"العصير السحري" يروي العطاشى في الرباط

تستفيد الشعوب من ثقافات بعضها وخاصة في عاداتها الغذائية التي بنيت على التجربة، فالعصائر مثلا انتقلت من مكان إلى آخر ومن شعب إلى شعب وتطورت حتى أصبح لها طابع عالمي، فلا نعرف مصادرها الأصلية، لكن عصير قصب السكر لم تعرفه شعوب شمال أفريقيا إلا في فترة متأخرة بعد أن انتقل من المشرق ليصل إلى الأسواق الشعبية في الرباط.
الأربعاء 2016/04/13
اقرأ وصفة المنافع قبل ان تشرب العصير

الرباط - أطلق على عصير قصب السكر في المشرق، ودول الخليج اسم “العصير السحري” لما له من فوائد علاجية وغذائية متنوعة.

وما إن تقودك قدماك إلى المدينة العتيقة بالرباط، وتتوغل في أزقة السويقة الضيقة كالملاح، والكزى، والقناصلة، وسوق السباط، حتى تجد نفسك وسط أسواق مزدحمة بالسلع والتجار.

وستجد أيضا مظهرا جديدا في هذه الأسواق الشعبية: آلة جديدة خضراء، وإلى جانبها حزمة قصب السكر، وسلة ليمون مقطع إلى شرائح.

الآلة التي سميت بمعصرة “العصير السحري” ظهرت في المغرب بمدينة مراكش أول مرة في العام 2007 بشكل خجول، وقد تم استيرادها من مصر، فمصر والأردن والبرازيل وكوبا وأفغانستان من الدول التي عرفت شعوبها هذا العصير.

وقبل سنتين ظهرت واحدة من هذه المكائن في مدينة الرباط بالسويقة، في بداية زنقة الكزى، ثم انتشر استعمالها، وكثر زبائنها من هواة تناول هذا العصير ذي المواصفات العلاجية والغذائية المتنوعة. وبداية الربيع الحالي انتشرت هذه الآلة في مدينة الرباط، فوصل عددها في السويقة وحدها إلى أكثر من عشر آلات.

ويشير المؤرخ المغربي عبدالحق المريني إلى بداية زراعة قصب السكر بالمغرب، فيقول إنه “يعود إلى الفتح الإسلامي، إذ نقل العرب المسلمون زراعته إلى الكثير من الدول العربية المفتوحة. وانتشرت زراعته في المغرب العربي بداية القرن التاسع الميلادي، وانتقل منه إلى الأندلس وصقلية”. ويضيف المريني “وذكر فوائد عصيره المؤرخون الأولون كابن خلدون وأبن حوقل وأبي حنيفة الدينوري، وغيرهم في كتاباتهم للوصفات الطبية، لمعالجة الأمراض المختلفة في عصورهم. وانتشرت زراعته في المغرب في مناطق مختلفة من بينها أقليم سوس في الجنوب، والأطلس الصغير حتى وادي درعة، تارودانت، وسلا، وفي الشمال طنجة والصويرة ووادي نفيس.

الشاب أيوب المنصوري (30 عاما)، صاحب معصرة بالسويقة، أكد أنه لم يكن يتصور أنه سيعمل على إحدى هذه الآلات، فقد كان يبحث عن مشروع يديره، وقرأ ما كتبه أطباء التغذية عن فوائد عصير قصب السكر مصادفة، مما شجعه على البحث عن طريقة عملية للحصول على آلة لإنتاج عصير قصب السكر.

عصير قصب السكر يعالج التهابات العيون، والمعدة، والقلب، لأن فيه مضادات للأكسدة الأمينية، مما يساعد في تنظيف الشرايين من الدهون ومنع تصلبها

يقول ضاحكا “من حسن حظي وقع نظري بعد ذلك في شبكة الإنترنت على هذه الآلة، التي تعصر قصب السكر، فقررت أن أشتريها. وبالفعل اشتريتها بعشرة آلاف درهم ( الدولار يساوي نحو 9 دراهم) مع النقل وهي صناعة صينية”.

وأضاف “لقد رأيت آلة من نوعية ثانية مستوردة من مصر قبل سنوات، وهي أصغر حجما، لكنها أغلى سعرا، لذلك فضلت شراء هذا النوع”. وعن طريقة عملها، يقول أيوب “أضع قصب السكر في الفتحة العليا مع شرائح الليمون، ومن الفتحة المخصصة يبدأ العصير بالسيلات بعد تشغيل المعصرة. أبيع الكأس بخمسة دراهم، والحمد لله أحقق في اليوم دخلا جيدا.

والكثير من زبائني من الفنانين والصحافيين المشهورين كسعيد الناصري وسميرة سعيد المطربة المعروفة، وبوعشرين، ومحمد مفتاح وعبدالكبير الركاكنة، وغيرهم يتناولونه لأطفاء العطش وكعلاج”.

المانشيت العريض الذي خُط على ظهر المعصرة وضح الفوائد التي سيجنيها الزبون من هذا العصير، وهو يغري حقا المشهورين وعامة الناس، الأغنياء والفقراء، لتناول هذا المشروب السحري.

كُتب المانشيت باللغة العربية والفرنسية “تخفيض نسبة الكولسترول السيء في الدم، وقاية فعالة ضد أمراض القلب الوعائية، يساعد على تكسير الحصى في الكلى، التخفيف من آلام الأقدام أثناء المشي، يمنح الجسم طاقة فورية، غني بفيتامين أ وسي، يحتوي على نسبة هامة من الألياف الغذائية، يتوفر على نسب مختلفة من الحديد والكالسيوم والفسفور والبروتينات، ومفيد للحوامل”.

سي محمد العوينة يعمل بمزرعة لقصب السكر في نواحي سلا ويشارك المنصوري في عمله، يوضح قائلا “أعمل في أرض العائلة، وهي بحدود خمسة هكتارات، ونزرع فيها قصب السكر، لما يوفره بيعه لمصانع صنع سكر السانيدة من أرباح.

وكذلك لتشغيل مشروعنا الصغير هذا، وقصب السكر يحتاج إلى طقس معتدل ومياه سقي وفيرة، وينضج القصب ابتداء من أبريل ولغاية يونيو.

يوجد أكثر من ثلاثين نوعا من قصب السكر

لذلك نستقبل الربيع بعصير قصب السكر ونودع الصيف به، ويوجد أكثر من ثلاثين نوعا من قصب السكر، منها السيكيمي، والصلب، والعفوي، والفورموزي، والزغابي، والمخزني وغيرها”.

وأضاف العوينة “يبلغ سعر الطن من قصب السكر نحو 45 درهما، وهو سعر معقول، مما يجعل ثمن عصيرنا أقل كلفة”.

يقول د. هشام فنيش المتخصص في التغذية الصحية عن فوائده “قصب السكر ينتمي إلى الفصيلة النجيلية. ومن فوائده تنشيط الكبد، ويساعد الجسم في إفراز مادة الـ’سيروتونين’ المهدئة، كما ينشط عمل الكليتين، ويمنع الأمساك، ويقوي العظام، وفيه الحديد والكالسيوم، ويعالج النقرس. وفيه كمية كبيرة من الفسفور والفيتامينات، ويعالج البنكرياس، وأمراض البرد كالسعال.

وتوجد فيه حوامض أمينية مفيدة، ويفيد الحوامل، كما أنه يعالج التهابات العيون، والمعدة، والقلب، لأن فيه مضادات للأكسدة الأمينية، مما يساعد في تنظيف الشرايين من الدهون ومنع تصلبها”.

وأضاف فنيش عن محاذير استخدام العصير “من الضروري وضع شرائح الليمون ليتم مزج عصيرها مع عصير القصب، وذلك للقضاء على أي نوع من البكتريا المضرة اللاصقة بلحاء القصب. ويجب استهلاك عصير قصب السكر خلال فترة نصف ساعة إلى ساعة، لئلا يفقد الكثير من صفاته العلاجية المفيدة، ولئلا تتأكسد حوامضه وتتحلل، مما يسبب بعدها اضطرابات في الجهاز الهضمي.

وفي رمضان أوصي بتناول العصير بعد عصره مباشرة، وعدم خزنه في الثلاجة لأكثر من ساعة، إلى حين حلول وقت الإفطار. وكذلك ينبغي تحذير مرضى السكري من عدم تناوله على معدة فارغة، لأنه يحتوي على نسبة عالية من السكر، مما يؤدي إلى ارتفاع مفاجئ للسكر في الدم”.

20