العطاء سلاح كبار السن في مواجهة تحديات الشيخوخة

عندما ينتقل الإنسان إلى مرحلة الشيخوخة، فإن معتقداته ومخاوفه قد تأخذ اتجاهاً مختلفاً عن المراحل العمرية السابقة. ومع فقدانه السيطرة على توالي سنوات العمر، يتبقى لديه جزء من الإرادة للسيطرة على الكيفية التي سيدير من خلالها هذه المرحلة العمرية الحرجة بنجاح، وكيفية التعامل مع الإحباطات وتطويع الثقة بالنفس والتعامل مع المتطلبات الجديدة بغرض إدارة دفة الحياة والوصول إلى المرسى الأخير، بأقل الخسائر.
الأربعاء 2015/07/08
العديد من كبار السن يستمرون في إنتاج مصادر عيشهم ويواصلون تقديم خدماتهم

على الرغم من أنه سن التقاعد أو الاسترخاء، إلا أن عديد من كبار السن يرفضون الخنوع لهذا الواقع ويستمرون في إنتاج مصادر عيشهم ويواصلون تقديم خدماتهم لأفراد المجتمع، حتى وإن كانت بصورة محدودة.

ترى الدكتورة كاترين رولاند؛ أستاذة في مدرسة شيكاغو لعلم النفس المهني في العاصمة الأميركية واشنطن، بأن بعض المسنين يسعون إلى إيجاد عمل بصورة جدية إلا أنهم يواجهون بعض العوائق في ما يتعلق بالشواغر لكبر سنهم، ومع ذلك هنالك دوماً فرصة للعمل التطوعي الذي يمكنه أن يحقق هذه الحاجة للاندماج في المجتمع سواء أكان غير مدفوع الأجر أو بأجر زهيد، وليس بالضرورة أن يتضمن العمل خارج المنزل وما يمثله من صعوبات التنقل إذ أن التقنية الحديثة وفرت خيار العمل من المنزل، أو تقديم خدمة لمن يحتاجها ولا يستطيع تحّمل تكلفتها؛ مثل تقديم الدعم المعنوي للمعاقين أو المسنين العاجزين عن الحركة وربما القراءة لفاقدي البصر، وقد تأتي خدمة الآخرين في شكل مدونات أو رسائل على الانترنت تتضمن خلاصة خبرة السنين من تجارب ونجاحات، يمكنها أن تقدم خدمة مجانية للقراء لإثراء تجربتهم في الحياة.

وتؤكد رولاند في مقالها الأخير في مجلة “علم النفس” الأميركية، على أن لسن الشيخوخة أحكامه التي قد تتمثل في سلسلة من الأمراض والمعوقات الصحية، التي تحدد من حرية الحركة إضافة إلى الآلام التي تسبب إحباطاً ويأساً لدى أغلب المسنين، إلا أن الاتجاه الإيجابي في التعامل مع الظروف الصحية وإحكام السيطرة على بعض المفردات اليومية والتعامل المرن مع ظروف الواقع، أياً كانت مثبطاته من شأنه أن يضفي بعض التغيير ويضيف دوراً مهماً من أدوار الحياة تمثلها الشيخوخة وليس هامشياً كما يراه البعض.

ويرى الدكتور تشالز دوجن؛ طبيب أميركي واستشاري في الطب النفسي في مركز ويست كالدويل الصحي ومؤلف كتاب “الإلهام غير المتوقع في دور رعاية كبار السن”، بأن الشعور بالرضا وبأننا في حال أفضل لا يحتاج إلى معجزة، فالأمر يتطلب فقط إدارة واعية لمكونات حياتنا اليومية.

متخصصون ينصحون الناس الذين ينساقون وراء مخاوفهم وظروف حياتهم السيئة، بالبحث عن الخلاص في التفاصيل الصغيرة

ويستنتج دوجن من خلال خبرته الطويلة في التعامل مع كبار السن في دور الرعاية الاجتماعية، بأنه لم يتوصل إلى هذه النتيجة بإجراء مقابلات وحوارات نظرية مع المسنين لسبر منابع الحكمة لديهم، وإنما من خلال معايشتهم بصورة مباشرة.

ومن خلال اتباعه لمناهج بحث مختلفة للحصول على المعلومات تبين له بأن فئة كبار السن لا تمثل نفسها فقط، بل تمثلنا جميعاً في طريقة تعاطيها مع مشكلات الحياة اليومية على اختلاف أهميتها، كما أن العديد من الطرق التي يتبعها هؤلاء لمواجهة تحديات الحياة المعقدة، يمكنها أن تمثل نموذجاً يحتذى للتعامل مع المحن التي نواجهها نحن أيضاً.

ويؤكد الدكتور دوجن على أن تجربته في دار المسنين منحته المقدرة على تثمين الدور الذي تمثله كلمات التعاطف، الرحمة، الرعاية، والتواصل الاجتماعي كقوة فاعلة في تحقيق الشفاء من الهموم ومواجهة المحن والتحديات. كذلك الدور المهم الذي تلعبه المشاعر كمفتاح لفهم الآخر وتحفيز الأفعال وكيفية التواصل مع الناس، وضرورة إيجاد معنى وهدف للحياة مع ما تمثله القيم الروحانية في الحصول على الأمان النفسي والشعور بالرضا.

وعلى الرغم من أن العالم حولنا يعج بالآلام والحروب والدمار، فإن من اليسير بمكان أن تتسرب إلينا مشاعر الحزن واللاجدوى واليأس من إمكانية تغيير حياتنا إلى الأفضل، طالما أن الأمر مرهون بتغيير العالم من حولنا وهو أمر مستحيل، لكن يبدو بأن النجاح في ذلك لا يبدأ من الخارج وإنما من ذواتنا. فعلى الرغم من أن المسنين في دار الرعاية الاجتماعية يعانون الوحدة والانفصال عن الأهل والمرض والتقدم في السن، إلا أن هذا ليس مدعاة للاكتئاب والاستسلام للواقع مهما كانت تفاصيله صغيرة وغير ذات قيمه.

العديد من الطرق التي يتبعها كبار السن لمواجهة تحديات الحياة المعقدة، يمكنها أن تمثل نموذجا يُحتذى

أشرف دوجن على علاج بعض الحالات المستسلمة وذلك بحثها على العناية بالتفاصيل الصغيرة من حياتها اليومية؛ كالاهتمام بالمظهر والنظافة الشخصية وتنظيم غرفة المعيشة ومشاركة المسنين الآخرين نشاطاتهم إضافة إلى إيجاد وسائل تسلية يمكنها أن تضفي الفائدة وتنمي الثقة بالذات، كذلك الابتعاد عن مصادر الإحباط مثل الاستماع إلى الأخبار المحزنة في التلفاز، فلاحظ تغييراً إيجابياً قد طرأ على حياة هؤلاء المسنين شابه الكثير من التفاؤل والاندماج في بيئة المجتمع الصغير، على الرغم من أن الجوانب المهمة والأساسية في حياتهم استمرت على حالها كالمعاناة من المرض والآلام التي لم يطرأ عليها أي تتغير.

وينصح متخصصون الناس الذين ينساقون وراء مخاوفهم وظروف حياتهم السيئة، بالبحث عن الخلاص في التفاصيل الصغيرة بدلاً عن محاولة إصلاح العالم الذي حولهم؛ ففي الأولى يكون المرء سيد مصيره والمسيطر على ظروفه المتواضعة وفي الثانية سيواجه العجز والفشل، لأنه يبحث عن حلول غير واقعية خارجة عن مقدرته الذاتية.

21