العطب الإسلاموي العميق

الاثنين 2013/09/09

عند نهاية الأحداث نستعيد الشّريط ونستدعي سؤال التّقييم. والسؤال الآن، هل كان الإسلام السياسي كما كان يبدو بالفعل، تياراً كاسحا وطوفاناً جارفاً لا حول ولا قوة لكل القوى المدنية أمامه؟

كان المفكر المغربي محمد عابد الجابري يحذرنا بأننا نحن «العلمانيين» لا نمثل أكثر من عشرة في المئة من المجتمع، ومقصود قوله إن الإسلام السياسي يمثل التسعين في المئة الباقية، وإن علينا أن نتواضع أمام حقيقة أن لا شيء يمكن فعله بدون الإسلاميين، حتى ولو اضطررنا في الأخير إلى التخلي عن مفهوم العلمانية.

في نفس الأجواء من «التهويل» ظنّ عالم الاجتماع الفرنسي فرانسوا بورغات أنّ الإسلام السياسي هو الوريث الشرعيّ لحركات التحرّر الوطني. أعلن ذلك في كتاب أصدره عام 1988 بعنوان «الإسلام السياسي المغاربي صوت الجنوب». لكن تورّط الإسلام السياسي الجزائري في منزلق حرب أهلية طويلة الأمد وبلا أدنى أفق، وما تبع ذلك من تغوّل لتنظيم القاعدة، كل ذلك أفسد الرهان. وفي الأخير توارى بورغات وأطروحته عن الأنظار.

في ذات الأوقات راهن المناضل البريطاني كريس هارمن على الإسلام السياسي لغاية مواجهة قوى الإمبريالية الرأسمالية، وجاء ذلك في مقال تأسيسي شهير كتبه عام 1994 بعنوان «النبيّ والبروليتاريا»، أكد فيه بأنّ الإسلام السياسي قد يكون حليفاً في معركة مواجهة الإمبريالية، ومن ثم يمكن التحالف معه على قاعدة: «مع الإسلاميين: أحياناً حين يكونون في موقع المعارضة، وأبداً حين يكونون في موقع السلطة». غير أنّ ولاء الأصوليين كافة لاقتصاد السوق وعداءهم الغريزي للسياسات الاجتماعية قد أسقط كل رهان على «بروليتاريا محمد». وبعد ذلك لم يعد هارمن إلى الكلام في هذا الموضوع.

وفي نفس الأثناء عوّل الفيلسوف الفرنسي ألان غريش على الإسلام السياسي لأجل دعم نوع من الإيديولوجية العالم- ثالثية في مواجهة المركزية الغربية، لكن المشكلة في الأخير أن الإسلاميين لم يتورعوا عن تدمير كل مقومات الاستقلال الوطني، واختزلوا السيادة في مجرّد لحية وحجاب وصلوات مرئية.

وبالموازاة، نهض المفكر السويسري طارق رمضان ليفتّشَ للإسلام السياسي عن موقع داخل الحركات المناهضة للعولمة الرّأسمالية. لكن ولاء الأصوليين لاقتصاد السوق، وعدوانهم المستمر على القوى التقدمية، وتبنيهم لنزعة المعادية للثقافة الغربية، قد أضعف رهانه حول إسلام سياسي تقدمي.

فوق هذا، وقبل كل هذا، راهنت الإدارة الأميركية ردحا طويلا من الزمن على الإسلام السياسي في حربها على الشيوعية، وعلى القومية العربية، وعلى حركات التحرّر جميعها، ثم راهنت عليه أخيرا لغاية تحييد العنف الجهادي، لكن معضلة الإسلام السياسي أنه سرعان ما وفّر الغطاء لمزيد من التطرّف الجهادي في سيناء وتونس واليمن وليبيا وسوريا وغيرها. ومرّة أخرى، وربما للمرّة الأخيرة، أخفق الرهان. في مقابل هذه الرهانات المفلسة، قلة من أدركوا منذ البدء أنّ حركة بلا مشروع هي حركة بلا مستقبل، وأن الإسلام، مهما قيل عنه، فإنه لا يمثل بيئة حاضنة للدّولة الدينية، وأنه من ثمة مفتوح على أفقين لا ثالث لهما: إما الدولة المدنية أو الفتنة الدائمة.

لقد كان الباحث الفرنسي أوليفييه روا سباقا إلى التبشير بأطروحة نهاية الإسلام السياسي، وذلك في كتابه «فشل الإسلام السياسي» الصادر عام 1992. وأعقبه جيل كبيل في كتابه «جهاد: انتشار الإسلام السياسي وانحساره»، والذي قارن فيه بين الإسلام السياسي والتجربة الشيوعية التي انتهت إلى الانهيار. لكن، هل كان أحد ينتظر انهياراً بهذه السّرعة؟

من نافلة القول إن الإسلام السياسي في السنوات الماضية كان يمثل قوّة انتخابيّة ضاربة، مستفيداً في ذلك من مناهج التهييج الدّعوي ومهارة العزف على أوتار الحمية الدينية. لكن المؤكد أن كل هذا لم يكن كافياً. فبعد بلوغ الإسلام السياسي مواقع المسؤولية في دول الرّبيع العربي لم تعد الغوغائية تجدي نفعاً. وفي كل الأحوال يستطيع رجل الدّولة الملتحي أن يصلي ما يشاء، ويُبَسمل متى يشاء، ويُسَبح أينما يشاء، ويُكَبر في وجه من يشاء، لكنه في آخر المطاف عليه أن يتعامل مع ملفات موضوعة على الطاولة. وهنا مكمن العطب العميق.

* كاتب مغربي

8