"العظامة" في العراق.. أناقة ولباقة لحضور ولائم الأفراح والأحزان

جيل جديد من الطفيليين يدعى "العظامة" أفرزته الحالة الاجتماعية والاقتصادية في العراق يمتاز  أفراده باللباقة والأناقة يشاركون أفراح الناس وعزاءهم وولائمهم من غير دعوة.
الثلاثاء 2018/08/07
لمة الناس ألذ من طعام الوليمة

للحرب مخلفاتها النفسية والاجتماعية على الناس، ففي العراق ومع انتشار رقعة الفقر وحالات اليتم والفراق النفسي والبطالة، ظهرت مجموعة جديدة من الناس همها مشاركة الناس في أفراحهم وأحزانهم بسبب ظاهر هو الطعام المجاني، وأسباب خفية عديدة يشرحها الأخصائيون.

بغداد- يدهشك منظرهم عندما تراهم لأول مرة وهم في كامل أناقتهم، وقد ارتدوا بدلات حديثة، وتعطَّروا، والبعض منهم وضع فوق كتفيه عباءة ثمينة من نوع “الجاسبي” أو”البشت” أو”خاجية” مذهبة.

وتكتشف من اللغط الذي يدور حولهم بين الجالسين أن هؤلاء المتأنقين من العاطلين الفقراء. يبدون للحاضرين كأصحاب للمكان في المعزى أو حفلة العرس أو مناسبة للطهور، أو اجتماع لترتيب حملة انتخابية فيها فقرة (غداء أوعشاء) للمدعوين.

وعندما تعرف بعد ذلك أن هؤلاء ظرفاء يطلقون النكات، والنوادر، للذي يعرفونه أو لا يعرفونه في المجلس، هم جيل جديد من الطفيليين العراقيين، الذين يطلق عليهم العراقيون اسم “العظامة” وهم يحضرون الحفلات والعزاء من غير دعوة.

هذا الجيل الجديد الظريف، المتأنق من” العظامة” خبر عمله جيدا، وعمل بعقل جماعي متعاون عبر وسائل التواصل الاجتماعي من خلال رسائل الفايبر والواتساب والماسنجر المجانية، وصفحات الفيسبوك، ليحقق مراده.

يقول سمير خالد (35 سنة) حلاق بمدينة الشعب لـ“العرب”، “معظم عظامة مدينة الشعب من خريجي الجامعات والمعاهد العاطلين عن العمل. حلموا بتحقيق الكثير من الأحلام عندما كانوا طلابا، لكنهم للأسف لم يحظوا بشيء عند التخرج، فلم يبق أمامهم سوى تقبل واقعهم، وتحقيق بعض أحلامهم الصغيرة من خلال مائدة مجانية، محملة بأنواع اللحوم المشوية والمقلية، وأصناف الطعام التي حرمهم فقر عائلاتهم منها”.

صفحة "إقليم العظامة" ترفع شعارا طريفا يتمثل في صورة ملعقة كلاشنيكوف
صفحة "إقليم العظامة" ترفع شعارا طريفا يتمثل في صورة ملعقة كلاشنيكوف

وأضاف خالد “هؤلاء، بعضهم أصدقاء لي، أطلقوا صفحات فيسبوكية منها، ‘إقليم العظامة’ و’عظامة العراق’ و’عظامة كركوك’ وغيرها. ورفعت صفحة ‘إقليم العظامة’ شعارا طريفا، صورة (ملعقة مزودة بمخزن رشاشة كلاشنيكوف). ونشر العظامة عليها أخبار الولائم داخل بغداد وخارجها، مع تفاصيل عناوين أماكن هذه الولائم”.

ناصر الفدعم (40 سنة) صاحب نادي للأعراس بمنطقة الأمين قال لـ”العرب”، “يدهش منظر هؤلاء الذين يأتون الحفلات بلا دعوة تجذبك عطورهم الفرنسية الغالية من نوع شاليمار وفالنتينو، ولابوتيت، وبدلاتهم الأنيقة. يظن الواقف بباب النادي من طرف أهل العريس أنهم من أهل العروس، فيضطر لإدخالهم خوفاً من إثارة مشكلة. وأهل العروس يظنونهم من أهل العريس”.

يكمل الفدعم ضاحكا، “وهم بالفعل رفعة رأس للطرفين، لأهل العريس والعروس بكياستهم، وهيئاتهم، ونوادرهم التي يقولونها لكل من يصادفهم، فيضحكون الجميع، وقد يبدون مواهبهم للحاضرين بالرقص والغناء. ويثيرون المرح في أي حفلة يحضرونها. وصرنا في النادي نعرف معظمهم، وهدفهم من الحضور، فلذلك نضع لهم مائدة خاصة، وقت العشاء غنية باللحوم والأسماك والدجاج والمقبلات”.

ويستطرد ناصر، “قبل سنوات كانت الأعراس تتم ظهرا، فنقدم لهم وجبة غداء، لانعدام الأمن، الآن صار الوضع أفضل قليلا، ولكن الخوف من أصحاب الأحزمة الناسفة لا يزال قائما، لذلك تتم الأفراح عصرا، وما إن يحلّ الغروب حتى نقدم العشاء للضيوف، وتنتهي الحفلة بزفة العروسين إلى الفندق أو إلى بيت العريس قبل العاشرة ليلا”.

ويضيف الفدعم، “بعض هؤلاء العظامة من اللطيفين جدا، فقراء أبناء ناس حقاً، لذلك فقد وضعنا أرقام هواتفهم لدينا وفي كل حفلة عرس أو مناسبة سياسية فيها دعوة طعام أرسل لهم رسالة جماعية عبر الماسنجر، فيلبون الدعوة المجانية شاكرين. الطعام كثير في هذه المناسبات، وهناك ما يبقى بعد الوليمة، فنضعه بأكياس خاصة، ونعطيها لهؤلاء ليحملوها إلى عائلاتهم. لولا الفقر لما ازدهرت ظاهرة الشباب العظامة في العراق”.

مراد هادي (23 سنة) خريج الدراسة الثانوية، عاطل، يقول “للأسف يسمي البعض من يحضرون إلى حفلة ما بالعظامة وهي تسمية لا نخجل منها. لكن هؤلاء، وأنا واحد منهم، نجامل الناس بحضور حفلات فرحهم، وأماكن حزنهم. لأننا اجتماعيون، ونحب الحضور لمعرفة الناس ومشاركتهم. لدينا أوقات فراغ قاتلة، أما حبنا لطعام موائد هذه الحفلات، فيأتي بسبب روح المنافسة مع غيرنا أثناء تناول الطعام، وكذلك نوعيته، مما لم نألفه في بيوتنا الفقيرة”.

ويضيف هادي، “لدينا جروب على الفيسبوك من الأصدقاء. وحالما تأتينا معلومات من أحد الأصدقاء عن معزى أو حفلة عرس حتى نضرب موعدا للمجموعة بالحضور. وعندما يكون أحدنا يعرف أهل العريس أو صاحب العزاء معرفة شخصية، فيقوم بالتعريف بنا. وحين لا نجد من يعرف من في الحفلة نبرز لهم هويات خاصة بالعظامة نحملها معنا، لنبدّد شكوكهم من أن نكون من الإرهابيين أو أصحاب الأحزمة المتفجرة”.

الحاج زاير رضا (72 سنة) يقول عن عظامة زمنه “كان العظامة يحضرون إلى الأفراح، وكنا نعرفهم من ثيابهم الرثّة، وكروشهم الضخمة. كانوا فقراء جدا، ويبدو عليهم البله، وبداية جنون. وكنا نعطف عليهم، ونجعل لهم مكانا خاصا، ليتناولوا طعامهم فيه، براحتهم، بعيدا عن التزاحم مع الأطفال على المائدة. كانت العين لا تخطئهم، ولكن اليوم اختلفت الصورة، وقد تزايدت أعدادهم وصرنا نراهم في كل مناسبة، خصوصا في دعوات الطعام الكبيرة، وتشعر بوجودهم، ولكن لا تستطيع أن تميزهم عن الحاضرين”.

نلحق نصيبنا مما لذ وطاب
نلحق نصيبنا مما لذ وطاب

نوري ذياب باحث اجتماعي، وصف العظامة من الظواهر الجديدة العلنية، التي ظهرت في المجتمع العراقي بعد العام 2003 وإعلانها بهذا الشكل وليد ظروف قاهرة مسَّت المجتمع العراقي في صميمه، من فقدان للأمان والفقر والبطالة، خلال العقدين الماضيين بسبب الحروب، والفتنة الطائفية، والإرهاب، وانتشار الميليشيات التي تحكمت بحياة الناس، وتدهور التعليم، والاستهتار بحياة الناس، مما جعل البعض ينزع ما تبقى من كرامته”.

ويضيف ذياب، “كثرة الموتى بالعراق في الحروب والفتن والإرهاب ومعارك العشائر، والثأر، والأمراض أدت إلى نمو فئات طفيلية في المجتمع نسبة إلى المؤسس التراثي، لهذه الجماعة، ‘طفيل العرائس” الذي ترك لهم توصيات طريفة، لمزاولة التطفل على الموائد. كان التطفل قبل ثلاثة عقود نادرا، والمتطفلون يعدون على الأصابع ببغداد، ولكن اليوم تم تزويد البعض منهم بهويات ــربما فعلوا هذا على سبيل المزاح ــ لكي يُسمح لهم بدخول النوادي من دون أي ريبة بهم، فهم جاؤوا لأجل هدف محدد هو تناول الطعام المجاني”.

يبرر الأخصائي النفسي عبدالكريم عطا وجودهم بقوله، “العظامة، شباب طيبون، فقراء، ولدت لديهم كوارث الحروب، التي مر بها العراق مخاوف العزلة، فهم يبتهجون بكل تجمع، حتى لو كان تجمعا في عزاء وحفلة عرس، ومناسبة اجتماعية، فالتجمع الإنساني يعالج عزلتهم”.

ويضيف، “تدفعهم مخالطتهم للناس إلى حب الحياة مجددا، فيندفعون كاستجابة نفسية إلى التهام الطعام، ليثبتوا لأنفسهم أنهم سعداء، ويعبرون عن سعادتهم بالتلذّذ بالأطعمة.  وربما تناول أحدهم طعام عشرة أفراد، لتأكيد مشاعره السعيدة، وعادة يوجد في بيوتهم الطعام ذاته، لكنه لا يكون لذيذا، كما في العزاء أو الفرح، فهم في بيوتهم يشعرون بالوحدة، فتبادرهم مشاعر سوداوية تدفعهم إلى الكآبة المفضية إلى الانتحار، وإلى كره الطعام في البيت”.

20