكن لأرقى العروض الحديثة أن تعوّضه.

ورغم تفاوت الإمكانيات المادية من عائلة إلى أخرى، إلا أن الحرص على طبق العصيدة بمناسبة المولود، لا زالت سارية في مختلف ربوع البلاد، ولو أن البعض دُفع تحت إكراهات الغلاء إلى الاستغناء عن بعض المركبات، كاللحم الأحمر والأبيض الذي يدخل في تركيبة طبق “الرشتة”، فإن الأصناف البسيطة في العصيدة لا زالت محل اهتمام وحرص العائلات.

ويختلف شكل وذوق واسم وتركيبة عصيدة المولود في الجزائر من جهة إلى أخرى، ومن ناحية إلى ناحية، فقد تجد داخل العائلة الواحدة العديد من الأطباق خاصة للاحتفال بالذكرى، خاصة إذا كانت العائلة كبيرة، وفيها زوجات حملن عادات وتقاليد أسرهن إلى بيت العائلة الجديدة، فتجد فيهن من تعد “الخفاف” وأخرى “المسفوف” أو “الرشتة”، وواحدة أخرى “الطمينة”.

ويذكر مهتمون بهذا الشأن، أن الاحتفال بالذكرى يعود لارتباط الأمازيغ بالموروث الإسلامي، وبتزاوج الحضارات المتعاقبة، حيث تجد من العادات من يمتد لأصول أمازيغية وأخرى عربية وحتى فرعونية، والملاحظ في الجزائر، أن الحدود التي قسمت منطقة شمال أفريقيا، لم تستطيع إزاحة العادات والتقاليد المشتركة، ففي الشرق الجزائري هناك تشابه لطبق العصيدة مع ما يطبخ في تونس، وفي غربها يتشابه مع ما هو موجود في المغرب، وفي الوسط يغلب عليها الطابع الأمازيغي وحتى الأندلسي، بينما لسكان الصحراء عصيدتهم كذلك، ترتبط بالمد التارقي والأفريقي.

وتعتبر أطباق الشخشوخة، المسفوف، الرشتة، الكسكسي، الطمينة، الرفيس، الخفاف.. وغيرها، من أشهر الأكلات التي تطبخ خصيصا لاحتفال العائلات بذكرى المولد النبوي الشريف، وتعرف اختصار بالعصيدة، في حين ترى عجوز سبعينية في سؤال لـ”العرب”، عن هذه العادة، بأن “العصيدة الحقيقية هي أكلة بسيطة يطهى فيها السميد (الدقيق) ويضاف إليه زيت الزيتون أو السمن والسكر، ويشترط أن تكون على نار الحطب وتطبخ في الأواني الطينية”.

وأضافت “في الوقت الراهن لم يعد بإمكان كل العائلات امتلاك موقد في باحة البيت لطبخ هذه الأكلة الشهيرة بمناسبة ذكرى المولد، وهناك ما يعرف بعادة العصيدة التي تطبخ فيها أطباق معينة بالمناسبة تسمى مجازا بالعصيدة، بينما تسميات وشكل وتركيبة وذوق تلك الأكلات تختلف من منطقة إلى أخرى في البلاد”.

كاتب من الجزائر

20