العقل التركي مسكون بشبح المؤامرات

أضحى سيناريو الأجانب المحتالين الذين يتحايلون على الأتراك “الصريحين والجديرين” بالثقة مرويّة شائعة في صفوف حزب العدالة والتنمية الحاكم ووسائل الإعلام المتنفذة التي تقف إلى جانب الحكومة.
الأربعاء 2016/08/24
الخوف من المؤامرات الغربية محفورا في ذاكرة الأتراك

أنقرة - لم تضع المحاولة الانقلابية الفاشلة في تركيا، التي طبعت منتصف شهر يوليو الماضي، أوزارها بعد ومازالت مفاعيلها طاغية على المواقف التركية، سلطة ومعارضة.

والنظام التركي، المعتمد على حزب العدالة والتنمية، وبعد أن استغل لحظة الانقلاب بكل ما أوتي له من قمع وإيقافات وإقالات، لم يضع في اعتباره بحث الأسباب العميقة المؤدية إلى الانسداد السياسي الذي أفرز محاولة الانقلاب، ولم يطرح سؤال القادم السياسي والاجتماعي، بل إن بحثه الذرائعي عن أعداء موهومين طال خارج البلاد، في بحث محموم عن “شركاء” خارجيين ضالعين في الحدث.

وارتفع منسوب الحديث عن مؤامرة دُبرت من الخارج من مستوى الهمس إلى درجة التصريح، وانساقت صحف قريبة من النظام في الترويج لقناعة مفادها أن “أميركا دبّرت محاولة الانقلاب الفاشلة”، متكئة في ذلك على تصريحات قيل إنها لشخصيات أميركية نافذة، وأيضا على وجود فتح الله كولن، في الولايات المتحدة، وانخرطت في ذلك طائفة واسعة من التيارات السياسية التركية لدواع متداخلة.

ونشطت وسائل الإعلام التركية المحسوبة على الحكومة للترويج لنظرية المؤامرة، في خطوة يؤكد مراقبون أن الهدف منها التغطية على عملية التطهير الكبرى التي تشهدها البلاد، منذ ذلك التاريخ.

وادعت صحيفة تركية أن أكاديميا أميركيا ومسؤلا سابقا في الخارجية الأميركية أسهم في التخطيط لمؤامرة الإطاحة بالحكومة التركية، أثناء إقامته في فندق فاخر على جزيرة في بحر مرمرة قرب إسطنبول.

ويؤكد إبراهيم كاراغول، مدير تحرير صحيفة يني شفق، اليومية الموالية لحكومة حزب العدالة والتنمية أن “الانقلاب تم بتدبير فتح الله كولن”. وأجرت صحيفة تركية أخرى استطلاعا لآراء الشارع التركي على موقع تويتر سألت فيه الجمهور “برأيك أي جهة في الحكومة الأميركية قدمت الدعم لمخططي الانقلاب؟”، فجاءت وكالة الاستخبارات المركزية على رأس القائمة بنسبة 69 بالمئة، فيما حل البيت الأبيض ثانيا لكن بنسبة أقل من ذلك بكثير بلغت 20 بالمئة. وقد دفع الانتشار الواسع لهذه القناعة بين الأتراك بالرئيس باراك أوباما شخصيا إلى نفي أي ضلوع أميركي في محاولة الإطاحة بحكومة دولة هي من أعضاء حلف شمال الأطلسي.

ذكرت صحيفة نيويورك تايمز أن هذه النظرة تعود بجذورها إلى نحو قرن من الآن مع نهاية الحرب العالمية الأولى عندما قامت القوى الغربية بتقسيم الإمبراطورية العثمانية المهزومة؛ حينها فشل مخطط غربي آخر لتقسيم تركيا الحديثة بفضل الحرب التي شنها مصطفى كمال أتاتورك، مؤسس الدولة الحديثة، ضد المحتلين. ومنذ ذلك الحين بات الخوف من “المؤامرات الغربية” محفورا في ذاكرة الأتراك.

ويتساءل الأتراك تعبيرا عن سخطهم من مماطلة الولايات المتحدة في تسليم كولن: كيف كانت الأمور ستكون لو أن تركيا عام 2001 خبأت أسامة بن لادن؟ ونظرا للقناعة السائدة بأن كولن هو من دبر الانقلاب فإن أي عرقلة في تسليمه من قبل الولايات المتحدة ستثير الغضب العام في تركيا ضد الولايات المتحدة الأميركية، ناهيك عن أن ذلك سيكون بمثابة تأكيد للقناعة التي ذهبت إلى اتهام الأميركيين بالتآمر على تركيا.

الأتراك مسكونون بشبح المؤامرات الخارجية ضد الحكومة ويعمل الرئيس التركي على تغذية هذا الشعور

وعلق أكين أونفير الأستاذ المساعد في العلاقات الدولية بجامعة قدير الخاصة في إسطنبول على هذا الأمر قائلا “كلما حدث شيء مروع ومهول في تركيا كانت ردة الفعل الانعكاسية هي وجود مؤامرة”. ويمكن أن يفهم انتشار هذه النظرية بهذا الشكل الكبير من خلال أحد الأمثال التركية المأثورة والتي تقول إن “الصديق الوحيد للتركي هو التركي”، وهو أمر تؤكّده نتائج نشرتها مؤسسة بيو للأبحاث وجدت أن غالبية الأتراك لا تحب أي أحد تقريبا، فبالإضافة إلى المشبوه بهما التقليديتين، إسرائيل والولايات المتحدة، قال ما بين 70 و80 في المئة من المستطلعة آراؤهم إنهم لا ينظرون بمودة إلى إيران وروسيا والمملكة العربية السعودية وحتى البرازيل.

ويعتبر جنكيز أكتار، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة سليمان شاه في اسطنبول، أن ذلك “جزء من موجة واسعة من الخوف من الأجانب لا تستثني أحدا”. ولم يتأخر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في استغلال هذه النقطة، حيث عمد في أكثر من مناسبة إلى تصوير عزلة البلاد الدولية لأنصارها على أنها ميزة، وتعزيز هذا الشعور بما يخدم مصالحه، زاعما أن تركيا تتمسك بموقفها الأخلاقي السامي على الصعيد الدولي رغم ما تواجهه من تحديات خارجية، في مسعى لإضفاء طابع إيجابي على ما يصفه الكثيرون في البلاد بأنه كارثة سياسية وسير نحو الدكتاتورية.

ويوضح ريان جنجيراس، أستاذ مساعد في قسم شؤون الأمن الوطني في المعهد البحري للدراسات الجامعية في مونتيغري بكاليفورنيا، في دراسة نشرت حديثا في مجلة فورين أفيرز الأميركية، تعقيبا على انتشار نظرية المؤامرة وعلاقتها بالانقلاب في تركيا، أن المحاولة الانقلابية ضخت في الشهر الماضي نفسا جديدا في السياسات التركية السوداء والمشبعة بأراء حول مؤامرات تحاك ضد البلاد.

ولكن تلك الآراء ليست جديدة، فمنذ أكثر من عشر سنوات، دأبت مجموعات من الصحافيين والباحثين والشخصيات السياسية من مختلف قطاعات المجتمع التركي، على القول إن فصائل سرية تعمل من داخل الحكومة للإطاحة بها. كما يدور نقاش حزبي حول من يرأس تلك الفصائل، وطبيعة أهدافها، ورغم ذلك، ظلت تيارات تآمرية خفية تحرك السياسات التركية منذ ولادة الجمهورية في عام 1922، وفيما كانت بعض تلك المكائد نتاج توقعات أو خيال شعبي، وقعت مؤامرات حقيقية، استفاد منها أردوغان.

ويلفت جنجيراس إلى أن حكومة أردوغان سعت منذ تسلمها السلطة في عام 2003 لتبني فكرة أن تركيا كانت طوال تاريخها محاطة بالمؤامرات.

وبالنسبة إلى الكثيرين، تثبت المحاولة الانقلابية الأخيرة رأي أردوغان أنه طالما كانت هناك قوى خفية تسعى للسيطرة على الجمهورية التركية وتدميرها. ولهذا السبب لقي عدد من الاتهامات التي وجهت ضد أتباع فتح الله كولن صدى بين الأتراك، لأنها تبدو منطقية بالنظر إلى الأصول التاريخية للجمهورية التركية.

12