العقد الاجتماعي في العالم العربي.. بناء الثقة قبل إعداد الوثيقة

ما يزال مفهوم الدولة الحديثة ملتبسا في الدول العربية لا سيما على مستوى بلورة أسس هذه الدولة والتعاطي الصحيح مع الآليات القانونية لتنظيم السلط داخلها، وعلى رأسها الدستور كمحدد رئيسي لماهية الدولة. ويعود ذلك أساسا إلى تأثير الواقع الاجتماعي والسياسي المحكوم في غالبيته بالمرجعيات الطائفية والإثنية التي تلعب دور المحدد الحقيقي للحياة السياسية والمحرك لما يرد في الدساتير من أحكام وقوانين تتواءم معها.
الاثنين 2016/02/01
الدستور في الدول الطائفية

يُعبِّر الخبير السياسي عبدالمنعم سعيد عن يقينه بأهمية الدستور، وكونه ليس فقط “أب القوانين” كما يقال في التعبيرات الفقهية، ولكن أيضا باعتباره أساسا لوجود الدولة وشرعيتها، مؤكدا أن الدستور يظل الوثيقة “المقدسة” للدولة ومرجعيتها الأساسية، حتى يتم تعديلها أو تغييرها بأساليب مشروعة وسلمية وديمقراطية حددها الدستور ذاته، فيقوم الدستور الجديد بهذه المهمة.

واستنادا إلى كلام عبدالمنعم سعيد، فإن النص الدستوري يكتسب قيمته من قوته “الموضوعية” باعتباره العقد الاجتماعي بين السلطات والأفراد ومرجعية المجتمع، ومصدر شرعية الدولة حتى وإن كان ضعيفا أو مُختلَفا عليه في ذاته. والقبول بالوثيقة الدستورية لا يعني بالضرورة القبول بكل أو جزء منها، لكنه يعني القبول بـ”مبدأ” وجود “مرجعية” متفق عليها بين المواطنين. القبول بالدستور هو قبول بفكرة “العقد الاجتماعي” وضرورة الوفاق الوطني، فالدستور في حياة المجتمعات، مكتوبا كان أم عُرفيا، هو مسألة حيوية وجوهرية لأنه تجسيد لمبدأ اللقاء الوطني والمصالح المشتركة، وفكرة الاجتماع على قيمة العيش المشترك، كأصل أخلاقي، وعلوية القانون والنظام والمؤسسية.

إن النص الدستوري يخضع لتأويلات الفاعلين السياسيين والقانونيين كما يخضع النص الديني إلى تأويلات الفاعلين الاجتماعيين والدينيين وفق أطروحة المفكر الجزائري محمد أركون حول النص الديني. ففي كل الأحوال يبقى النص الدستوري تركيبا لغويا مكتوبا بيد بشرية وبلغة بشرية، ويخضع إلى تأويل البشر وطريقة تطبيقهم له؛ وعليه هو يخضع لعملية “بناء المعنى” من قِبل الذين يتناولونه ويستعملونه، ويقوم كل فاعل سياسي بإنتاج المعنى الذي يفهمه من الدستور، فيأخذ ما يريد، ويهجر ما يتناقض مع مصالحه أو قيمه الخاصة.

النص الدستوري والفعل السياسي

إذا كانت اللغة هي وعاء الثقافة، فإن النص الدستوري يُعبِّر عن ثقافة المجتمع بصورة غير مباشرة، وعن ثقافة النخبة السياسية والقانونية والاجتماعية التي وضعت هذا الدستور بصورة مباشرة.

الدستور هو مجرد أداة يستعملها الفاعل السياسي في الصراع، لتمرير أجندته وتأكيد ذاته السياسية أو الأيديولوجية

وحين تكون الثقافة السائدة هي ثقافة “الصراع”، فمما لا شك فيه أن القيم الصراعية ستنساب في ثنايا هذا الدستور لتُشكِّل “البنية العميقة” لنصوصه. والبنية العميقة لأي نص، عند اللغويين ومنهم الخبير عبدالرحمن بودرع، “تعكس مستوى العمق الذي تتكون فيه الدلالة وما يتصل بها من مفاهيم وأفكار”؛ لذلك تمثِّل بنية النص الدستوري وتجلياته السياسية منظومة التصورات والقيم والتوازنات والإملاءات الأيديولوجية والمُدرَكات الاجتماعية والرموز الثقافية التي تشكَّل على أساسها.

ومثلما يقوم الفاعلون السياسيون بعملية بناء المعنى السياسي الذي يرتؤونه من النص الدستوري، فإن النص نفسه هو في أصله “معنى” تم بناؤه بالاستناد إلى الواقع والثقافة المهيمنة. وإذا كان الواقع صراعيا، فإن المعنى الذي يقدمه الدستور يكون صراعيا أيضا. وبذلك فإن النص الدستوري الذي يولد من رحم الصراع وغياب الثقة والارتياب السياسي يتسبب هو نفسه في تكريس الصراع وتوليد صراعات وأزمات جديدة.

وبفعل حضور الفاعل السياسي في تفسير الدستور، فقد ظهر في علم القانون الدستوري ما يُصطلح عليه بـ”العُرف” في الظاهرة الدستورية. والعُرف في اللغة “ما تعارف عليه الناس؛ أي ما استقر في الوسط الاجتماعي وأصبح عادة جارية بين الناس في معاملاتهم”، وتُشير الأدبيات المتخصصة إلى مصطلحين؛ أولهما “العُرف الدستوري”، ويعني “ما تواتر العمل به من قِبل السلطات الحاكمة في موضوع من المواضيع ذات الطبيعة الدستورية وذلك أثناء ممارستها لاختصاصاتها، واستقر في ضمير الجماعة كقاعدة مُلزِمة. وهو مرتبط في وجوده بوجود الدساتير المدونة”. وأما مصطلح “الدستور العُرفي” فيعني “مجموعة من القواعد القانونية الناشئة، أيضا، عُرفيا، وهي التي تنظم السلطات العامة في الدول التي لا تملك دستورا مدونا، كما الحال في المملكة المتحدة”.

لذلك فإن القضية الأساسية التي يفترض أن يدور حولها الجدل في العالم العربي ليست عملية كتابة الدساتير أو تعديلها في شكلها التقني والنصي واللغوي؛ بل المسألة الجوهرية تتعلق بالسياسة أولا، وبالثقافة والوعي بدرجة أعمق، إذ أننا نستطيع من خلال العمل السياسي والضغط الاجتماعي، والمبادرات المدنية، والتنازلات السياسية الشجاعة التي تعكس الشعور بالمسؤولية الوطنية، والمواقف الأخلاقية الجريئة التي تحقن الدماء وتكسر شوكة الاستقطاب وتمنح الناس الأمل، والجهد التوعوي والتثقيفي والحوار الوطني، أن نسهم في تخليق اتجاهات سياسية جديدة، ونبلور أعرافا دستورية ربما تكون أكثر فاعلية من النصوص الدستورية ذاتها. لكن الفاعلين السياسيين عادة يفضلون الصراع حول “الدستور” كشعار سياسي غير مقصود بذاته، وإنما هو مجرد “أداة” يستعملها الفاعل السياسي في الصراع لتمرير أجندته السياسية أو الحزبية أو الاجتماعية في مواجهة الفاعلين الآخرين وأجنداتهم.

المواطن المدني العراقي لن يشعر بالثقة والاطمئنان إلى الجندي أو الشرطي، إلا إذا كان من قوميته أو مذهبه

إن الفريضة الغائبة والمهمة المفقودة في المجتمع السياسي العربي، صناعة التوافق الوطني العام وبناء السلام الاجتماعي وتعزيز شبكة العلاقات الوطنية وترصينها على أساس التفاهم والتعاون، من خلال جهد دؤوب وصبور لفض النزاعات وصناعة الثقة، وتنشيط الطاقات الإيجابية في المجتمع، وتحفيز الحراك الاجتماعي المُولِّد بدوره للأفكار والبدائل، وتنمية “رأس مال اجتماعي” داعم للمصالحات الكبرى بين الفاعلين السياسيين والاجتماعيين، ليكون متاحا، في ظل هكذا بيئة جديدة ومسؤولة ومواتية، نمو وتبلور المناخ السياسي والاجتماعي اللازم لانبثاق أعراف دستورية داعمة للواقع التوافقي والسلمي المتحقق على الأرض.

الدستور هو ابن السياسة ومُنتَج الواقع الاجتماعي، وحين يكون الواقع تناحريا طائفيا يسوده انعدام الثقة سياسيا والكراهية اجتماعيا والفشل والتراجع اقتصاديا، يحكمه مبدأ حرب الجميع ضد الجميع، فإن الأعراف والتأويلات والتطبيقات الدستورية ستكون سيئة ومعطوبة مهما كانت نصوص الدستور متقدمة وجميلة وبراقة!

لذلك فإن التعديل يفترض أن يطال “المنهجية” المعتمدة في تأويل نصوص الدستور، و”السياق” الذي يحصل فيه هذا التأويل، و”البيئة” المحيطة بالعملية السياسية، قبل الانشغال بالنص نفسه. إن الإشكالية التي تعاني منها البلدان العربية التي تعيش تحولات سياسية لا تتعلق بالنصوص الدستورية بقدر ما تتعلق بقضية غياب “الحياة الدستورية” وعدم وجود إرادة سياسية للتعامل مع الدستور كمرجعية، ولا يوجد توافق على الدستور كـ”مفهوم”، لذلك من الطبيعي أن لا يحصل التوافق على الدستور كـ”نص” و”مبنى”!

وبالتالي فإن ما تحتاجه هذه المجتمعات هو ترسيخ “الشرعية الدستورية” من خلال احترام الدستور الموجود مرحليا، حتى لو كان محطَّ خلاف بين القوى السياسية والاجتماعية، والعمل على فض النزاع الاجتماعي وتفكيك الصراع السياسي، طائفيا كان أم أيديولوجيا أم طبقيا، وتقديم الضمانات وبناء الثقة، ومعالجة الأزمة التي تعيشها المنظومة السياسية، من سلطة ومعارضة، بغية توفير المناخ السياسي التضامني والتصالحي اللازم لتطبيق نصوص الدستور المتفق عليها وفق فلسفة مختلفة عن الفلسفة التي كرَّست الصراع، وبما يسهم في إنهاض وإنعاش الحياة السياسية والاجتماعية.

مشكلة الدستور في العراق

وتبقى الإشكالية في العقلية لا في النص، ففي النموذج العراقي مثلا وعلى الرغم من اختلالات الدستور، فإن الأزمة الأساسية تكمن في الأجواء الطائفية المشحونة المحيطة بتطبيقه لا في نصوصه نفسها. فما يحتاجه الدستور العراقي هو عقلية تأويلية وطنية غير طائفية، وأن يتم التعامل مع نصوصه بمنطق الدولة لا منطق السلطة أو الأحزاب، وعلى أساس المصلحة الوطنية الجامعة ومبادئ المواطنة لا مصالح الطوائف وصفقات الكتل السياسية واتفاقات المكونات.

دستور الدولة او دستور الطائفية

ولا توجد مشكلة في خيار تعديل الدستور في المدى الاستراتيجي تعديلا جوهريا، في الفحوى والنص والفلسفة والقيم والغايات، بما يتلاءم مع الاستحقاقات النظرية والتطبيقية للعقد الاجتماعي الجديد الذي نطمح إليه. لكن هذا التعديل الشامل والبنيوي للدستور يفترض أن يتم في سياق من الوئام الاجتماعي، وليس في السياق الطائفي ونظرية دولة المكونات السائدة حاليا.

يتحدث الدستور العراقي عن أن “الإسلام دين الدولة”، وعلى الرغم ممّا في هذا النص من خطأ منطقي باعتبار أن الدولة، كما يشير المتخصصون، شخصية معنوية لا يمكن أن يكون لها دين، فإنه أيضا يُشكِّل ضربة قاصمة للتنوع الثقافي والتعددية وحقوق الإنسان. كما أن الواقع السياسي يُعبِّر عن نص عملي وعُرف غير مدون لكنه أقوى وأشد تأثيرا، يقول إن “المحاصصة الطائفية دين الدولة”. وتحت هيمنة الطائفية السياسية في الواقع لا يعود ثمة معنى للنص في الدستور على أن “الدولة علمانية”، وإذا افترضنا جدلا إمكانية ذلك بطريقة ما، فحتى العلمانية سيتم تأويلها طائفيا تبعا للسلطوية المكوناتية المهيمنة، الأمر الذي يفرض أولوية تعديل نصوص الواقع وأعرافه قبل نصوص الوثائق.

يضاف إلى ذلك أن عبارة “الإسلام دين الدولة” تطرح سؤال، عن أي إسلام نتحدث؟ عن السنة أم الشيعة؟ وهذا ما يشير إليه المفكر العراقي غسان العطية مستشهدا بقرار مجلس الأمن بشأن سوريا، والذي نص صراحةً وفي خطوة لافتة على أن تبقى “دولة موحدة علمانية متعددة الأديان والقوميات”.

فالتأكيد النصي هنا على “علمانية” الدولة مؤشر على استشعار إشكالية القضية الدينية في المجتمعات المتنوعة وربما يؤشر أيضا على أخذ العبرة من التجربة العراقية.

لكن عدم القدرة على تعديل النصوص المتعلقة بالقضية الدينية والهوياتية في الدستور العراقي، لا يعني اليأس من فرص الإصلاح، فبالإمكان العمل على بلورة سياق واقعي بديل، “علماني” سياسيا و”ليبرالي” ثقافيا واجتماعيا، يتم في إطاره تأويل النصوص الدستورية المتعلقة بالإسلام والقضية الدينية. فكلما كان المناخ السياسي والاجتماعي أقل احتقانا وتشنّجا، وأبعد عن تسييس الدين وأدلجة المذاهب، وكلما انحسر مناخ التطاحن، كانت الفرصة أكبر لبناء تأويلات وأعراف معتدلة تتسم بالتسامح واحترام الخصوصيات الثقافية، وهذا صحيح على صعيد النصوص الدينية والنصوص الدستورية على حد سواء. كما أن تعزيز التسامح السياسي والديني في حياة العراقيين، هو بالتأكيد يرجّح كفة نصوص الدستور الحالي ذات الطابع الديمقراطي والأكثر تسامحا وانسجاما مع حقوق الإنسان، ومنها مثلا “لا يجوز سن قانون يتعارض مع الحقوق والحريات الأساسية الواردة في هذا الدستور”، وكذلك إشارته إلى ضمان “كامل الحقوق الدينية لجميع الأفراد في حرية العقيدة والممارسة الدينية، كالمسيحيين، والإيزيديين، والصابئة المندائيين”، وهي نصوص على الرغم من كونها تُساق تحت مظلة النصوص الإلغائية والثيوقراطية الأقوى، إلا أنه يمكن أن يكون لها أثر مفيد بشرط توفر واقع سياسي واجتماعي يدعمها، وممارسة سياسية ونموذج اجتماعي تسامحي يعززها. فالخطوة الأولى هي في ميدان السياسة وتدريجيا ومن خلال بناء رأس المال الاجتماعي والثقافي والسياسي اللازم، سيكون ممكنا مراجعة الوثيقة الدستورية وإعادة إنتاجها، تعديلا أو تأويلا، بما ينسجم بصورة أكبر مع الواقع المأمول.

النص الدستوري الذي يولد من رحم الصراع والارتياب السياسي، يتسبب في تكريس الصراعات وتوليد أزمات جديدة

ونصَّ دستور العراق على أن “تتكون القوات المسلحة العراقية والأجهزة الأمنية من (مكونات) الشعب العراقي، بما يراعي توازنها وتماثلها دون تمييزٍ أو إقصاء”، وهو ما يعكس الثقافة المكوناتية والعقلية الطوائفية، ونزعة الفك والعزل في التعامل مع المجتمع العراقي، وتغييب مبدأ المواطنة.

فعندما يتم الحديث عن “مكونات” دينية وإثنية في الجيش والشرطة، فهذا يعني افتراض أن العراقي ليس محل ثقة من حيث كونه عراقيا فقط، وأن المواطن المدني العراقي لن يشعر بالثقة والاطمئنان إلى الجندي أو الشرطي، إلا إذا كان من قوميته أو مذهبه! كما يعدُّ هذا النص مقدمة نظرية لبناء سردية طائفية حول المؤسسة العسكرية، وهو أمر شديد الخطورة أن يحاط الملف الأمني بهذا التصور المكوناتي، كما يمهد للانقسام داخل الجيش والشرطة، وللانقسام حولهما، وللصراع عليهما.

ومثلما يُعبِّر هذا النص عن إشكالية في الثقافة التي أنتجته، فإن ثمة إشكالية أيضا في الثقافة المكوناتية التي يكرَّسها والأزمة السياسية المستديمة التي يتسبب فيها، لا سيما حين تدعم هذه الثقافة انتهاكاتٌ ذات طابع “طائفي” تتورط فيها المؤسسة العسكرية والأمنية التي يخضع أداؤها للتسييس والتطييف من جهات في السلطة والمعارضة، كنتيجة للسردية الطائفية التي أطَّرت لحظة تشكيل تلك المؤسسة.

إن النص الذي ينتمي إلى ثقافة مأزومة يصبح بدوره، وفي ظل السياق المأزوم، مُولِّدا للأزمات. والحل ليس بالانشغال في محاولة تعديل النص من دون وجود مشروع وطني كبير لإدخال تغيير على الثقافة وإعادة إنتاج للسياسة. إن هذا النص المتعلق بالجيش والشرطة وعلى الرغم مما فيه من مكوناتية فجَّة وسوأة طائفية تشتد بفعل السياق الطائفي الذي يتم فيه استدعاء النص سياسيا، إلا أن ما في النص من فجاجة يمكن أن تقلَّ أو تتوارى، إذا ما قمنا بإنتاج سياق سياسي وثقافي جديد، يؤكد على ثنائية متلازمة هي “المواطنة والتنوع، ليتم تأويل النص في إطاره بدل السياق الصراعي الحالي الذي يتحدث عن المكونات والطوائف، بمعنى بناء سردية وطنية جديدة تحل محل السردية الطائفية ليتم تأويل النص ومفرداته في إطارها.

وإذا ما توافرت لدينا الإرادة والرؤية اللازمتين للشروع في استراتيجية تغيير الثقافة السياسية من خلال “القدوة” على المستوى الفردي و”العمل المؤسسي” على المستوى الجمعي، فإن اقتراح “تعديل الدستور” سيصبح “وسيلة” من وسائل هذه الاستراتيجية الهادفة إلى إحداث تغيير ثقافي شامل في المجتمع وفي السياسة العراقية ككل، وليس “غاية” أو “أزمة” بحد ذاته.

6