العقل الأسير

المثقف يمتلك وعيا كافيا يُفترض أن يؤهله لرفض المستبد، لكنه يتحوّل إلى أداة في يده، وما يختلف به عن الجاهل، أنه يخضع بوعي، بينما إحساسه بالذنب يتعمق أكثر.
الأحد 2018/04/22
الدكتاتورية في أوروبا أنتجت هتلر وموسوليني

كثيرة هي الآراء التي قيلت في المستبد، وأكثر منها قيل في ضحاياه. ولنا أن نتذكر، أن قامتي الفلسفة اليونانية القديمة، أفلاطون وتلميذه أرسطو، قد كتبا عن ظاهرة الدكتاتور واهتما بتوصيفه وبشرح أعراض ضحاياه وأسباب رضوخهم، وكان ذلك في ثمانينات القرن الثالث قبل الميلاد. فمن بين ما قالا عن الأول، إنه لا يلتفت إلا إلى رأيه، ويُعاقب من يعارضونه، وفي حالات كثيرة يعاقب ويقسو على من يوالونه أيضا!

في التاريخ المعاصر، تبارى الفلاسفة في اكتشاف الزوايا المظلمة للمستبدين وضحاياهم. والأوروبيون من هؤلاء، كأنما كتبوا في هذه الظاهرة، للانتقاص من كرامات الشعوب، وتشجيع الظاهرة الاستعمارية.

 ولعل عالم الجغرافيا السياسية والاقتصادية المصري الفذ جمال حمدان، وقع في خطأ نادر، يكذّبه التاريخ، عندما استقى من أحد أولئك الأوروبيين، وهو الألماني فيتفوغل مقولة “إن الشعوب النهرية لا تثور!”.

عن التجربة الدكتاتورية في أوروبا نفسها، وهي التي أنتجت هتلر وموسوليني؛ كتب نفر من الأوروبيين يقول، إن القرن العشرين شهد تغييرا خطيرا في الشخصية الأوروبية، إذ أدى التطور الاقتصادي إلى انهيار نظام الأسرة الأبوية، التي يؤدي فيها الأب دورا مركزيا في توجيه الأبناء وتنشئتهم، فوقع التشوّه في نفسية الأبناء وراحوا يبحثون عن الأب البديل، لكي يلعب دور المُخلّص والهادي، الذي يقدم نفسه حاميا لهم، راعيا لطموحاتهم بشخصيته الكاريزمية.

غير أن أحدث الدراسات عن سيكولوجية الخانعين، أعدها البولندي ميلوش، في كتابه عن “العقل الأسير” لدى النُخب والحاشية الذلول وبعض المتعلمين الذين يحابون سيدهم.

فيقول إن المثقف يمتلك وعيا كافيا يُفترض أن يؤهله لرفض المستبد، لكنه يتحوّل إلى أداة في يده، وما يختلف به عن الجاهل، أنه يخضع بوعي، بينما إحساسه بالذنب يتعمق أكثر، فتراه يجترح آليات نفسية لتنحية هذا الإحساس، من قبيل التنفيس همسا!

الإمام علي، يصف الارتهان المهين، بقوله الفصل: كم من عقل أسير، تحت هوى أمير!

ولا ننسى دكتاتورية الأيديولوجيا المُشوّهة، التي تستلب عقول الشباب وتدفعهم إلى حتفهم وإلى القتل، مثلما في الأنموذج الداعشي! غير أن أطرف تعليلات المستبدين المرتجفين، هو الاستشهاد بمقولة يحسبها السامعون الجاهلون حديثا نبويا “إنما العاجز من لا يستبد”.

 وتلك في الحقيقة ليست إلا مقولة من قصيدة للماجن العربي المترف عمر بن أبي ربيعة، الذي كان يتغزل في المليحة هند مفتتناً بها، قائلا: ليت هندا أنجزتنا ما تَعِد/ وشَفَتْ أنفسنا مما تَجِد/ واستبدت مرة واحدة/ إنما العاجز من لا يستبد!

24