العقلانية والضمير

الخميس 2016/03/31

منذ قيام الثورة التكنولوجية الحديثة، والإنسان لا يني يطوّر الآلة إلى أن بلغت ما يسمّيه أهل الاختصاص الذكاء الاصطناعي القويّ، أي أنها ما عادت تكتفي بحساب الاحتمالات، بل صارت مبرمجة بكيفية تجعلها تستفيد من تجاربها السابقة لتزداد عقلانية. ولكنها في النهاية لا تملك ضميرا ولا وعيا بما ينبغي ولا ينبغي فعله خارج البرمجة، ولا هي حرة كذلك في اتخاذ هذا القرار أو ذاك بحسب الوضعيات التي تطرأ، فالفرق بينها وبين الإنسان هو الحرية، أساس الوعي الأخلاقي. ولعل أبرز مثال على ذلك سيارة

غوغل التي تسير بفضل منظومة إلكترونية دون سائق، فقد التزمت بقانون المرور ولكنها لم تأخذ في حسبانها العوامل الخارجية الأخرى، وفي مقدمتها البشر وسلوكهم وتصرفاتهم في الطريق.

والآلة، كما رأينا في مباراة الحاسوب ضدّ بطل العالم في لعبة الـ”غو”، يمكن أن تتفوق على الإنسان من جهة العقلانية، ولكن العقلانية ليست جوهر الإنسان، ولا جوهر الذكاء البشري، الموصول صلة وثيقة بتمييز الوضعيات، والتحلي بالوعي الأخلاقي وروح المسؤولية. فالآلات كما تقول الفيلسوفة الفرنسية شنطال دلصول يمكن أن تدير ولكنها أعجز من أن تحكم، لأن الحكم مرهون بحرية اتخاذ القرار، والعدول عن بعض الأحكام إذا كانت تخالف القيم الإنسانية أو قد تعود على المجموعة بالمضرة.

وأمام هوس العلماء بتطوير الآلات الذكية باطراد، عملا بقانون غوردن مور، على نحو تصبح فيه قادرة على التفوق على الإنسان في شتى المجالات، حتى في الخلق والابتكار، بدأت أصوات بعض العقلاء منهم تحذّر من الكوارث التي يمكن أن يؤدي إليها الإفراط في الاتكال على الآلة بعد أن باتت حادّة الذكاء بالغة التعقيد، كما جاء في رسالة مفتوحة، كان من بين الموقعين عليها بيل غيتس وإيلون موسك وستيفن هاوكينغ، تدعو معشر العلماء إلى “جعل برامج تطوير الذكاء الاصطناعي مبنية على مدى ما تقدمه للمجتمع من منافع، ووضع حدود وموانع لا ينبغي بحال تخطيها”، فالتقدم لأجل التقدم لا معنى له، ولا بدّ للعلم من أن يحدوه وازع أخلاقي، حتى يجنب البشرية كوارث لا قبل لها بها.

وتصبح دعوتهم تلك صيحة فزع في هذه المرحلة الصاخبة التي استشرى فيها العنف، وعمّت الحروب، فالخوف لم يعد من بدعة تتمرّد على مبدعها فتسيء إليه وإلى من حوله، بل من حصول المنظمات الإرهابية على آلات ذكية يمكن برمجتها لتدمير العالم، فالآلة، وإن كانت عقلانية، لا تعرف الرحمة، ولا يمكن أن تقدّر العواقب، ولا أن تهبّ لنجدة مصاب.

كاتب من تونس مقيم بباريس

15