العقل البشري صانع الذكاء الصناعي والمتحكم فيه

لا خلاف في أن الكمبيوتر أعظم اختراع أنتجته البشرية، فبواسطة هذا الجهاز استطاع الإنسان أن يتجاوز حدود المستحيل فبلغ الابتكار التكنولوجي منتهاه، خاصة فيما يتعلق بالروبوت، لكن هل تهدّد سرعة تطور الكمبيوتر العقل البشري؟
الأحد 2016/03/06
هل تتمرد الآلة على صانعيها من البشر

لندن - يشهد العالم طفرة تكنولوجية في العصر الحديث جعلت عدة باحثين يطلقون تساؤلا يمكن اعتباره سؤال القرن وهو هل تفوّق جهاز الكمبيوتر على العقل البشري؟

يتسارع الجميع إلى الإجابة بالنفي حتى أنه وجدت دراسةٌ جديدة ترى أن أجهزة الكمبيوتر الأكثر تقدما حتى اليوم لا تبلغ قوتها إلا بِنسبة “واحد على ثلاثين” من قوةِ الدماغ البشري.

فرغم ذكاء أجهزة الكمبيوتر حالياً و قوتها إلا أنها ما تزال بعيدة كل البعد عن العقل الإنساني، حيث أن أداء هذه الأجهزة لأعمال محددة يتم عن طريق البرمجة التي لا يزال الإنسان يتحكم فيها إلى الآن.

إذن فالاختلاف واضح بين جهاز الكمبيوتر وقدرات العقل البشري وهو ما دفع العلماء على مدى السنوات القليلة الماضية للبحث عن سبل الحصول على الكمبيوتر الخارق الذي بإمكانه تقليد درجة تعقيد ومعالجة قوة الدماغ البشري الحقيقي.

وانطلقت الأبحاث من قاعدة النظر في شكل عمل كل منهما، فالكمبيوتر الذكي يعمل وفق نظم معالجة متوازية وتتطور باستمرار تماشياً مع قانون مور الذي ينصّ على أن عدد الترانزستورات ضمن الرقاقة يتضاعف كل ثمانية عشر شهرا، في حين يعمل الدماغ البشري بشكل متواز أيضاً، ولكن ضمن نطاق مختلف عن الكمبيوتر، ووفقاً لدراسات علماء الأحياء فإن الدماغ البشري يمتلك ما يقارب من 90 مليار خلية عصبية مرتبطة معاً ممّا يعني تواجد أكثر من 220 تريليون نقطة اتصال تسمى نقاط الاشتباك العصبي.

إن أقوى الكمبيوترات وأكثرها قدرة تكنولوجية ليست قادرة على محاكاة الدماغ البشري حتى الآن وهو ما دفع بالكثير من الباحثين إلى استخلاص أن محاكاة دماغ الإنسان مهمة تتطلب جهاز كمبيوتر أقوى بكثير من تلك التي نستعملها اليوم.

ولا يتوقع الوصول إلى هذه القدرات وفق مقاييس التكنولوجيا العملاقة اليوم قبل ثلاث سنوات على الأقل.

وقال بون كوابينا الباحث في قسم الهندسة الحيوية في جامعة ستانفورد “أحد التحديات الرئيسية في بناء نظام بنى عصبية عبر السيليكون هو أن كل عصبون يتصل مع الآخرين من خلال 8 آلاف نقطة اشتباك عصبي”. وأضاف بون “نحتاج إلى حوالي 20 ترانزستور لتنفيذ مشبك واحد، ويتضح ان إمكانية بناء ما يعادل حوالي 220 تريليون نقطة اشتباك عصبي عبر الترانزستور والسيليكون ليست مشكلة سهلة الحل لدينا”.

إذن يستهلك المخ البشري كميات أقل من الطاقة من الكومبيوتر. فما يفعله المخ البشري بأقل من 100 واط من الطاقة يحتاج الكومبيوتر إلى 4 ملايين واط لإنجازه.

4 ملايين واط من الطاقة يحتاجها الكمبيوتر لإنجاز ما يفعله المخ البشري بأقل من 100 واط

وأشارت دراسة بحثية تمّ نشرها مؤخرا إلى اكتشاف إمكانية احتفاظ الدماغ البشري بالمعلومات بكمية أكبر عشر مرات مما كان يعتقد سابقاً، ويعتقد العلماء الآن أن قدرة الدماغ البشري تدور حول البيتابايت أي ما يقارب الألف تيرابايت.

ويحتوي الدماغ البشري على مئة مليون جزء عامل، ومعظم الأدمغة تزن ما يزيد قليلا على ثلاثة أرطال وفيها تقريبا من عشر إلى أربع عشرة خلية عصبية. ولتصوير كم هي دقيقة هذه الخلايا، فإنه يمكن وضع 250 ألفا منها على قطعة عملة نقدية تساوي في حجمها البنس الواحد ورغم هذا الحجم الضئيل فإن كل خلية منها قادرة على تخزين قرابة مليوني جزء من المعلومات.

إذن فإن القدرة التخزينية للعقل الإنساني تساوي عشرة عناصر معرفية كل ثانية مدى الحياة أي 600 عنصر في الدقيقة و36 ألف عنصر معرفي في الساعة، وبالنسبة إلى عمر الإنسان العادي فإن عقله قادر على تخزين قرابة مئة تريليون من العناصر المعرفية.

وبعيدا عن مصطلحات علم الأحياء، فإن المخ البشري يقوم بأشياء مذهلة وإبداعية، بينما الكومبيوتر لا يبدع بل يكرر تعليمات كتبت بلغة الآلة من أجل تنفيذ المطلوب. فمثلا إذا أردنا من الكومبيوتر أن يرتب لنا الملايين من الأسماء ترتيبا أبجديا فإنه يقوم بذلك في وقت قصير يعجز المخ البشري عن القيام بمثله، ولكن هذا لا يعني أن الكومبيوتر يفكر أو هو عبقري، بل هو ينفذ برنامجا كتبه إنسان ما باستخدام لغة برمجة عالية وهذا البرنامج نفسه يعتمد على لغة الآلة البدائية التي اخترعها أيضا إنسان ما وتتضمن تعليمات قليلة ينفذها الكمبيوتر بشكل أسرع.

إذن لا يعمل مخ الإنسان بالنظام الثنائي (صفر-واحد) بل يعمل بطريقة أخرى غير مفهومة إلى يومنا هذا، حيث تظهر حقائق جديدة عن طريقة عمله بين حين وآخر تغير ما ظن الإنسان أنه يعرفه عن عمل المخ أو الدماغ البشري، فشبكات الخلايا العصبية في الدماغ تعمل بشكل مختلف تماما عن الدوائر المنطقية البدائية التي يستخدمها الكمبيوتر ولولا سرعته الهائلة لما ظهر بهذا الذكاء.

وتوصل العالم جيمس تريفل في نهاية دراسة قام بها في هذا المجال أن الكمبيوتر والدماغ البشري يكمّل كل منهما الآخر وأنهما يشكلان شراكة فكل منهما يزود الآخر بما لا يستطيعه، فالدماغ له وظائف لا يستطيع الكمبيوتر القيام بها، والتي من أهمها ما يتعلق بالعواطف والمشاعر الإنسانية والأمور التي نشير إليها في العادة بالإبداع والفن .

لذلك تحاول فرق من العلماء دوماً استخدام طرق التفكير والمنطق البشري لتطوير الكمبيوتر وجعله أكثر كفاءة وأكثر سهولة في الاستخدام وتطوير آلات قادرة على القيام بوظائف الدماغ المتطور لكنها لا تبدو مهمة سهلة أبدا.

18