العطش يُهدّد تونس بعد استنزاف مخزون مياهها السطحية والجوفية

دفع انقطاع مياه الشرب عن عدد من المدن التونسية إلى خروج المواطنين للتظاهر، وسط ارتفاع التحذيرات من إمكانية مواجهة تونس لأزمة مياه ما لم يتم اتخاذ الإجراءات الضرورية لإنقاذ الموقف.
الجمعة 2016/08/12
الماء قبل التنمية

تونس - بدأ العطش يُلقي بظلاله على تونس التي يُعاني سكان عدد من محافظاتها من ندرة المياه الصالحة للشرب في خضم صيف ساخن، دفعهم إلى تنظيم مظاهرات ومسيرات احتجاجية، قابلتها حكومة تصريف الأعمال الحالية برئاسة الحبيب الصيد، بدق ناقوس الخطر، وسط قلق متزايد من تفاقم عجز مخزون المياه السطحية والجوفية للبلاد.

ويقول خبراء إن قلق السلطات الرسمية، له ما يُبرره، لأن كل المؤشرات تدل على أن تونس مُقدمة خلال السنوات القليلة القادمة على العطش ما لم يتم اتخاذ الإجراءات الضرورية لإنقاذ الموقف عبر تدابير وبرامج واضحة تأخذ بعين الاعتبار حجم مواردها وكيفية التصرف فيها رغم محدوديتها.

وتشهد قرى ومدن غالبية المحافظات التونسية منذ بداية الصيف الحالي، اضطرابات صاخبة تخللتها عمليات غلق للطرقات بالحجارة، للاحتجاج على استمرار انقطاع مياه الشرب، واقتراب سكانها من العطش، في سابقة لم تعرفها تونس من قبل.

وتزايد منسوب تلك الاحتجاجات خلال اليومين الماضيين، في قرى محافظة جندوبة بشمال غرب البلاد، التي رغم أنها تُصنف بأنها محافظة زراعية تتميز بموارد مائية هامة تُقدر بأكثر من 700 متر مكعب، منها نحو 59 بالمئة مُعبأة، أي حوالي 16بالمئة من إجمالي الموارد المائية للبلاد، فإنها عرفت الكثير من الاحتجاجات بسبب انقطاع مياه الشرب.

وأمام هذا الانقطاع المتواصل لمياه الشرب، اضطر أهالي تلك المحافظات إلى استبدال شعار تحركاتهم الاحتجاجية بالمطالبة بالماء قبل التنمية، خاصة وأنهم باتوا مضطرين لشراء المياه بأسعار مُرتفعة.

وفيما تتواصل تلك الاحتجاجات، وسط تحذيرات من الانعكاسات السلبية على الصحة والبيئة جراء ندرة المياه، لم يتردد المرصد التونسي للمياه في التحذير من “انتفاضة عطش في تونس” بسبب حرمان المواطن من حقه الدستوري في الحصول على الماء.

ولفت في بيان وزعه الأربعاء إلى أنه “رصد انقطاعات متكررة ومتواصلة للمياه الصالحة للشرب في عدة مناطق من البلاد، منذ شهر مارس الماضي، وبالتالي فإن السلطات المعنية تتحمل مسؤولية “ما قد يترتب على الاحتجاجات الاجتماعية المختلفة التي قد تأخذ منحى تصعيديا خلال الأيام القادمة”.

ولا يستبعد المراقبون أن تتحول هذه المعضلة الجديدة في قادم الأيام إلى ما يُشبه القنبلة الموقوتة التي قد تنفجر في أي لحظة في وجه حكومة الوحدة الوطنية التي يعمل حاليا رئيس الحكومة المُكلف، يوسف الشاهد، على تشكيلها، خاصة وأن حكومة تصريف الأعمال الحالية برئاسة الحبيب الصيد سبق لها أن دقت ناقوس الخطر للتحذير من تداعياتها المُرتقبة.

وعقدت حكومة تصريف الأعمال التونسية في السادس من الشهر الجاري مجلسا وزاريا بحضور سعد الصديق وزير الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري ومحمد الداهش رئيس مدير عام الشركة الوطنية للاستغلال وتوزيع المياه، وذلك لبحث منظومة المياه الصالحة للشرب.

وأقر وزير الفلاحة التونسي بعد ذلك الاجتماع بأن بلاده تُصنف بأنها واحدة من الدول التي تعيش تحت خط الفقر المائي بالنظر إلى مواردها المحدودة، ذلك أن حصة الفرد التونسي من المياه تُقدر حاليا بنحو 460 مترا مكعبا، مقابل نحو 1000 متر مكعب كمعدل حددته الأمم المتحدة لقياس الفقر المائي.

وقبل ذلك، كان وزير الفلاحة التونسي قد أرجع أزمة المياه التي تعيشها بلاده، إلى “النقص الحاد في الأمطار التي تراجعت بنسبة 28 بالمئة، ما تسبب في نقص بلغ 25 بالمئة في مخزون المياه الصالحة للشرب”.

ولكنه أقر في المقابل بأن هذه الأزمة “طالت المياه السطحية والجوفية، حيث جفت مياه بعض السدود تماما، منها سد ‘وادي نبهانة’، ما استدعى التفكير في المستقبل عبر بناء استراتيجيات تهتم بتحويل فوائض المياه المتأتية من الفيضانات، وتركيز محاور لتزويد مناطق عدة بماء الشرب”، على حد قوله.

وأوضح أن تونس “تعمل حاليا على تطوير مواردها المائية التقليدية وغير التقليدية مثل تحلية مياه البحر لضمان الأمن المائي”، كاشفا في هذا الصدد أن وزارته تستعد لإطلاق دراسة حول المياه في تونس بحلول 2050 في ظل التحديات المستقبلية التي وصفها بالصعبة.

وفيما أكد الوزير التونسي أن بلاده تتجه نحو الاعتماد أكثر فأكثر على مشاريع تحلية المياه، حيث دخلت 6 مشاريع لتحلية المياه طور الاستغلال من إجمالي 10 مشاريع حالية، يؤكد الخبراء أن تونس دخلت دائرة الفقر المائي بعد أن استغلت غالبية مواردها المائية السطحية والجوفية.

وفي هذا السياق، توقع عبدالسلام قلالة، مدير في مرصد الصحراء والساحل والخبير في مجال المياه، أن تتفاقم معضلة نقص المياه في تونس مع حلول العام 2030 بسبب تزايد نسق الاستهلاك، وتراجع منسوب المياه المُخزنة، وعدم توفر مصادر جديدة للمياه، ما يجعل الأجيال القادمة في مأزق حقيقي.

4