العقل‭ ‬وحقوق‭ ‬البشر

الأحد 2017/01/29
لوحة: ريم يسوف

ترددت‭ ‬بعض‭ ‬الوقت‭ ‬في‭ ‬الكتابة‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬الحوار‭ ‬الذي‭ ‬أجرته‭ ‬مجلة‭ ‬‮«‬الجديد‮»‬‭ ‬مع‭ ‬المفكر‭ ‬المصري‭ ‬سيد‭ ‬القمني،‭ ‬بعدما‭ ‬قرأت‭ ‬بأنه‭ ‬يشترط‭ ‬ألا‭ ‬يحدث‭ ‬سجال‭ ‬حول‭ ‬حديثه،‭ ‬إذ‭ ‬أنه‭ ‬قال‭ ‬‮«‬من‭ ‬يناقشني‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬على‭ ‬قدري،‭ ‬أنا‭ ‬المعلم‭ ‬الأكبر‭ ‬ولا‭ ‬أقبل‭ ‬مثل‭ ‬تلك‭ ‬المناقشات‮»‬،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أنه،‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬آخر‭ ‬من‭ ‬النص،‭ ‬يدعو‭ ‬إلى‭ ‬شيء‭ ‬آخر‭ ‬يبدو‭ ‬متناقضا‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬الموقف‭. ‬ذلك‭ ‬أنه،‭ ‬عندما‭ ‬سئل‭ ‬عن‭ ‬رأيه‭ ‬بشأن‭ ‬دعوة‭ ‬‮«‬المثقفين‭ ‬أن‭ ‬يجنبوا‭ ‬العامة‭ ‬مناقشة‭ ‬الجدليات‭ ‬الفكرية‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالأديان‭ ‬تجنبًا‭ ‬لإثارة‭ ‬اللغط‭ ‬وتشويشهم،‭ ‬أجاب‭ ‬سيد‭ ‬القمني‭ ‬‮«‬أرفض‭ ‬ذلك‭ ‬الاتجاه‭ ‬وأعتبره‭ ‬احتكارًا‭ ‬للعلم؛‭ ‬فالعامة‭ ‬إن‭ ‬استخدموا‭ ‬عقولهم‭ ‬سيكونون‭ ‬من‭ ‬البارزين‭ ‬في‭ ‬عملهم‮»‬‭.‬

بداية ‭ ‬في‭ ‬الأخير‭ ‬ارتأيت‭ ‬إبداء‭ ‬الرأي‭ ‬حول‭ ‬بعض‭ ‬ما‭ ‬ورد‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الحوار‭ ‬أولا‭ ‬تنفيذا‭ ‬لالتزام‭ ‬أعطيته‭ ‬لمجلة‭ ‬‮«‬الجديد‮»‬،‭ ‬وثانيا‭ ‬لأنني‭ ‬فكرت‭ ‬بأنه‭ ‬من‭ ‬حق‭ ‬القارئ‭ ‬إبداء‭ ‬رأيه‭ ‬فيما‭ ‬قرأه،‭ ‬خصوصا‭ ‬ونحن‭ ‬نعيش‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬صار‭ ‬من‭ ‬المسلّم‭ ‬به‭ ‬أن‭ ‬النص‭ ‬عندما‭ ‬يصبح‭ ‬منشورا‭ ‬يخرج‭ ‬عن‭ ‬سلطة‭ ‬مؤلفه‭ ‬ويحتك‭ ‬بسلطة‭ ‬القارئ‭ ‬الذي‭ ‬يمثل‭ ‬إبداء‭ ‬الرأي‭ ‬حقا‭ ‬من‭ ‬حقوقه‭.

والواقع‭ ‬أنني‭ ‬لا‭ ‬أختلف‭ ‬كثيرا‭ ‬مع‭ ‬سيد‭ ‬القمني‭ ‬فيما‭ ‬يخص‭ ‬الأهمية‭ ‬الجوهرية‭ ‬للعقل،‭ ‬عدا‭ ‬أنني‭ ‬أتحفظ‭ ‬في‭ ‬عدم‭ ‬الربط‭ ‬بينه‭ ‬وبين‭ ‬مبدأ‭ ‬الحرية،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬جعل‭ ‬سيد‭ ‬القمني‭ ‬لا‭ ‬يقبل‭ ‬بالرأي‭ ‬الآخر،‭ ‬وجعل‭ ‬العقل‭ ‬لديه‭ ‬يتحول،‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬بدا‭ ‬لي،‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬قمع‭ ‬وعنف‭ ‬وحرمان‭ ‬الآخر،‭ ‬المخالف‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬الرأي،‭ ‬من‭ ‬حريته‭. ‬وهكذا‭ ‬يرى‭ ‬المفكر‭ ‬المصري‭ ‬بأن‭ ‬‮«‬أي‭ ‬مسلم‭ ‬يعتقد‭ ‬أن‭ ‬دينه‭ ‬صالح‭ ‬لأيّ‭ ‬زمان‭ ‬ومكان‭ ‬فهو‭ ‬إرهابي‭ ‬بالضرورة،‭ ‬عندما‭ ‬يتبع‭ ‬أدنى‭ ‬ما‭ ‬فيه‭ ‬وينفذه،‭ ‬كالزي‭ ‬واللحية،‭ ‬هذا‭ ‬رجل‭ ‬إرهابي‮»‬‭. ‬والإرهابي،‭ ‬كما‭ ‬نعرف‭ ‬يجب‭ ‬سجنه‭ ‬وحتى‭ ‬قتله.

في‭ ‬اعتقادي‭ ‬أن‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬المسلم‭ ‬ليس‭ ‬إرهابيا‭ ‬من‭ ‬الواجب‭ ‬محاربته،‭ ‬طالما‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يحاول‭ ‬فرض‭ ‬رأيه‭ ‬بالقوة‭ ‬على‭ ‬غيره‭ ‬ولا‭ ‬يمارس‭ ‬العنف‭ ‬انطلاقا‭ ‬من‭ ‬معتقده‭. ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬الموقف‭ ‬الذي‭ ‬اتخذه‭ ‬سيد‭ ‬القمني‭ ‬يقع‭ ‬فيه‭ ‬المرء‭ ‬عندما‭ ‬يتحول‭ ‬العقل‭ ‬لديه‭ ‬إلى‭ ‬مطلق،‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يشبه‭ ‬الإله‭ ‬الجديد‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬تعلو‭ ‬عليه‭ ‬أيّ‭ ‬سلطة‭ ‬أخرى‭. ‬وقد‭ ‬وقع‭ ‬المعتزلة‭ ‬في‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬الخطأ‭ ‬عندما‭ ‬قاموا‭ ‬بسجن‭ ‬الإمام‭ ‬أحمد‭ ‬بن‭ ‬حنبل‭ ‬ومارسوا‭ ‬عليه‭ ‬التعذيب،‭ ‬لا‭ ‬لشيء‭ ‬سوى‭ ‬لأنه‭ ‬خالفهم‭ ‬في‭ ‬الرأي‭ ‬بشأن‭ ‬مسألة‭ ‬خلق‭ ‬القرآن‭. ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تأسيس‭ ‬العقلانية‭ ‬على‭ ‬السيف‭ ‬والعنف،‭ ‬يعني‭ ‬على‭ ‬نفس‭ ‬الوسائل‭ ‬التي‭ ‬يستخدمها‭ ‬خصوم‭ ‬العقل‭.

مثل‭ ‬هذه‭ ‬الانحرافات‭ ‬تقع‭ ‬عندما‭ ‬نفصل‭ ‬العقل‭ ‬عن‭ ‬أيّ‭ ‬سلطة‭ ‬أخرى‭ ‬مكمّلة‭ ‬له،‭ ‬ونجعله‭ ‬مكتفيا‭ ‬بذاته،‭ ‬لا‭ ‬تحكمه‭ ‬لا‭ ‬الأخلاق‭ ‬ولا‭ ‬ما‭ ‬يقوم‭ ‬مقام‭ ‬ذلك‭. ‬من‭ ‬وجهة‭ ‬نظري،‭ ‬ينبغي‭ ‬الربط‭ ‬بين‭ ‬العقل‭ ‬وحقوق‭ ‬الإنسان‭. ‬إن‭ ‬غياب‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬الربط‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬جعل،‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يبدو،‭ ‬سيد‭ ‬القمني‭ ‬لا‭ ‬يأبه‭ ‬بالانتهاكات‭ ‬الخطيرة‭ ‬لحقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬التي‭ ‬ارتكبها‭ ‬الجنرال‭ ‬السيسي‭ ‬طالما‭ ‬أن‭ ‬ضحاياها‭ ‬هم‭ ‬‮«‬أعداء‭ ‬العقل‮»‬،‭ ‬أعني‭ ‬الإخوان‭ ‬المسلمين‭. ‬سيد‭ ‬القمني‭ ‬انقلب‭ ‬على‭ ‬السيسي‭ ‬فقط‭ ‬لأنه‭ ‬فوجئ‭ ‬به‭ ‬‮«‬قد‭ ‬عيّن‭ ‬نفسه‭ ‬واليًا‭ ‬على‭ ‬ولاية‭ ‬إسلامية‮»‬‭. ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬العقل‭ ‬الخالي‭ ‬من‭ ‬الإنسانية‭ ‬يخيفني‭ ‬شخصيا،‭ ‬لأنه‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬آلة‭ ‬باردة‭ ‬خالية‭ ‬من‭ ‬أيّ‭ ‬وجدان‭ ‬إنساني‭.

والحقيقة‭ ‬أن‭ ‬أيّ‭ ‬فصل‭ ‬بين‭ ‬العقل‭ ‬والوجدان‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تعطيل‭ ‬الوظيفة‭ ‬الإيجابية‭ ‬والخلاقة‭ ‬للعقل،‭ ‬لهذا‭ ‬كانت‭ ‬الفلسفة‭ ‬تعني‭ ‬عند‭ ‬اليونان،‭ ‬ليس‭ ‬الحكمة،‭ ‬وإنما‭ ‬محبة‭ ‬الحكمة،‭ ‬فالعقل‭ ‬هنا‭ ‬يتناغم‭ ‬مع‭ ‬الوجدان،‭ ‬لأن‭ ‬المحبة‭ ‬تنتمي‭ ‬إلى‭ ‬ملكة‭ ‬الوجدان‭. ‬والواقع‭ ‬أن‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬لا‭ ‬يشكو‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬غياب‭ ‬في‭ ‬العقل،‭ ‬بل‭ ‬أيضا‭ ‬من‭ ‬قصور‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬الوجدان‭ ‬الحضاري،‭ ‬من‭ ‬قبيل‭ ‬حب‭ ‬الوطن،‭ ‬حب‭ ‬العدل،‭ ‬حب‭ ‬الحقيقة،‭ ‬حب‭ ‬الحرية‮…‬‭ ‬إلخ‭. ‬وهذه‭ ‬العواطف‭ ‬الخلاقة‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬غرسها‭ ‬بوسائل‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬وسائل‭ ‬الإكراه‭ ‬والقمع،‭ ‬ولكن‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الحوار‭ ‬والنقاش‭ ‬والقبول‭ ‬بوجود‭ ‬الرأي‭ ‬الآخر‭.

ولذلك‭ ‬يبدو‭ ‬لي‭ ‬بأن‭ ‬انتظار‭ ‬‮«‬دكتاتور‮»‬‭ ‬من‭ ‬نمط‭ ‬مصطفى‭ ‬كمال‭ ‬أتاتورك‭ ‬أو‭ ‬بورقيبة‭ ‬لتكريس‭ ‬العقل‭ ‬في‭ ‬عالمنا‭ ‬العربي‭ ‬ليس‭ ‬غير‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬إعادة‭ ‬تأهيل‭ ‬ثقافة‭ ‬المهدي‭ ‬المنتظر،‭ ‬أعني‭ ‬بذلك‭ ‬شكلا‭ ‬آخر‭ ‬من‭ ‬الفكر‭ ‬التقليدي‭ ‬وتأثيراته‭ ‬اللاشعورية‭ ‬في‭ ‬عقليتنا‭. ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬فصل‭ ‬الملكة‭ ‬النقدية‭ ‬عن‭ ‬العقل،‭ ‬لكن‭ ‬أي‭ ‬دكتاتور‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬دكتاتورا‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬يقم‭ ‬بقمع‭ ‬النزعة‭ ‬النقدية‭ ‬لدى‭ ‬المواطن‭. ‬لهذا‭ ‬يبدو‭ ‬لي‭ ‬أن‭ ‬انتظار‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬‮«‬المخلّص‮»‬‭ ‬من‭ ‬العقل ‬الخرافي‭ ‬الذي‭ ‬يدعو‭ ‬إليه‭ ‬سيد‭ ‬القمني،‭ ‬هو‭ ‬بمثابة‭ ‬انتظار‭ ‬غودو‭ ‬في‭ ‬مسرحية‭ ‬بيكيت‭. ‬ومن‭ ‬قرأ‭ ‬هذه‭ ‬المسرحية‭ ‬يعرف‭ ‬بأن‭ ‬غودو‭ ‬لم‭ ‬يأت‭ ‬أبدا‭.‬

كاتب من الجزائر

الملف ينشر بالاتفاق مع "الجديد" الشهرية الثقافية اللندنية والمقالات كاملة على الموقع الإلكتروني

11